تُقدَّم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS 1982) باعتبارها “دستور المحيطات” الذي ينظم الحركة البحرية ويوازن بين حرية الملاحة وسيادة الدول. غير أن التطبيق العملي لأحكام الاتفاقية في المضايق الاستراتيجية—وفي مقدمتها مضيق هرمز—يكشف عن شرخ عميق بين النص القانوني وواقع القوة؛ حيث تُمارس القوى الإستكبارية، وفي طليعتها الولايات المتحدة، “استثنائية انتقائية” توظف القانون لتكريس النفوذ العسكري وتتجاهل متطلبات الأمن القومي للدول الساحلية.
- المفارقة القانونية: مطالبة بالحقوق وتنصل من التزامات المعاهدة
تكمن الأزمة الأولى في الإشكالية البنيوية للموقف الأمريكي؛ إذ تمارس واشنطن ضغوطاً متواصلة لضمان “حق المرور العابر” (المادة 38) في مضيق هرمز باعتباره حقاً مطلقاً لسفنها العسكرية، في حين أن مجلس الشيوخ الأمريكي لم يصادق رسمياً على الاتفاقية حتى اليوم.
تستند واشنطن في ذلك إلى اعتبار قواعد العبور “قانوناً عرفياً دولياً”، وهو تفسير نفعي يمنحها امتيازات الاتفاقية دون الخضوع لالتزاماتها أو لآليات تسوية المنازعات الواردة فيها. هذه المفارقة تجعل القانون الدولي يبدو وكأنه أداة تُستخدم باتجاه واحد لخدمة القوة البحرية المهيمنة.
- تجزئة النصوص: إسقاط “واجبات السلوك” لحساب “حرية الحركة”
ينص القانون الدولي على أن حق المرور العابر ليس مطلقاً، بل هو مشروط بحزمة من الالتزامات؛ حيث تلزم المادة 39 (الفقرة 1-ب) السفن المارة بالامتناع عن أي “تهديد بالقوة أو استخدام لها ضد سيادة الدولة المشاطئة للمضيق أو سلامتها الإقليمية”.
في الحالة الإيرانية، فإن الاستعراض الدائم للقوة، والمناورات العسكرية المقترنة بتصريحات سياسية هجومية قرب الحدود البحرية الإقليمية، يُنظر إليها بحق على أنها خرق لروح المادة 39. ومع ذلك، يتم القفز عن هذه النصوص بالكامل، ويُصر الطرف الغربي على حصر التفسير في “حرية الحركة المطلقة”، مما يُجرّد الدولة الساحلية من حقها الطبيعي في المطالبة بأشكال من “التنسيق أو الإشعار المسبق” لحماية أمنها القومي.
- ازدواجية المعايير وصناعة “النظام القائم على القواعد”
تتكشف أزمة العدالة القانونية عند مقارنة اتساع المفهوم الأمريكي للأمن القومي بضيقه بالنسبة للدول الأخرى:
أمريكا: تُعرّف أمنها الحيوي على بعد آلاف الكيلومترات من سواحلها، وتشرعن تواجد قطاعاتها الحربية في أضيق الممرات الملاحية للآخرين تحت شعار “حماية الملاحة الدولية”.
الدول الساحلية (مثل إيران): يُطلب منها قبول تحركات عسكرية معادية على بعد ميل بحري من شواطئها دون اتخاذ أي تدابير تنظيمية أو أمنية، بدعوى عدم إعاقة الملاحة.
هذه الفجوة تُظهر كيف يُعاد تفسير المصطلحات مثل “النظام القائم على القواعد” (Rules-Based Order) ليكون مرادفاً لشرعنة المصالح الأمنية لدول الاستكبار ، وتهميش المخاوف المشروعة للدول النامية والإقليمية.
إن النزاع القانوني في مضيق هرمز ليس مجرد خلاف على تفسير نصوص اتفاقية 1982، بل هو انعكاس لأزمة أكبر في النظام الدولي تتجسد في تسييس القانون الدولي والكيل بمكيالين. إن استمرار فرض القواعد الإقليمية بمنطق القوة العسكرية والأحادية يفرغ القانون الدولي من مضمونه الأخلاقي، ويُحوّل المضايق الاستراتيجية من معابر للتجارة والسلام إلى ساحات لتثبيت الهيمنة وتهميش سيادة الدول


