لا اقتصاد بلا مصارف حقيقية: هل آن أوان إنقاذ القطاع المصرفي في العراق؟

لا اقتصاد بلا مصارف حقيقية هل آن أوان إنقاذ القطاع المصرفي في العراق؟
لا يمكن بناء اقتصاد عراقي حديث من دون قطاع مصرفي متطور يعزز الشمول المالي، ويدعم الاستثمار والقطاع الخاص، ويقلل الاعتماد على النقد، عبر أنظمة رقمية وتشريعات حديثة وخدمات مصرفية فعالة...

إن الحديث عن دعم القطاع الخاص في العراق ما يزال حتى اليوم يدور في إطار الشعارات والخطط النظرية أكثر من كونه مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا قائمًا على بنية مالية ومصرفية حقيقية.

فالدول لا تبني اقتصاداتها بالإعلانات والمؤتمرات والورش الفنية، بل ببناء قطاع مصرفي قادر على إدارة الأموال وتحريك السوق وتسهيل الاستثمار والتجارة والخدمات المالية اليومية للمواطن.

وفي العراق، ورغم مرور أكثر من عشرين عامًا على التحول الاقتصادي ما يزال المواطن يواجه مشكلات مصرفية بدائية تكشف حجم الفجوة بين الخطاب الحكومي وواقع المؤسسات المالية إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 75% من الكتلة النقدية العراقية ما تزال متداولة خارج الجهاز المصرفي وهي نسبة خطيرة تعكس ضعف الثقة بالمصارف وضعف الشمول المالي، في وقت يمتلك فيه العراق أكثر من 70 مصرفًا حكوميًا وأهليًا وإسلاميًا إلا أن نسبة كبيرة من العراقيين لا يمتلكون حسابات مصرفية فعالة أو لا يستخدمون النظام المصرفي بصورة منتظمة.

ويُقدَّر حجم النقد المكتنز خارج المصارف بعشرات التريليونات من الدنانير العراقية، الأمر الذي يحرم القطاع المصرفي من السيولة الحقيقية القادرة على تمويل الاقتصاد والمشاريع والإنتاج ويحول المصارف إلى مؤسسات تقليدية تعتمد على العمليات الورقية والتحويلات المحدودة بدل أن تكون محركات اقتصادية واستثمارية.

كما أن عدد أجهزة الـ ATM في العراق ما يزال منخفضًا جدًا مقارنة بعدد السكان إذ إن بعض التقديرات تشير إلى أن العراق يمتلك بضعة آلاف فقط من أجهزة الصراف الآلي لخدمة أكثر من 45 مليون نسمة، بينما تمتلك دول أقل سكانًا وإمكانات اقتصادية شبكات مصرفية متطورة وآلاف الأجهزة المرتبطة إلكترونيًا بخدمات رقمية متكاملة تعمل على مدار الساعة.

المشكلة الأخطر لا تكمن فقط في قلة أجهزة الصراف أو ضعف الخدمات الإلكترونية بل في غياب البنية المصرفية المركزية الحديثة المعروفة عالميًا بـ Core Banking.

اذ ما تزال العديد من المصارف العراقية تعمل بعقلية “الفرع المنفصل” بمعنى أن المواطن قد لا يستطيع سحب أمواله من فرع آخر داخل نفس المصرف لأن البيانات ليست مرتبطة لحظيًا أو لأن النظام الإداري والتقني ما يزال قديمًا ومجزأً، وهذا الأمر لا يحدث في الأنظمة المصرفية الحديثة التي تعتمد على قواعد بيانات مركزية موحدة تسمح بتنفيذ العمليات المصرفية لحظيًا من أي مكان في الدولة أو خارجها.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومات عن التحول الرقمي والاقتصاد الإلكتروني ما يزال التاجر العراقي والمواطن يواجهان انقطاع الشبكات وتأخر الحوالات وتعطل نقاط الدفع الإلكتروني وصعوبة الوصول إلى الأموال ما أدى إلى استمرار هيمنة الاقتصاد النقدي على السوق العراقية.

وتشير تقارير اقتصادية إلى أن نسبة الشمول المالي في العراق ما تزال من بين الأدنى في المنطقة في حين أن دولًا نامية استطاعت خلال سنوات قليلة رفع نسب التعاملات الرقمية بشكل كبير عبر ربط المصارف بشبكات مركزية موحدة وتوسيع خدمات الهاتف المصرفي والمحافظ الإلكترونية.

فالهند مثلًا تمكنت خلال سنوات من إدخال مئات الملايين إلى النظام المالي الرقمي عبر الهوية الرقمية وربط الخدمات المصرفية إلكترونيًا كما استطاعت دول خليجية تحويل معظم الخدمات الحكومية والتجارية إلى أنظمة دفع رقمية متكاملة بينما ما يزال المواطن العراقي في كثير من الأحيان يقف في طوابير طويلة لسحب راتبه أو إجراء معاملة مصرفية بسيطة.

إن استمرار ضعف القطاع المصرفي انعكس بشكل مباشر على القطاع الخاص والاستثمار، فالمصارف العراقية لم تتحول حتى الآن إلى ممول حقيقي للمشاريع الاقتصادية إذ ما تزال القروض الإنتاجية محدودة، ونسب التمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة ضعيفة قياسًا بحجم السوق بينما تتركز أغلب الأنشطة المصرفية في العمليات التقليدية أو التعامل مع نافذة بيع العملة والتحويلات وهو ما خلق اقتصادًا هشًا يعتمد على النقد أكثر من اعتماده على التمويل والاستثمار. كما أن ضعف الخدمات المصرفية تسبب بخسائر كبيرة للتجار وأصحاب الأعمال نتيجة تأخر التحويلات وصعوبة الحصول على التسهيلات الائتمانية والضمانات المصرفية الحديثة.

ومن الناحية القانونية والتنظيمية فإن العراق ما يزال بحاجة إلى تحديث شامل للتشريعات المرتبطة بالتحول الرقمي والخدمات المالية الإلكترونية فالكثير من القوانين الحالية لا تواكب التطورات العالمية المتعلقة بالتوقيع الإلكتروني وحماية البيانات والأمن السيبراني والخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول كما أن البيئة التنظيمية ما تزال بحاجة إلى رقابة تقنية صارمة تُلزم المصارف بتحديث أنظمتها وربط فروعها إلكترونيًا وفق معايير موحدة.

إن بناء قطاع مصرفي حقيقي في العراق يتطلب مشروعًا وطنيًا شاملًا يبدأ بإلزام جميع المصارف بتطبيق أنظمة Core Banking الحديثة وربط الفروع وقواعد البيانات لحظيًا، وزيادة عدد أجهزة الـ ATM ونقاط الدفع الإلكتروني في جميع المحافظات وإنشاء مراكز بيانات وطنية داخل العراق لحماية المعلومات المالية، إضافة إلى توسيع خدمات الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على النقد الورقي الذي ما يزال يسيطر على مفاصل الاقتصاد العراقي.

كما أن الإصلاح المصرفي يجب أن يترافق مع دعم حقيقي للقطاع الخاص عبر تخصيص نسب تمويل ملزمة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وتسهيل منح القروض الإنتاجية، وتخفيض الفوائد على المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية لأن أي حديث عن تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط سيبقى مجرد خطاب سياسي ما لم يكن هناك قطاع مصرفي قادر على تمويل التنمية.

وتشير تجارب الدول إلى أن كل ارتفاع في نسب الشمول المالي والتحول الرقمي يؤدي إلى زيادة النشاط الاقتصادي وتقليل الفساد وتحسين الجباية الضريبية ورفع كفاءة الدورة النقدية بينما يؤدي استمرار الاقتصاد النقدي إلى زيادة التهريب المالي وغسل الأموال وضعف الرقابة الاقتصادية.

إن العراق اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء قطاعه المالي والمصرفي خصوصًا مع التوسع الكبير في استخدام التكنولوجيا والهواتف الذكية وازدياد الحاجة إلى الخدمات الرقمية لكن هذه الفرصة لن تتحقق بالمؤتمرات والشعارات، بل بخطط تنفيذية حقيقية تقاس بالأرقام لا بالتصريحات، فالنجاح الحقيقي يبدأ عندما يستطيع المواطن العراقي استخدام بطاقته المصرفية في أي محافظة دون تعقيد، وعندما تتحول المصارف من مؤسسات ورقية بطيئة إلى منظومات مالية رقمية متطورة ترتبط بالشبكات العالمية وتدعم التجارة والاستثمار والإنتاج لأن إصلاح القطاع المصرفي ليس خدمة مصرفية فقط، بل هو أساس بناء الدولة الاقتصادية الحديثة وحماية القوة الشرائية للمواطن العراقي وتحويل القطاع الخاص من قطاع هامشي إلى شريك حقيقي في التنمية الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *