يتساءل الباحث والدبلوماسي البريطاني أليستير كروك في تحليل جديد له عن السبب الذي يمنع إيران من التنازل عن مواقفها ويمنعها من الوصول إلى تسوية مع الولايات المتحدة؟ يذهب الباحث البريطاني كروك في تحليله للاستراتيجية السياسية التي تنتهجها القيادة الإيرانية إلى الخلاصات التالية، التي سنذكرها باختصار شديد ثم يليها تعليقي التحليلي عليها:
-إيران اليوم – بعد صمودها العسكري والاقتصادي والسياسي ورغم الثمن الباهظ الذي تكبدته – ترى في الحالة الراهنة فرصة حقيقية لها لقلب الواقع الجيوسياسي في غرب آسيا رأسا على عقب وإخراج الولايات المتحدة وبنيتها المالية من المنطقة. القيادة الإيرانية غير مهتمة بسياق تقديم التنازلات لأنها تعرف أن المطلوب منها هو المطلوب من غزة نفسه أي دخولها إلى قفص الحصار من جديد. نقاط ويتكوف الـ 15 التي يراد من إيران الموافقة عليها هي قفص من الحصار والقيود والرسوم الجمركية والعزلة في حين أن إيران كانت في القرن التاسع عشر دولة ضخمة جدا، وغنية جدا وقوة كبرى في المنطقة وقوية جدا، وفيها طبقة مثقفة هائلة.
-وفي السبعينات من القرن الماضي قررت الولايات المتحدة أن تحاصر إيران وتحتويها وتعطي الأولوية للشيوخ والملوك في دول الخليج. والإيرانيون قرروا أن يغيروا هذا المشهد برمته لأنهم يرون أن دول الخليج مرتبطة تماما بالولايات المتحدة. خاصة بعد عام 1974 والارتفاع الهائل في أسعار النفط.
-الولايات المتحدة لم تشجع دول الخليج على خفض أسعار النفط بل على رفعه بشرط أن تضع هذه الدول احتياطاتها ومدخراتها النفطية في الولايات المتحدة أو في الاستثمارات فيها بعملتها الدولارية وهكذا ولد ما سمي البترودولار والهيمنة الدولارية الأميركية. البترودولار مدعوم أساسا بالثروات التي اكتسبتها هذه الدويلات آنذاك. وكان ثمن ذلك أن تشارك هذه الدويلات في عملية إذلال إيران وحصارها. الآن وصلنا إلى نقطة يرى فيها الإيرانيون الفرصة لإلغاء كل ذلك.
-من وسائل إيران لإلغاء هذا الواقع هو دفع ثمن شحنات النفط – اعتقد ان الباحث يقصد ثمن مرور شحنات النفط ع.ل- باليوان الصيني وليس بالدولار. لأنهم يسيطرون فعلا على المضيق ولكني لا اعتقد أن هذا على وشك التغيير. ولكن سيطرتهم على هذا الممر وحتى على البحر الأحمر – باب المندب – الذي تمر عبره نسبة 20 بالمئة من النفط العالمي تعني للولايات المتحدة أنهم يسيطرون على مرور هذه الكمية الكبيرة أي على أسعار النفط في السوق العالمي وهذا كان امتيازا أميركيا منذ سنة 1973.
-أعتقد أن إيرانيين يعتقدون أنهم يملكون الأوراق الكبرى وقد يكونون مخطئين ولكنهم لا يرون أن هناك ما يمكن للولايات المتحدة ان تفعله لتغيير هذا التحليل. وبالمناسبة فقد تحققت من عدم وجود مفاوضات بين الطرفين حتى الآن. هناك تبادل رسائل عبر وسطاء باكستانيين ومصريين وقطريين. الأميركيون يقولون لوسطاء هل يمكن ان تنقلوا هذه الرسالة إلى إيران وإيران أحيانا تستلم الرسالة وأحيانا ترفض استلامها. سمعت أن ترامب يقول إن هناك مفاوضات وهي تسير على ما يرام ولكن ذلك غير صحيح.
