ان احد أسباب انهيار الأمم والدول هو تقديم الاراذل وتأخير الافاضل ، وهذا يأتي من فساد القادة الذين يسمحون بهذا الفعل، حيث تغيب العدالة وتنتشر المحسوبية والمجاملات على حساب المصلحة العامة وابن عمي وابن خالي، فينتشر الظلم بالتجاوز على حقوق الاخرين، فيتدمر الاقتصاد لرغبات شخصية وحزبية، فتفقد الناس الثقة بمؤسسات الدولة فيصبح المواطن يتمنى زوال الحاكم وحاشيته، وكما يقول الامام علي (عليه السلام) : ان أسباب سقوط الأمم وزوال الدول في قوله : ” يستدل على ادبار الدول بأربع: تضيع الأصول، والتمسك بالغرور، وتقديم الاراذل، وتأخير الافاضل” وايضاً يقول ابن خلدون : ” الظلم مؤذن بخراب العمران” وهنا يبين امير المؤمنين مصير الكيانات يقاس بمدى وفائها لتلك الأسس التي تضمن البقاء والاستمرارية، فالاستدلال: يعني الاضطراب والتأرجح بين طريقين، وكما يسقط البنيان فلابد من وجود علامات على سقوطه، كالشقوق في الجدران وغيرها ، والادبار هو الزوال الذي يلي الشروق، ويعني التراجع بعد التقدم، والانكسار بعد القوة، والذهاب بعد الحضور، اما الدولة فتعني التداول، فالدُولة بضم الدال تعني المال، وبفتح الدال تعني الحرب، ومن التداول ، والله يداولها بين الناس ، ليؤكد على ان الظلم بداية الادبار والانهيار وانه مهما طال فهو نذير خراب محتوم، والتاريخ الإسلامي ليس ببعيد عن هذه السنن، فقد انهارت دول كانت تسمي نفسها عظيمة، كالدولة الاموية والعباسية ، وفيما بعد العثمانية، وفي العصر الحديث دولة البعث في العراق، نتيجة انتشار الفوضى وضياع الحقوق.
اما الأصول: فهي أساس الشيء او أعمدة البنيان ، والتضييع تعني تخلي الدولة عن ركائز وجودها واهمال المقومات الجوهرية التي تشكل العمود الفقري الذي تستند عليه في مواجهة الازمات والحفاظ على استقرارها، وهي العلامة الأولى في سقوط الدولة، والأصول هي المبادئ والقيم التي تتجسد بالعدل الذي يحفظ الحقوق ويصون الكرامات، وهو القانون الذي ينظم العلاقات ويمنع الفوضى، والامن الذي يحمي المجتمع من الانهيار، والعلم والاقتصاد اللذان يمدان الامة بقوتها وتطورها، فاذا تهاونت الدولة بهذه الأصول والاسس وانشغلت بالمظاهر والشعارات الكاذبة، فسوف تضعف من داخلها وتصبح عاجزة امام التحديات حتى ينهار بنيانها في الازمات ومن حيث لا تشعر، ويحدثنا التاريخ ان الدول العظمى لم تسقط بسبب قوة الأعداء بقدر ما انهارت بسبب اهمالها للأصول التي ترتكز عليها، وخاصة في التعامل بطبقية مع أبناء شعبها ، فخلق طبقات في المجتمع، والأصول مثل الشجرة التي تبقى ثابته امام العواصف والرياح العاتية لان جذورها متشبثة في عمق الأرض.
واما الغرور: فهو يهدم الدول وكل ما يغير الانسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، والأخطر ما يهدد الدول رفض النقد البناء، والاكتفاء بسماع أصوات الموالين من المنافقين والمتلونين، فهو يعمي عن الواقع ويجعل صاحب السلطة يعيش واقع مزيف، بأرقام مزورة منمقة من قبل هؤلاء المزورين، ويقابلها تجاهل الحاجات الاجتماعية الملحة فتتآكل الثقة بين الناس والدولة حتى تفقد اهم سند وداعم لها وكما في قوله (عليه السلام) : ” سكر الغفلة والغرور ابعد افاقة من سكر الخمور”.
