لم تعد “التغريدة” في زمننا هذا مجرد رأي عابر يُـكتب على عجل .. التغريدة باتت في لحظات مفصلية تُـقاس بوزن قرار وتُـقرأ بوصفها إشارة سياسية واضحة جداً تُـحرّك ما تحت السطح قبل أن تظهر على وجه المشهد!
في العراق حيث تتشابك الإرادات وتتصارع المشاريع جاءت تغريدة الإرهابي دونالد ترامب لتكشف أكثر مما تُـخفي وتُـظهر ما كان يُـدار في الخفاء بوضوح لا لبس فيه .. ولا كلام عن وجود مستور يُـخشى من البوح به على “روس” الأشهاد ..
إذ شهد العام (٢٠٢٦) حدثين بالغَـي الخطورة لا يجوز المرور عليهما مرور الكرام ونحن نكتب فصول هذا التاريخ العراقي المضطرب “تاريخ التـحـويـر”:
الحدث الأول تمثل في اندفاع قوى وشخصيات سياسية عراقية فاعلة بوسائل متعددة نحو استجلاب موقف أمريكي يُـعادِل أو يُـعارِض خيارات عراقية “وطنية” نسبياً!
لم يكن الأمر مجرد تحرك عابر أو اجتهاد فردي بقدر ما هو مسار مُـنظَّـم نوعاً ما وفعل مدروس بعناية نسبية ومطبوخ في الفناءات الخلفية العراقية بالطريقة العراقية التي لا تُـحسن الطبخ وتُـراكم “المونة” ليكون الطعم مبالغاً به، وكل ذلك كان بإستشارات يبدو أن بعضها خليجي “إماراتية عبرية”!
لقد شاركت في هذا المسار والفعل المطبوخ -كا ذكرت وأُكرر- أطراف عراقية متعددة:
- زعماء “هكذا يرون أنفسهم رغماً عن الجميع” ..
- مسؤولون سابقون لديهم محاولات حثيثة للعودة خصوصاً بعد أن جرت تسوية “طلايبهم وفضايحهم المدوية” ..
- رجال أعمال من هؤلاء الذين يدعّـون بأنهم ولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب وليسوا “لمّـامة عتيگ وسكراب”
- وسماسرة -بكل معنى الكلمة- يتقنون فنون التفاوض في الأسواق “الرمادية” ..
لم يكن السفيه المُـبتذل “سافايا” سوى حلقة في سلسلة طويلة تحركت فيها شخصيات من داخل العراق وخارجه مستثمرة المال السحت والعلاقات المشبوهة من أجل دفع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ موقف محدد من مسار سياسي عراقي داخلي ..
هذا الفعل خطر جداً على العراق ومستقبله .. الخطورة التي لا تكمن في الفعل ذاته فحسب إذ الخطورة كل الخطورة في دلالته:
أن تتحول بعض النخب وتوابعها إلى وسطاء ضغط خارجي على وطنها!
أن يُـستبدل منطق السيادة بمنطق الاستقواء بالخارج وهو خارج معادي!
وتصبح إدارة التفاهمات السياسية العراقية الداخلية من خارج الحدود!
ويُـراد لهذا التصرف الغريب أن يبدو وكأنه نتاج صراع أو تنافس داخلي “مشروع” ولكن لم تُـفلح كل التبريرات التي سيقت أمام العراقيين في تكوين هذا الإنطباع الذي يُـلغي الحقيقة الواضحة وضوح شمس تموز الساعة (١٢ )في مدينة البصرة.
أما الحدث الثاني فهو أكثر وضوحاً وأشد وقعاً:
الانصياع الكامل لتغريدة الإرهابي ترامب والتعامل معها بوصفها مساراً ملزماً لا يحتمل التأويل أو الحياد! فجأة تحولت كلمات مقتضبة عبر مواقع التواصل الإجتماعي الشخصية إلى خارطة طريق وأصبح مَـن كان بالأمس يُـنظّـر للاستقلالية يُـسارع اليوم إلى مواءمة موقفه مع ما ورد في سطور التغريدة!
والأخطر من ذلك أن بعضهم حاول تبرير هذا التحول بالقول إن موقفه كان متقدماً على التغريدة، كأن التغريدة جاءت لتصادق على ما كانوا يُـعدّون له مسبقاً .. وهنا تكمن المفارقة:
فإذا كان التوجه سابقاً للتغريدة فكيف نفسر ذلك الحراك المحموم الذي سبقها والرامي إلى استدراج هذا الموقف الأمريكي بعينه؟
أليس في ذلك ما يكشف عن ترابط زمني وسياسي بين الدفع المسبق والاستجابة اللاحقة؟
إن ما جرى لا يمكن قراءته بوصفه صدفة أو تلاقياً عفوياً في المصالح هو مشهد متكامل الأركان: تمهيدٌ داخلي وضغطٌ خارجي ثم استجابةٌ سريعة تُـلبس ثوب “الواقعية السياسية”.
إن عراق ما بعد تغريدة الإرهابي ترامب ليس كما قبلها ..
ليس لأن التغريدة غيّـرت المعادلة بحد ذاتها فقط ولكن لأنها كشفت -أيضاً- حجم القابلية لدى بعض الفاعلين للانحناء أمام الإشارة الخارجية مهما كانت مقتضبة ومهما كانت ملتبسة ..
وقد أصبح في عهد ما بعد التغريدة القبول أو الترحيب الأمريكي مقياساً عراقياً “وطنياً” للنجاح!
«ها امريكا رحبت ..
ها أمريكا قبلت ..
مشت الشغلة ..
الشغلة زينة ..
واحنة نفتهم وخوش نشتغل!»
تم إختيار رئيس مجلس وزراء جديد وإنطوت مرحلة وقتية قصيرة جداً من مسيرة جزئية في العملية السياسية العراقية إنكشف فيها ما إنكشف وفيها أكثر من حقيقة وحقيقة ودرس ودرس .. وإذا كان من درس ينبغي استخلاصه من هذه اللحظة الفارقة فهو:
أن السيادة لا تُـختبر في الشعارات .. السيادة تُـختبر في القدرة على الصمود أمام الإغراء والضغط معاً. وأن مَـن يفتح الباب للتأثير الخارجي مرة لن يستطيع إغلاقه حين تشتد الرياح ..
هكذا يُـكتب تاريخ الدول:ليس فقط بما تفعله القوى الكبرى، يكتب التاريخ أيضاً -وربما أساساً- بما تسمح به القوى المحلية أو ما تُـسمى مجازاً بالـ “القوى الوطنية”.


