في مراحل التحول السياسي الكبرى، تكون البدايات هي البوصلة التي تحدد الاتجاه، فإن كانت خاطئة أو مرتجلة، فإن النهايات لا تكون مجرد إخفاقات عابرة، بل كوارث شاملة. وهذا ما حدث في العراق بعد زوال نظام الطاغية صدام حسين وزمرته.
ففي لحظة فارقة من تاريخ العراق، تسلّم قادة الشيعة زمام القرار، وكان يُفترض أن يُعاد بناء الدولة على أسس راسخة تُنهي عقودًا من الظلم والاستبداد. لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. فبعض أولئك القادة – طوعًا، أو بسذاجة، أو نتيجة قلة الخبرة، أو من خلال تصورات مغلوطة – قبلوا ما فرضته الإدارة الأميركية من نظام سياسي مفخخ بالمحاصصة الطائفية، يضرب جوهر الديمقراطية، ويمنح السلطة على أساس الهوية، لا الكفاءة.
هذه البدايات الخاطئة أنتجت نظامًا مختلًا لم يعرف معنى الأغلبية المسؤولة، بل استسلم لمعادلة “المحاصصة”، التي قتلت أي فرصة لنشوء معارضة حقيقية، أو تداول سلمي حقيقي للسلطة. فالديمقراطية التي كان ينبغي أن تُبنى على “حكم الأغلبية مع صون حقوق الأقلية”، تحولت إلى مشروع لتقاسم النفوذ، وتسويق الأوهام، وتصفية الحسابات.
ومع مرور الوقت، تعمق هذا الخلل، لا سيما عندما فُتحت أبواب العملية السياسية لقوى لم تؤمن يومًا بالدولة، ولا بالدستور، بل وجدت في المشاركة السياسية غطاءً لإعادة التموضع، وتصفية حساباتها التاريخية.
لم يكن من المفترض أن يقف قادة الشيعة عند هذا الحد، لكنهم – للأسف – ارتكبوا سلسلة من الأخطاء القاتلة. لم يحافظوا على ما تبقى من الروح الوطنية الجامعة، بل كرّسوا ثقافة المغانم، وسمحوا للطامعين والانتهازيين أن يصنعوا مافيات سياسية، وطبقات اجتماعية جديدة، باتت واضحة المعالم في الشارع العراقي.
الأسوأ من ذلك، أن هذه القوى سمحت بعودة الإرهابيين والطائفيين إلى صدارة المشهد، لا فقط عبر “قوانين العفو المذل”، بل عبر الأحضان والمصافحات. كيف يمكن لأب أو زوجة شهيد أن يتقبل مشهد قادة شيعة وهم يعانقون خميس الخنجر؟ كيف يُفسَّر اللقاء مع علي حاتم السليمان، الذي كانت له صولات وجولات ضد الدولة ومكوناتها؟
إن ما حدث ليس فقط تنازلًا، بل خيانة صريحة لدماء الشهداء. وعندما يقف القائد أو رئيس الكتلة عاجزًا عن مواجهة الجيوب الإرهابية في وادي حوران، المحمية بدعم خارجي، فإن هذا العجز ليس إلا عنوانًا صارخًا للفشل والتخاذل.
نعم، كانت البداية خاطئة، والنتائج كارثية، وآخر فصول هذه المأساة ما جرى مؤخرًا من مواقف بعض من يسمّون أنفسهم “شركاء الوطن”، ومنهم المشهداني وغيره، الذين لا يرون في الوطن سوى غنيمة تُقسم، لا قضية تُحمى.
وفي ضوء هذا الواقع المؤلم، لا بد أن نكون صريحين مع أنفسنا: شيعة العراق اليوم يفتقدون القائد الحازم، القادر على إلزام كل جهة بحدودها، دون خوف أو مساومة. وحتى إن وُجد هذا القائد، فإن بعض القيادات ستتخلى عنه، خوفًا على مصالحها، أو رضوخًا لضغوط الخارج.
ومع ذلك، فإن تكليفنا الشرعي والأخلاقي واضح لا لبس فيه: علينا أن نرفض الظلم، ونُعرّي الفاسدين، ونُجاهر بالحق، وألا نقف على التل متفرجين، فهذا موقف المتخاذلين، ونحن لسنا منهم، ولن نكون.
فـ كلمة حق في وجه سلطان جائر هي أعظم الجهاد.


