موازنة البرامج والنتائج… إصلاح مالي أم تحول في فلسفة الدولة؟

موازنة البرامج والنتائج... إصلاح مالي أم تحول في فلسفة الدولة؟
تنقل موازنة البرامج والنتائج الإدارة المالية من قياس الإنفاق إلى تقييم الأثر والأداء، لكنها تتطلب تخطيطاً استراتيجياً، وبيانات دقيقة، ومؤشرات قابلة للقياس، وشفافية ومساءلة وتنسيقاً مؤسسياً، كي لا تتحول إلى موازنة تقليدية بمسمى جديد...

ليس من المبالغة القول إن نجاح أي إصلاح اقتصادي يبدأ من الموازنة العامة، فهي ليست مجرد جداول للإيرادات والنفقات، وإنما هي التعبير الحقيقي عن أولويات الدولة وقدرتها على تحويل الموارد إلى تنمية وخدمات وفرص اقتصادية وهي ترجمة حقيقية لبرنامجها الحكومي. ومن هنا، فإن شروع الحكومة العراقية في اعتماد موازنة البرامج والنتائج يمثل خطوة إصلاحية تستحق الاهتمام، لأنها تعكس تحولاً في فلسفة إدارة المال العام، وليس مجرد تغيير في آليات إعداد الموازنة.

لقد ارتبطت الموازنات العراقية، لعقود طويلة، بمنهج موازنة البنود، وهو منهج يهتم بتوزيع التخصيصات المالية على أبواب الإنفاق المختلفة، دون أن يربط بين حجم الإنفاق ومستوى الإنجاز الفعلي. وكانت النتيجة أن تحولت الموازنة في كثير من الأحيان إلى أداة لتمويل النشاط الحكومي، لا لقياس كفاءته أو تقييم أثره الاقتصادي والاجتماعي. ومع تضخم الإنفاق العام، ولا سيما بعد عام 2003، بقي السؤال الذي يطرحه المواطن والخبير الاقتصادي على حد سواء بلا إجابة واضحة: لماذا لا ينعكس هذا الإنفاق الضخم على جودة الخدمات ومستوى التنمية؟

هنا تبرز أهمية موازنة البرامج والنتائج، التي تقوم على مبدأ بسيط لكنه عميق الأثر، وهو أن الأموال العامة لا ينبغي أن تُقاس بما يُصرف منها، بل بما تحققه من نتائج, فالوزارة أو المؤسسة الحكومية لم تعد مطالبة بتبرير إنفاقها فقط، وإنما بإثبات قدرتها على تحقيق أهداف محددة، وفق مؤشرات أداء قابلة للقياس والمراجعة,وهذا هو الفارق الجوهري بين إدارة تستهلك الموارد، وإدارة توظفها لتحقيق قيمة اقتصادية واجتماعية.

إن الاقتصاد العراقي، الذي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، بحاجة ماسة إلى هذا التحول, فالتقلبات الحادة في أسعار النفط، والضغوط المتزايدة على الإنفاق التشغيلي، واتساع الالتزامات الاجتماعية، جميعها تجعل من رفع كفاءة الإنفاق العام أولوية وطنية لا تقل أهمية عن زيادة الإيرادات, فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ دائماً من البحث عن موارد جديدة، بل من تحسين إدارة الموارد المتاحة.

غير أن موازنة البرامج والنتائج ليست وصفة سحرية لحل جميع المشكلات المالية، فهي تتطلب بيئة مؤسسية متكاملة تقوم على التخطيط الاستراتيجي، وقواعد بيانات دقيقة، ونظم معلومات حديثة، ومؤشرات أداء واقعية، إضافة إلى كوادر تمتلك مهارات التحليل والمتابعة والتقييم, والأهم من ذلك، أنها تحتاج إلى إرادة سياسية وإدارية تؤمن بأن المساءلة يجب أن تكون عن النتائج، لا عن الالتزام بالإجراءات فقط.

وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من اختزال الإصلاح في تغيير النماذج المحاسبية أو استبدال المسميات الإدارية. فالتجارب الدولية تؤكد أن موازنة البرامج والنتائج تنجح عندما تصبح جزءاً من ثقافة الإدارة الحكومية، وليس مجرد التزام شكلي. وإذا غابت الشفافية أو ضعفت منظومة قياس الأداء، فإنها قد تتحول إلى موازنة تقليدية بثوب جديد، دون أن تحقق أهدافها المرجوة.

كما أن نجاح هذا النهج يتطلب تكاملاً بين وزارة المالية ووزارة التخطيط والجهات الرقابية والسلطة التشريعية، لأن تقييم البرامج الحكومية لا يمكن أن يتم بمعزل عن الخطط التنموية والأهداف الوطنية. فالغاية النهائية ليست إعداد موازنة أكثر تعقيداً، بل بناء إدارة حكومية أكثر كفاءة وقدرة على تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي لكل دينار من المال العام.

إن العراق يقف اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة تعريف مفهوم الموازنة العامة، بحيث تصبح أداة لقياس الأداء وصناعة السياسات، لا مجرد وسيلة لتوزيع الموارد, وإذا ما أُحسن تنفيذ هذا التحول، فإنه سيؤسس لمرحلة جديدة من الحوكمة المالية، يكون معيار النجاح فيها هو جودة الخدمات، وكفاءة الإنفاق، وتحقيق الأثر التنموي المستدام.

وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعداد موازنة مختلفة، بل في بناء دولة تُدار بعقلية مختلفة؛ دولة تجعل من النتائج معياراً للنجاح، ومن كفاءة الإنفاق أساساً للسياسة المالية، ومن المساءلة ثقافة مؤسسية راسخة, عندها فقط يمكن القول إن العراق لم يغيّر شكل موازنته فحسب، بل بدأ فعلاً مسار الإصلاح الاقتصادي الذي طال انتظاره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *