المدينة المالية والاقتصادية في بغداد: رؤية وطنية لتحويل الأراضي المعطلة إلى قوة تنموية واستثمارية تعيد رسم مستقبل العاصمة

المدينة المالية والاقتصادية في بغداد رؤية وطنية لتحويل الأراضي المعطلة إلى قوة تنموية واستثمارية تعيد رسم مستقبل العاصمة
يمثل مشروع المدينة المالية والاقتصادية قرب مطار بغداد تحولاً استراتيجياً لتحويل الأراضي المعطلة إلى مراكز استثمار وتنمية، وتخفيف الضغط عن العاصمة، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص ضمن رؤية اقتصادية مستدامة...

في ظل التحولات الاقتصادية الكبرى التي يشهدها العراق، تبرز مشاريع المدن الاقتصادية الحديثة بوصفها أحد أهم أدوات إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني ونقل العاصمة بغداد من نموذج المدينة المستهلكة والمكتظة إلى نموذج المدينة المنتجة الجاذبة للاستثمار. ومن هنا فإن مشروع “المدينة المالية والاقتصادية” المحاذي لمطار بغداد الدولي لا يمثل مجرد مشروع عقاري أو توسع عمراني تقليدي بل يمثل تحولاً استراتيجياً في فلسفة إدارة العاصمة والتنمية الحضرية والاقتصادية معاً.

إن البيان الصادر عن الهيئة الوطنية للاستثمار عكس للمرة الأولى مقاربة قانونية ومؤسساتية متكاملة قائمة على ثلاثة محاور أساسية:

حسم الملكية العامة، معالجة التعطيل الاقتصادي للأراضي، وتحويل الأصول غير المستغلة إلى أدوات إنتاج وتنمية. وهذه المقاربة تنسجم مع الاتجاهات العالمية الحديثة في إدارة المدن الكبرى والتي تقوم على تحويل المناطق ذات الجدوى المنخفضة إلى مراكز اقتصادية متعددة الاستخدامات قادرة على خلق القيمة المضافة وفرص العمل والاستقرار المالي.

فعلى المستوى القانوني، فإن حسم ملكية الأراضي بين الدولة ممثلة بوزارتي النقل والمالية يضع حداً لحالة الضبابية التي لطالما استغلتها بعض الجهات المتجاوزة على أراضي الدولة. كما أن الاستناد إلى قرارات مجلس الوزراء وقانون التصميم الأساس لمدينة بغداد رقم ١٥٦ لسنة ١٩٧١ يمنح المشروع غطاءً تخطيطياً وتشريعياً راسخاً، ويؤكد أن المشروع ليس قراراً ارتجالياً أو استثماراً عشوائياً، بل جزء من رؤية تنموية شاملة لبغداد ٢٠٣٠.

أما من الناحية الاقتصادية، فإن أخطر ما تواجهه بغداد اليوم هو الاختناق العمراني والتجاري في مركز المدينة اذ تتركز الشركات والمخازن والمكاتب التجارية داخل أحياء سكنية فقدت قدرتها على الاستيعاب مما تسبب بارتفاع هائل في أسعار العقارات والإيجارات واستهلاك البنى التحتية، وزيادة الزخم المروري والتلوث البيئي. ومن هنا تأتي أهمية فلسفة “الاستخدام المختلط” التي تتبناها المدينة الاقتصادية لأنها لا تنشئ مجرد مجمعات استثمارية، بل تعيد توزيع النشاط الاقتصادي داخل العاصمة بصورة أكثر توازناً وكفاءة.

إن نقل الثقل التجاري والمالي إلى أطراف بغداد قرب المطار سيخلق ما يعرف اقتصادياً بـ “مراكز النمو البديلة”، وهي سياسة نجحت في مدن عالمية عديدة مثل دبي وإسطنبول والرياض اذ ساهمت المدن المالية الجديدة في تخفيف الضغط عن المراكز القديمة وتحفيز النمو العقاري والتجاري بصورة أكثر تنظيماً.

كما أن قرب المشروع من مطار بغداد الدولي يمنحه ميزة استراتيجية عالية تجعله مؤهلاً ليكون بوابة لوجستية ومالية وتجارية إقليمية، خصوصاً مع التوجهات الحكومية لتحويل العراق إلى مركز للنقل والتجارة والطاقة.

ومن الزاوية المالية فإن أهم ما يميز المشروع هو مبدأ “الكلفة الصفرية” على خزينة الدولة، وهو تحول مهم في الفكر الاقتصادي الحكومي.

فبدلاً من الاعتماد على الإنفاق العام المرهق للموازنة، يتم تحميل المستثمر مسؤولية إنشاء البنى التحتية والمرافق، مقابل الحصول على فرص استثمارية طويلة الأمد، مع احتفاظ الدولة بحصص عينية ومرافق مجانية. وهذا النموذج يمثل أحد أهم تطبيقات الشراكة بين القطاعين العام والخاص التي أصبحت ضرورة حتمية للدول الريعية التي تعاني من ضغط الرواتب والتشغيل وضعف التنوع الاقتصادي.

كما أن الحديث عن عدم وجود حصص مائية حقيقية لهذه الأراضي يطرح مسألة جوهرية تتعلق بكفاءة استخدام الموارد.

فالإبقاء على آلاف الدونمات تحت توصيف “زراعي” دون مياه أو إنتاج فعلي لا يحقق أمناً غذائياً ولا عائداً اقتصادياً، بل يتحول إلى بيئة للتجاوزات والمضاربات العقارية المقنعة. وبالتالي فإن إعادة توظيف هذه الأراضي ضمن مشروع اقتصادي إنتاجي أكثر انسجاماً مع الواقع المائي والسكاني يعد قراراً أقرب إلى العقلانية الاقتصادية والإدارة الرشيدة للأصول العامة.

وعلى المستوى الاجتماعي فإن نجاح هذا المشروع قد ينعكس مستقبلاً على تخفيض أسعار الإيجارات والعقارات داخل مركز بغداد، نتيجة انتقال جزء من النشاط التجاري والإداري إلى المدينة الجديدة، وهو ما قد يخفف العبء المعيشي عن المواطنين وأصحاب الأعمال الصغيرة، ويعيد التوازن إلى سوق العقارات الذي شهد خلال السنوات الماضية تضخماً كبيراً بسبب التركز العشوائي للنشاط الاقتصادي.

إن العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى مشاريع إسكانية أو استثمارية تقليدية بل يحتاج إلى “مدن اقتصادية ذكية” قادرة على خلق بيئة أعمال متكاملة، وتحريك القطاع الخاص، وجذب رؤوس الأموال وتقليل الضغط على الموازنة العامة. ومن هنا فإن مشروع المدينة المالية والاقتصادية إذا ما نُفذ وفق معايير الشفافية والحوكمة والتخطيط الحضري الحديث، يمكن أن يمثل نقطة تحول حقيقية في مستقبل بغداد الاقتصادي والعمراني.

وفي المقابل فإن نجاح هذه الرؤية يتطلب استمرار الرقابة المؤسسية ومنع الاحتكار والمضاربات، وضمان العدالة في منح الفرص الاستثمارية، فضلاً عن ضرورة حماية الهوية التخطيطية لبغداد ومنع تشوهات التوسع العمراني غير المنظم. فالمشاريع الكبرى لا تقاس فقط بحجم الإنشاءات، بل بقدرتها على تحقيق تنمية مستدامة وعدالة اقتصادية واستقرار حضري طويل الأمد.

وعليه، فإن التوجه نحو إنشاء المدينة المالية والاقتصادية لا ينبغي النظر إليه بوصفه ملفاً استثمارياً محدوداً بل باعتباره مشروعاً سيادياً لإعادة رسم الخارطة الاقتصادية للعاصمة بغداد،

وتحويل الأراضي المعطلة إلى محركات إنتاج وتنمية، بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد الحديث ورؤية العراق المستقبلية للخروج من الريعية النفطية نحو اقتصاد متنوع ومستدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *