في اقتصاد يعتمد على النفط بنسبة تقارب 90% من إيرادات الموازنة، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح بجدية ليس: هل يمكن أن تتوقف صادرات النفط؟ بل: ماذا ستفعل الحكومة إذا توقفت تلك الصادرات فعلاً؟
الحروب الإقليمية، إغلاق الممرات البحرية، أو تعطّل الموانئ النفطية ليست سيناريوهات خيالية.
وفي مثل هذه الظروف، قد يجد العراق نفسه فجأة أمام أزمة سيولة تهدد قدرة الدولة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات الأساسية خلال أسابيع. المشكلة هنا ليست مالية فقط، بل مشكلة بنيوية في نموذج الاقتصاد العراقي الذي ربط استقرار الدولة بالكامل تقريباً بتدفق مورد رئيس واحد إلا وهو النفط.
لذلك فإن التفكير المسبق في إدارة هذا السيناريو ليس تشاؤماً مطلقاً،بل ضرورة وطنية لحماية أمن واستقرار الدولة والمجتمع.
أولاً: ماذا سيحدث لمالية الدولة عند توقف الصادرات النفطية؟
إذا توقفت صادرات النفط العراقية فجأة، فإن الدولة ستواجه ثلاث صدمات متزامنة:
- انقطاع المورد الأساسي للخزينة العامة
لأن النفط يمول معظم الإنفاق الحكومي.
- ضغط شديد على سعر صرف الدينار بسبب تراجع تدفق الدولار إلى الاقتصاد.
- تآكل القدرة على دفع الرواتب والنفقات التشغيلية
خلال فترة قصيرة نسبياً.
بعبارة أخرى، ستتحول الأزمة بسرعة من أزمة إيرادات إلى أزمة ثقة اقتصادية إذا لم تُدار بقرارات سريعة ومدروسة.
ثانياً: الأولويات الوطنية في اقتصاد الطوارئ..
عند حدوث صدمة نفطية بهذا الحجم، لا يمكن إدارة المالية العامة بالطريقة الاعتيادية. بل يجب التحول فوراً إلى ما يمكن تسميته (باقتصاد الطوارئ).
الأولوية في هذه الحالة يجب أن تقتصر على ثلاث مهام فقط:
- تأمين دفع الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية
- تأمين الغذاء والدواء والطاقة
- الحفاظ على استقرار العملة والنظام المصرفي
كل ما عدا ذلك يصبح قابلاً للتأجيل.
ثالثاً: كيف تحمي الحكومة الرواتب؟
أول خطوة يجب أن تتخذها الحكومة هي إنشاء آلية مالية لحماية الرواتب، لأن توقف الرواتب لا يمثل مجرد مشكلة مالية، بل قد يتحول إلى أزمة اجتماعية وسياسية خطيرة.
وهذا يتطلب:
- إنشاء حساب خاص لحماية الرواتب والتقاعد والرعاية
- تحويل هذه البنود إلى أولوية إنفاق مطلقة
- تعليق تمويل معظم المشاريع غير الضرورية مؤقتاً
- إعادة جدولة المدفوعات الحكومية.
بهذه الطريقة يمكن للدولة أن تحافظ على الاستقرار الاجتماعي حتى في ظل تراجع الإيرادات.
رابعاً: الدور الحاسم لوزارة المالية:
وزارة المالية ينبغي ان تصبح في هذا السيناريو مركز إدارة الأزمة المالية للدولة. وأهم الإجراءات التي يجب أن تقوم بها تشمل:
- إعداد كشف سيولة يومي للخزينة العامة يوضع امام السيد رئيس مجلس الوزراء ليحول نسخة منه الى لجنة كبار المستشارين الاقتصاديين.
- تحديد سقوف إنفاق شهرية بدلاً من سنوية
- إصدار تعليمات صارمة لترتيب أولويات الانفاق.
- إدارة المستحقات المالية بطريقة منظمة.
كما ينبغي تفعيل أدوات الدين الحكومية قصيرة الأجل لسد الفجوة التمويلية المؤقتة. لكن هذه الأدوات يجب أن تُستخدم بحذر حتى لا تتحول إلى عبء مالي طويل الأمد.
خامساً: ماذا يجب أن يفعل البنك المركزي؟
في مثل هذه الظروف يصبح البنك المركزي خط الدفاع الأول عن الاستقرار النقدي.
لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة:
البنك المركزي ليس بديلاً عن وزارة المالية. ودوره يجب أن يركز على:
- حماية الاحتياطيات الأجنبية
- الحفاظ على استقرار سعر الصرف
- دعم السيولة في النظام المصرفي
- تنظيم تمويل الاستيرادات الأساسية
كما يمكنه شراء جزء محدود من سندات الخزينة الحكومية لتوفير تمويل جسري مؤقت، ولكن ضمن حدود واضحة (لسد الفجوة/ العجر التمويلي) حتى لا يؤدي ذلك إلى تضخم أو انهيار العملة.
سادساً: الخطر الأكبر في إدارة الأزمة
أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه الدولة في مثل هذه الظروف هو التعامل مع الأزمة بعقلية الإنفاق الاعتيادي.
هناك ثلاث ممارسات خطيرة يجب ان تتجنبها الحكومة بحكم الضرورة:
- طباعة النقود بشكل مفرط لتمويل الرواتب (والعاقل فيكم يفهم يا اصحاب القرار)
- استنزاف الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي لتمويل الإنفاق الحكومي.
- الإبقاء على تنفيذ المشاريع والنفقات غير الضرورية رغم توقف انسياب الإيرادات.
هذه السياسات قد تؤجل الأزمة ولكنها تبقى بحاجة الى اجراءات دعم.
سابعاً: الدرس الاستراتيجي للعراق
الدرس الأهم من هذا السيناريو هو أن الاقتصاد الريعي لا يوفر الأمان المالي للدولة. فالدولة التي تعتمد على مورد واحد تصبح معرضة دائماً لصدمة خارجية قد لا تستطيع السيطرة عليها.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ عند حدوث الأزمة، بل قبلها بكثير، من خلال:
- تنويع الاقتصاد
- تعزيز الإيرادات غير النفطية
- بناء صندوق سيادي للأجيال
- تقليل الاعتماد على الإنفاق التشغيلي
إذا توقف تصدير النفط العراقي لأي سبب او انخفض تصديره بنسبة كبيرة فإن قدرة الدولة على الصمود لن تعتمد على حجم الاحتياطيات النقدية فقط، بل على سرعة القرارات الحكومية وجودة إدارتها للأزمة.
والقاعدة الأساسية في إدارة هذه الصدمة هي:
احمِ القدرة على تأمين الرواتب أولاً،
احمِ قيمة العملة المحلية ثانياً،
وأوقف كل ما ليس ضرورياً من انفاق لبقاء الدولة.
إن الدول لا تنهار بسبب الأزمات لوحدها، بل بسبب سوء إدارتها للأزمات.


