في تحول استراتيجي غير مسبوق، انتقلت القوات المسلحة اليمنية من موقع المتلقي للحصار إلى فاعل قادر على فرض معادلة جديدة تعيد تشكيل موازين القوة في أحد أهم الممرات المائية العالمية، مضيق باب المندب. فبعد أحد عشر عاماً من الحصار المفروض على الموانئ والمطارات اليمنية، أعلنت اليمن في العشرين من تموز 2026، عبر بيان عسكري حاسم، فرض حظر ملاحة بحرية شامل وفوري على السفن المرتبطة بالعدو، محولةً أدوات الضغط التي استُخدمت ضدها طوال السنوات الماضية إلى سلاح ردع لا يقل فاعلية. ولم تكن هذه الخطوة وليدة لحظة عابرة، بل جاءت تتويجاً لتظاهرات شعبية حاشدة وُصفت بـ”جمعة التحذير والنفير”، منحت القيادة تفويضاً شعبياً استثنائياً لكسر الحصار، والتحمت بالجيش في موقف أعاد تعريف مفهوم الردع الجماعي.
إن جوهر نظرية “الحصار بالحصار” لا يكمن في مجرد إغلاق ممر مائي، بل في إعادة تعريف قواعد اللعبة برمتها. فالمعادلة الجديدة تعني أن أي استمرار في تعطيل حياة اليمنيين وحصارهم سيقابل بإجراءات مكافئة تمس المصالح الحيوية للخصم. وبامتلاكها السواحل المطلة على البحر الأحمر، وضعت اليمن مضيق باب المندب، الذي يعد المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، في صلب معادلة الردع، محولة إياه من ممر آمن إلى ساحة مواجهة غير متماثلة. وتتجلى فاعلية هذه الاستراتيجية في قدرتها على تعطيل شرايين التجارة العالمية، حيث باتت شركات الشحن الكبرى مضطرة للالتفاف حول إفريقيا عبر طريق رأس الرجاء الصالح، مما يرفع التكاليف ويطيل زمن الرحلات. كما أدى التهديد إلى زعزعة الاستقرار الاقتصادي في المنطقة وإجبار الخصوم على ردود أفعال مكلفة، واستنزاف التكنولوجيا العسكرية المتقدمة بصواريخ اعتراضية باهظة الثمن.
وتكتسب هذه المعادلة أبعاداً إقليمية ودولية عميقة، خاصة في ظل اللحظة الإقليمية شديدة الحساسية التي تتقاطع فيها الأزمة اليمنية مع مواجهات إيران وخصومها. فبينما تسعى السعودية إلى اعتماد سياسة “الردع المتوازن” القائمة على “ضربة بضربة” لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، تدرك الرياض أن ميناء جدة الإسلامي، الذي يستوعب وحده أكثر من 65% من البضائع البحرية السعودية (نحو 130 مليون طن سنوياً)، بات في مرمى التهديد المباشر. ومن شأن الإغلاق الكامل للمضيق أن يوقف صادرات النفط السعودية إلى آسيا. وهكذا، لم يعد مفهوم الحصار البحري مجرد تهديد عسكري عابر، بل تحول إلى معادلة ردع جديدة تجسدها القوات المسلحة اليمنية، مؤكدةً أن خيارات المواجهة لم تعد محصورة بالساحات التقليدية، وأن اليمن، رغم ضعف بنيته التحتية، يمتلك ثقلاً استثنائياً وقدرة على التعطيل تفوق حجمه الاقتصادي والمؤسسي بأضعاف.


