الاقتصاد الاشتراكي، والعقل الريعي المختل!

الاقتصاد الاشتراكي، والعقل الريعي المختل!
ليست أزمة الاقتصاد العراقي نتاج الاشتراكية، بل ثمرة الريعية النفطية والفساد وسوء الإدارة وتعطيل الإنتاج. فقد ظل الاقتصاد هشاً ومعتمداً على النفط، بينما حوّلته الأحزاب بعد 2003 إلى أداة للمحاصصة والتوظيف السياسي والنهب المنظم....

تساوقاً مع الأمية السياسية الطاغية، صار بعضهم يهرف بما لا يعرف، فيسقط على الفلسفة الاشتراكية، ويشتم الاقتصاد الاشتراكي، ويضع جميع علل وأمراض الأوضاع العراقية على ما يسميه “العقلية والاقتصاد الاشتراكي”!

وهذه خلاصة تختصر هزال الثقافة السياسية والاقتصادية في آنٍ واحد؛ فالعراق لم يكن يوماً متبنياً لمنهج اشتراكي حقيقي في مواقفه السياسية أو الاقتصادية. ففي العهد الملكي كان اقتصاد البلاد يتشكل من اقتصاد زراعي إقطاعي إلى شبه رأسمالي، أي اقتصاد متحوّل ومتدرج، وبعد سقوط الملكية ومجيء حكومات العسكر، انكمش الاقتصاد وتحول إلى مركزية الدولة، أي نمط الدولة البسيطة ذات الإدارة المركزية.

وعندما جاء البعثيون عام 1968 رفعوا شعارات الاشتراكية، لكنها بقيت في إطار الشعارات أكثر من كونها تطبيقاً فعلياً لمنهج اشتراكي متكامل، فمركزية الاقتصاد ومشاريع التنمية الواسعة التي انطلقت في سبعينيات القرن الماضي كانت تمضي باتجاه رأسمالية الدولة الاحتكارية، مع وجود قطاع خاص محدود يتحرك ضمن مساحات ضيقة وموروثة للعمل والإنتاج.

وفي جميع مراحل الدولة العراقية بعد عام 1958، ظل الاقتصاد العراقي ذا طبيعة ريعية، أي قائماً أساساً على واردات النفط، لا على الإنتاج الحقيقي في الصناعة والزراعة والخدمات.

والدولة الريعية، أي المعتمدة على مورد أحادي، تُعد دولة هشة وقابلة للفشل، خصوصاً بعد عام 2003، حين تغيّرت بنية النظام السياسي وتبنى العراق مشروع الديمقراطية بوصفه منهجاً للحكم، وكان يفترض أن يترافق ذلك مع بناء اقتصاد حر، وتنمية القطاع الخاص، وتطوير مؤسسات الدولة الإنتاجية، ووضعها في سياق تنافسي مع القطاع الخاص، أي اعتماد اقتصاد متعدد الأنماط “متنوع” كما هو الحال في الصين وغيرها من الدول الأوربية التي تمزج بين دور الدولة والسوق.

لكن الجهل السياسي والاقتصادي الذي انطوت عليه الأحزاب الحاكمة، وضع الاقتصاد الريعي في خدمة الأحزاب ومصالحها، ولا سيما في ملف التعيينات داخل مؤسسات الدولة بهدف كسب أصوات الجمهور مع كل موسم انتخابي. الأمر الذي عطّل المؤسسات الإنتاجية، وأثقل الدولة بأعداد مليونية من الموظفين غير المنتجين.

أما الطامة الكبرى فتمثلت في تعطيل الصناعات العراقية، وبيع أو إهمال مصانعها الكبرى، والاعتماد شبه الكامل على الاستيراد. ومع فوضى المنظومات المصرفية، وانتشار دكاكين غسل الأموال”المصارف” وتهريب العملة، تحول الاقتصاد العراقي إلى فوضى شاملة وبنية هجينة لا تخضع لرقابة حقيقية أو تخطيط أو محاسبة، بل صارت تتحكم فيه طفيليات مالية ومنظومات لصوصية في نهب ثروات الوطن وأصولها!

إنها حكاية طويلة من السرديات المؤلمة والحزينة.

واليوم يأتي بعض المراهقين سياسياً، ممن لا يفقهون شيئاً في السياسة أو الاقتصاد، ليتهموا الخراب الاقتصادي الذي أنتجته العقلية الريعية بأنه نتاج “اقتصاد اشتراكي” أو “عقل اشتراكي”، بينما الحقيقة أن المشكلة كانت وما تزال في الريعية والفساد وسوء الإدارة وغياب الدولة المنتجة، لا في الاشتراكية بوصفها نظرية اقتصادية أو فلسفة اجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *