تقدر الأموال المكتنزة تريليونات من الدنانير العراقية حبيسة المنازل والخزائن ومدفونة تحت الأرض او في الاثاث المنزلي خارج الدورة الاقتصادية، بينما تبحث الدولة عن مصادر تمويل، وتعاني المصارف من ضعف الودائع، ويستمر الاقتصاد النقدي في توفير بيئة مثالية للتهرب الضريبي والفساد وغسل الأموال وتتداول خارج الجهاز المصرفي حيث تشكل تحديًا كبيرًا أمام أي سياسة نقدية وتؤدي إلى إضعاف فاعلية الاقتصاد وتقليل قدرة الدولة على مراقبة حركة الأموال. ومن هنا تولدت لدي فكرة إصدار عملة جديدة أو حذف الأصفار كإجراء قد يسهم في إعادة تدوير الكتلة النقدية وإعادتها إلى الدورة الاقتصادية وناقشتها في كثر من اللقاءات الإعلامية الخاصة بالعملية الاقتصادية.
وتقوم الفكرة على أساس منح المواطنين مهلة محددة لاستبدال العملة القديمة بالجديدة، بحيث تُودع المبالغ المستبدلة إلكترونيًا في حسابات مصرفية، مما يحقق توسعًا في الشمول المالي ويمنح الجهات المختصة صورة أوضح عن حجم الكتلة النقدية المتداولة.
وفي حال عدم تسليم النقد الورقي خلال المدة القانونية المحددة، تفقد العملة القديمة صفتها القانونية في التداول. كما أن هذه العملية قد تساعد في كشف الأموال غير المبررة أو التي يصعب تفسير مصادرها، الأمر الذي يتيح للجهات الرقابية والضريبية والقضائية تتبعها وفقًا للقوانين النافذة (من اين لك هذا).
لكن نجاح هذه الخطوة لا يعتمد على تغيير شكل العملة وحده، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل قطاعًا مصرفيًا موثوقًا، وضمانات قانونية للمواطنين، وإجراءات واضحة لحماية أصحاب الأموال المشروعة، مع آليات رقابية فعالة لملاحقة الأموال الناتجة عن الفساد أو غسيل الأموال.
إن تغيير العملة ليس مجرد إجراء فني، بل قد يكون مشروعًا اقتصاديًا وإداريًا واسع الأثر إذا نُفذ بشفافية وعدالة، وبما يحقق هدفين متلازمين أولهما إعادة الأموال إلى الدورة الاقتصادية، وتعزيز قدرة الدولة على مكافحة الفساد وترسيخ اقتصاد أكثر تنظيمًا وشفافية.
ولا تكمن القيمة الحقيقية لتغيير العملة في استبدال الأوراق النقدية، بل في الفرصة التي يخلقها لإعادة تنظيم الدورة النقدية وربط الكتلة المالية بالاقتصاد الرسمي. فحين تقترن هذه الخطوة بإصلاحات مصرفية ورقمية، وتطوير أنظمة الدفع الإلكتروني، وتشديد الرقابة الضريبية والمالية، تتحول من عملية نقدية إلى أداة لإعادة هيكلة الاقتصاد غير الرسمي وتقليص حجم السيولة المكتنزة. وعندها لا تستعيد الدولة كتلتها النقدية فحسب، بل تعزز كفاءة السياسة النقدية، وترفع قدرة المصارف على تمويل الاستثمار والإنتاج، بما ينعكس على الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي المستدام.
السؤال لم يعد: هل نغيّر العملة؟ بل: هل نمتلك الشجاعة لتحويل الأموال من الظل إلى الاقتصاد الرسمي؟ فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح كل كتلة نقدية مرئية، وكل دينار خاضعًا للقانون.