اما الاراذل: فهم اهل الضعة والخساسة، ناقصي القدر والمكانة في المجتمع، ويضرب مثل ارذل العمر يعني حال الضعف وعدم القدرة على القيادة والتحكم بالأفعال، والامام يشير الى ظاهرة اجتماعية خطيرة تصيب الدول، وهي عندما تتمكن الفئات الرديئة الناقصة ذات الطبائع الدنيئة من تولي زمام السلطة، وخاصة اذا تقلدوا المناصب الحساسة، فيصيب المؤسسات الوهن والضعف، وينتشر الفساد والإهمال، حتى تصبح الدولة عاجزة عن مهامها الضرورية، فحين يرفع من لا اخلاق له ولا نزاهة عنده، تسود ثقافة الانتهازية، ويصبح القانون لعبة بين فاقدي الضمير، فيضعف الانضباط وتتبدد الموارد، ويضعف البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للدولة، ويقول امير المؤمنين (عليه السلام) : ” اذا ملك الاراذل هلك الافاضل” وتأخير الافاضل هو تهميش اهل الفضل والكفاءة والعلم وابعادهم عن مواقع القيادة، والفضل والفضيلة ضد النقص والنقيصة، فالدولة التي تقصي علمائها ومفكريها وأصحاب الراي الحرالذين يحذرونها من ارتكاب الأخطاء، وتحجب عنها العقول التي تبتكر وتجد الحلول، ولهذا فهي تفقد قدرتها على الإصلاح، فتغرق في الأخطاء المتكررة، فالفساد الذي ينتشر في مؤسسات الدولة، هو نتيجة تجاهل العدالة الاجتماعية، والانغماس في الترف واللهو، وتغليب المصالح الشخصية والحزبية على المصلحة العامة، واهمال التعليم والصحة والخدمات، واعتبارها ملفات ثانوية ، والاهتمام بالحصص وكيفية البقاء في السلطة، وفي المقابل نجد الدول التي تقدم الافاضل وتحتضن أصحاب العقول والكفاءات استطاعت ان تبني حضارات راسخة وتواجه اصعب الازمات.
الحقيقة نحن عايشنا دول اهتمت بالسلطة والحكم بالحديد والنار، وقربت قياداتها أبناء العم والعشيرة ومنحتهم الرتب والمناصب، وعزلت نفسها عن شعوبها ، فكانت نهايتها الحتمية السقوط ، وكما راينا في ليبيا وتونس واليمن والسودان ، والمشكلة ان من اتى بعدها لم يتعظ مما سبقه بل أصبحت تلك الدول ممزقة، تسودها الفوضى والضعف ، وفي العراق كان صدام يقرب أبناء عشيرته ، ويبعد عن السلطة أهالي المحافظات الجنوبية لأنه كان يراها لا توالي السلطة، وسبحان الله وعندما انهار نظامه واختبا في مزرعة لاحد أقاربه اول من بلغ عنه هم اقرب الناس اليه، وبشار الأسد الذي وثق بالكذابين في أواخر حكمه وترك الصادقين راينا كيف انهار حكمه، واليوم نرى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الدولة التي اهتمت بالأفاضل من العلماء وفي مختلف الاختصاصات وخدمت شعبها في جميع المجالات، ولم يتسلط الحاكم على شعبه بعنوانه صاحب السلطان والقوة والهيلمان وانما بعنوان الخادم المطيع الذي يسكن مع الناس في افقر الاحياء ويطبق تعاليم الإسلام ويسير على منهجه ومنهج وصيه واهل بيته(عليهم السلام)، وراتبه يساوي ابسط موظف في ايران، ولاننسى ايمانها بالله وقدرته وتمسكها بمبدأ الشهادة في سبيل الله والاوطان ، لذلك صمدت في الحرب التي شنتها عليها إسرائيل والولايات المتحدة الامريكية ودعم من دول الغرب وبعض دول العرب، واستخدمت فيها مختلف الوسائل الشيطانية الإعلامية والعسكرية والتجسسية، ولكن لان الحكومة خادمة لشعبها ولان الشعب واعي ووطني صمدت واليوم تفرض شروطها وهي مرشحة ان تكون من الدول العظمى، وقد صرح قادة وسياسيون وكتاب غرب بان ايران الدولة الوحيدة التي وقفت بوجه ترامب ونتن ياهو، وانها الدولة الوحيدة التي غيرت قناعة الملايين بل المليارات من شعوب الكرة الأرضية التي كانت لا ترى مظلومية الشعب الفلسطيني، والشعوب التي احتلتها الولايات المتحدة الامريكية ، وكيف تقتل أبنائها وتحاصر الشعوب.
ومع الأسف وفي الجانب الاخر من الحدود ، يقف النظام الذي اسسته الإدارة الامريكية في العراق بعد عام 2003 نظام الحصص، وكان الشعب العراقي يمني النفس بان هذا النظام الديمقراطي ، والذي تصدى للأمر فيه أناس لهم تاريخ جهادي، ومنهم من عايش الظلم ومن سجن ومن استشهد احد افراد عائلته في معارضة ذلك النظام ، سوف يحقق العدل ويقضي على الظلم ويوفر الخدمات للمواطن العراقي الذي عانى الكثير، وصبرت الناس كثيراً، وفي كل انتخابات يخرجون بشعارات جديدة، وانكم اذا لم تخرجوا للانتخابات سوف يعود حزب البعث للحكم؟!!، وعندما تقارن حكم حزب البعث وحكمهم لا ترى فرقاً كبيراً، فهم قدموا الاراذل واخروا الافاضل، بل الكثير منهم قرب أبناء الرفاق، وبدل من ان يخدموا الناس خدموا انفسهم واحزابهم ، فتحولوا وخلال سنوات معدودة من مجرد مواطنين بسطاء الى أصحاب مليارات وتاهوات وحمايات وقصور ومزارع ، وتركت البلاد تعاني من الضعف السماء مستباحة ليس هناك دفاع جوي، وأزمة السكن لم تحل، والكهرباء في حر الصيف وبرد الشتاء تختفي، وزارة الصحة لم تستطع توفير الدواء والاسرة في المستشفيات الحكومية ، فكثرت المستشفيات الاهلية، وبيع المنازل والذهاب للعلاج في الهند وايران ولبنان وغيرها، ووزارة البيئة لم تعمل فالجو ملوث والانهار ملوثة ، ووزارة الموارد المائية لا تملك غير المؤتمرات والبيانات بالجفاف ولولا لطف الله بالأمطار لقضى علينا العطش، والوزارات الأمنية والرتب الخيالية لأبناء المسؤولين والحبربشية، واخيراً ازمة الغاز نتيجة الحرب مع ايران، وقطع الحصة التموينية من منتسبي الوزارات الأمنية بحجة راتبهم اكثر من مليون ونصف ، في حين ان التغذية واجرة التنقل تأخذ ربع الراتب، ولا يقطعون النثريات والمخصصات المليارية للرئاسات الثلاث ومستشاريها، وازمات تشكيل الحكومات ، وبيع المناصب بالمليارات، وظهور طبقة منتفعة من النظام تمتلك الشقق في المجمعات، والرواتب الضخمة والمخصصات والامتيازات ، والاغلبية تعيش على خط او تحت خط الفقر، مع العلم ان العراق بلد غني وليس فقير، ولكن الإدارة غير ناجحة والمنظومة فاشلة، ولذلك فان هذا النظام مهدد بالانهيار ، لإنه ضيع الأصول من المبادئ والقيم والأخلاق، وتمسك بالغرور والتكبر والاستعلاء، واهمها قدم الاراذل واخر الافاضل.