تحليلي لما ورد أعلاه من آراء:
من الواضح أن الأداء الدبلوماسي الإيراني ليس متحمسا كفاية وبعمق لخوض مفاوضات مع الأميركيين وعلى هذه النقطة يمكن الاتفاق مع أليستير. بل أن مفاوضات حقيقية مباشرة أو حتى غير مباشرة كما يؤكد الباحث لا وجود لها، فالموجود ليس أكثر من تبادل رسائل رفضت إيران استلام بعضها. لكن عدم الحماس الإيراني للمفاوضات يعكس جانبا واحدا من جوانب الواقع الراهن، فإيران بحاجة حقيقية إلى المسار التفاوضي لتحقيق أهداف أخرى، منها أولا، ربح الوقت الثمين خلال القتال وتخفيف حدته. وثانيا تثبيت العدو إلى الأرض بمنحه أملا صغير في أن قد يحقق شيئا عن طريق هذا النوع من المفاوضات. وثالثا إحداث أو توسيع الشق الموجود بين ترامب ونتنياهو على موضوع انهاء الحرب قبل أن تؤدي إلى كارثة اقتصادية عالمية. ولكننا لا ينبغي أن ننسى أن إيران بدورها تعاني كشعب كبير ودولة من نتائج الحرب العدوانية، وهي لم تشعر بعد بأنها أوصلت الأميركيين إلى الفشل التام، وهي قد لا تريد إيصاله إلى هذه الدرجة مخافة أن تلجأ إدارة ترامب الفالت من أي شرط قانوني دولي أو أخلاقي إلى المحذور النووي الحراري التكتيكي بقنابل من طراز B61-12 كما يرجح الخبير العسكري الروسي يوري كنوتوف.
إذن، صحيح أن اليد العليا من الناحية الاستراتيجية لإيران كما يقول أليكس يونجر الرئيس السابق لجهاز المخابرات البريطاني “أم 16″، ولكن الاحتمالات تبقى خطرة ومفتوحة اميركيا وصهيونيا.
بين كل هذه الاحتمالات يتأكد أن الاحتمال الأكثر واقعية هو أن الحرب قد تطول لأشهر قليلة يجري خلالها تبريد الجبهة وتقديم بعض الجوائز لإيران وستعمل إدارة ترامب على ترميم ما حدث على جبهتها وهو تضرر ضخم جدا ويحتاج إلى زمن وجهود أما الأموال فلن يجد ترامب صعوبة في أن “يحلبها” من دويلات الخليج.
ولكن هل سيعود الشرق الأوسط إلى ما كان عليه قبل العدوان الجاري على إيران؟ هل سيحافظ نتنياهو على عنجهيته بعد الصمود الأسطوري الذي أبدته المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان وتحويلها محاولة تغلغله شمالا إلى مجزرة حقيقية ضد دباباته وجنوده؟
لا أعتقد ذلك، فكلما استمر صبر وصمود حائك السجاد الإيراني وتشبثه بثوابته وحقوقه اقترب الثنائي ترامب ونتنياهو من حافة التسليم بالأمر الواقع أو إلى اللجوء إلى الاحتمال الخطر الآخر -النووي – والذي لن يكون حلا نهائيا حتى لو تم اللجوء إليه لأسباب سنتوقف عندها في بسطة تحليلية قادمة، نحاول فيها مقاربة هذا الاحتمال الكارثي الانتحاري صهيونيا لأنه يعني زوال الكيان الصه يوني من الوجود فعلا، وسقوط التابوهات وانفتاح الأبواب أمام الهجوم الإيراني البري المليوني واسع النطاق من الشرق عبر العراق والأردن نحو فلسطين المحتلة ودخول المقاومة اللبنانية إلى الجليل ومابعد الجليل وانفجار الوضع الفلسطيني الداخلي حتى بالأسلحة البيضاء بوجه القتلة الإباديين الصهاينة.
إن مهارة حائك السجاد تظهر بوضوح يوما بعد آخر في براعته في دفع العدو إلى الاحتمال الأول ومحاولة منعه من اللجوء إلى الاحتمال النووي، والإيراني بذلك يدافع عمليا عن شعوب المنطقة بوجه الاندفاع الدموي للتحالف الهمجي بين الإمبريالية والصهيونية ضد شعوب الشرق بعامة قبل أن يدافع عن حكمه الديني الولائي مهما كان رأينا بهذا الحكم لأن الأمر يتعلق فعلا بقضية وجودية بالنسبة لإيران كشعب ودولة ولشعوبنا في الوقت نفسه.


