غرب آسيا أمام ولادة مرحلة جديدة
تتجلى الصورة العامة في إقليم غرب آسيا بوضوح أكبر من أي وقت مضى،
إذ تقترب المنطقة من ولادة مرحلة جديدة يأفل فيها عهد الهيمنة والوجود الأمريكي، وتنحسر معها أحلام التوسع والعنجهية الصهيونية.
ولم تأتِ مرحلة العدوان العسكري الأمريكي والصهيوني المباشر على الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلا بعد أن استنفدت واشنطن وتل أبيب كل أساليب الحرب الناعمة والصلبة غير المباشرة ضد إيران.
فمنذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، واجهت الجمهورية الإسلامية حرباً أمريكية وصهيونية ضروساً.
وقد بدأت هذه الحرب بدعم النظام العراقي السابق وتمويله وتسليحه في حربه ضد النظام الثوري الإسلامي الوليد في إيران طوال ثماني سنوات،
ثم استمرت عبر الحرب الاقتصادية، وتأسيس القواعد العسكرية الأمريكية في الدول الخليجية، وعسكرة مياه الخليج الفارسي بالبوارج والسفن الحربية الأمريكية.
من الحصار إلى بناء معادلات الردع
لم تكتفِ الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بالضغوط العسكرية والاقتصادية،
بل عملت أجهزتهما الاستخبارية على تغذية الخلافات وبث المخاوف من النظام الثوري الإسلامي الإيراني داخل الدول الخليجية والعربية. ومع ذلك، واجهت القيادة والشعب الإيراني هذه المخططات بالصبر والحكمة، كما أدركت طهران خطورة المؤامرات الأمريكية والصهيونية على حاضرها ومستقبلها الوجودي.
ولذلك، شرعت القيادة الإيرانية في بناء معادلات التوازن والردع. فقد طورت قواتها العسكرية على أساس عقيدة قتالية إيمانية وجهادية،
كما دفعت صناعاتها العسكرية النوعية إلى مراحل متقدمة، رغم الآثار الاقتصادية القاسية التي فرضها الحصار والمقاطعة الأمريكية والغربية.
الدبلوماسية الإيرانية وتوسيع شبكة العلاقات
منذ بداية العقد الثاني من القرن الحالي، حققت الدبلوماسية الإيرانية نجاحاً مهماً في نسج علاقات متنامية مع عدد من الدول الخليجية، وفي مقدمتها السعودية، عبر وساطة صينية. وقد جاءت الاستجابة السعودية النسبية لاستعادة العلاقات مع إيران في ظل الأوضاع العسكرية والسياسية الصعبة التي واجهتها الرياض بسبب عدوانها الفاشل على اليمن، وما تكبدته من إخفاقات وهزائم أمام القوات المسلحة اليمنية.
ولو لم تواجه السعودية هذه الأزمات العسكرية والسياسية جراء عدوانها على اليمن،
لما تراجعت قيد أنملة عن مواقفها المعادية لإيران. ومع ذلك، نجحت القيادة الإيرانية أيضاً في بناء علاقات مع عدد من البلدان العربية الفاعلة، ومنها مصر، الأمر الذي أثار قلقاً أمريكياً وصهيونياً واضحاً.
القلق الأمريكي والصهيوني من التقارب الإيراني العربي
استشعرت الأطراف الأمريكية والصهيونية الخطر الاستراتيجي الذي يمثله التقارب السياسي الإيراني مع المحيط الخليجي والعربي على مشاريعها الاستعمارية والتوسعية في المنطقة. كما ظهر القلق الصهيوني من تنامي العلاقات الإيرانية المصرية والإيرانية الخليجية، لأنّ هذه العلاقات تنعكس سلباً على مشاريع التطبيع ومشروع “إبراهام” في المنطقة الخليجية.
وقد بدأ التنفيذ الفعلي لمشروع بناء دولة إسرائيل الكبرى منذ شن العدوان الأمريكي والصهيوني على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة،
وبالتزامن مع معركة طوفان الأقصى. وفي هذا السياق، باشرت الإدارة الأمريكية، بدفع من حكومة كيان العدو الصهيوني، التخطيط لعدوان عسكري مباشر على إيران،
بهدف القضاء على النظام الثوري الإسلامي، وقلب نظام الحكم، وتقسيم الدولة الإيرانية إلى دويلات عرقية ممزقة ومدمرة.
مشروع الشرق الأوسط الأمريكي الجديد
سعت واشنطن وتل أبيب، عبر العدوان على إيران والمنطقة، إلى إفساح المجال أمام قيام الشرق الأوسط الأمريكي الجديد،
وفتح الطريق أمام مشروع دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
ومن أجل إنجاح مشروع التطبيع ومشروع “إبراهام” بصورة كاملة، وضعت الإدارة الأمريكية وحكومة كيان العدو الصهيوني مجموعة من الملفات التي اعتبرتا إنجازها ضرورياً.
أول هذه الملفات تصفية القضية الفلسطينية عبر تهجير سكان غزة إلى سيناء المصرية،
ثم تهجير سكان الضفة الغربية إلى الأردن وعدد من الدول الخليجية.
وثانيها إضعاف الدولة المصرية وتمزيق وحدتها عبر خلق بؤر توتر تستهدف الأمن القومي المصري، ومنها تمويل سد النهضة في إثيوبيا، وفتح جبهات قتالية في السودان وليبيا،
ودعم مشروع قناة بن غوريون لضرب قناة السويس، وتشجيع الخلايا الإرهابية داخل مصر، خصوصاً في سيناء، لاستنزاف القدرات العسكرية والأمنية المصرية.
أما الملف الثالث، فيتمثل في تشجيع قيام كيان انفصالي في جنوب اليمن، ممثلاً بالمجلس الانتقالي الجنوبي،
وربطه بعلاقات سياسية وعسكرية مباشرة مع كيان العدو الصهيوني. وتأتي هذه المشاريع ضمن مسار أوسع من المؤامرات العدوانية والتدميرية التي تستهدف المنطقة العربية.
فشل العدوان المباشر على إيران
بلغ الزهو الأمريكي والصهيوني مستوى جعل قادتهما يصرحون علناً بقرب قيام دولة إسرائيل الكبرى،
وقد صدرت هذه التصريحات قبل أيام قليلة من شن العدوان العسكري الأمريكي والصهيوني الثاني على إيران.
لكن هذا العدوان، الذي استمر نحو أربعين يوماً، فشل بصورة كبيرة في تحقيق أهدافه.
لقد حقق الجيش الإيراني مفاجآت عسكرية وسياسية باغتت العدو الأمريكي والصهيوني.
ومن أبرز هذه المفاجآت ورقة مضيق هرمز، وتدمير القواعد العسكرية والمراكز التجسسية الأمريكية والصهيونية في منطقة الخليج،
وضرب القواعد والمنشآت الاقتصادية الصهيونية في فلسطين المحتلة.
وعند هذه النقطة، أدركت الإدارة الأمريكية خطأ حساباتها وفشل مخططاتها، فعادت مرة أخرى إلى الدبلوماسية مع إيران.
غير أنّ هذه الدبلوماسية التفاوضية لا تشبه التجربتين السابقتين، لأنّ ميزان القوة هذه المرة انتقل بدرجة واضحة إلى الجانب الإيراني.
إيران تدخل المفاوضات بأوراق قوة جديدة
دخلت القيادة الإيرانية المفاوضات وهي تمسك بأوراق القوة، وتدير العملية التفاوضية، وتمتلك القدرة على المناورة واللعب بعامل الوقت.
أما الجانب الأمريكي، فقد دخل المفاوضات غير المباشرة مع إيران وجعبته خالية من الأوراق السياسية والعسكرية الضاغطة.
لقد دخلت واشنطن مثقلة بفشل أهداف العدوان، وبفقدان ورقة مضيق هرمز،
وبعودة قوة حزب الله، وبفشل مشروع إقامة دولة انفصالية في جنوب اليمن، وبفشل خلق حرب عربية إيرانية.
وفي المقابل، دخلت إيران المفاوضات وهي تدرك أنّ حلفاء أمريكا الأوروبيين تخلوا عنها،
وأنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فشل في التأثير على الموقف السياسي الصيني الداعم لإيران.
كما أدركت طهران استحالة تمرير أي قرارات دولية ضدها في مجلس الأمن الدولي، بسبب الحضور القوي للفيتو الروسي والصيني في وجه الولايات المتحدة.
مخاض عسكري ودبلوماسي يولد مرحلة جديدة
كل هذا المخاض العسير، وكل هذه المواجهة العسكرية والدبلوماسية الساخنة بين إيران من جهة،
والعدوين الأمريكي والصهيوني من جهة أخرى، ينبئ بولادة مرحلة سياسية إقليمية ودولية جديدة.
وترسم القيادة الإيرانية ملامح هذه المرحلة في مواجهة العنجهية والغطرسة والغرور الأمريكي.
وتكشف القراءة الأولية لملامح هذه الولادة عن تغيرات جوهرية وعميقة ستشهدها منطقة غرب آسيا والعالم في المرحلة القادمة.
فالمولود السياسي الجديد لن يكون مجرد نتيجة عابرة لمعركة محدودة، بل سيعبر عن انتقال واسع في موازين القوة، وفي طبيعة الحضور الأمريكي والصهيوني في المنطقة.
ملامح المرحلة السياسية الجديدة
تتمثل الملامح الأولى لهذه المرحلة في فشل مشاريع التطبيع ومشروع “إبراهام” الأمريكي الصهيوني في المنطقة.
كما يظهر فشل مشروع الشرق الأوسط الأمريكي الجديد، وفشل مشروع قيام دولة إسرائيل الكبرى.
ومن بين الملامح أيضاً بروز الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها قوة إقليمية ودولية كبرى،
وعودة القضية الفلسطينية إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي والشعبي. كما تبرز حالة تراجع الجدوى السياسية والعسكرية لاستمرار وجود القواعد الأمريكية في المنطقة الخليجية.
وتأتي ورقة مضيق هرمز في قلب هذه التحولات، إذ تمسك القيادة الإيرانية بهذه الورقة وتفرض سيادتها السياسية والأمنية عليها،
بالشراكة والتنسيق مع الجانب العماني، بما يمنح طهران موقعاً أكثر تأثيراً في معادلات الطاقة والأمن الإقليمي والدولي.
العدو الصهيوني أكبر الخاسرين
تشير مجمل المتغيرات إلى أنّ العدو الصهيوني سيكون الخاسر الأكبر من الأحداث السياسية والعسكرية الجارية في المنطقة.
فقد راهن على كسر إيران، وعلى إضعاف محور المقاومة، وعلى تسريع مشروع التطبيع، وعلى فتح الطريق أمام إسرائيل الكبرى، لكنه وجد نفسه أمام مرحلة مختلفة تماماً.
لقد صمدت إيران، ووسعت خياراتها، واستثمرت أوراق قوتها، وأعادت رسم المشهد من موقع الفعل لا رد الفعل.
ولذلك، تبدو المنطقة اليوم أمام ولادة سياسية جديدة تتحكم طهران بجزء كبير من شروطها، بينما تتراجع الحسابات الأمريكية والصهيونية التي قامت على الغرور وسوء التقدير.
إيران ترسم معالم ما بعد العدوان
توشك منطقة غرب آسيا على دخول مرحلة جديدة، لا تحددها واشنطن وحدها، ولا يستطيع الكيان الصهيوني فرضها بقوة العدوان.
فقد أثبتت إيران أنّ الصبر الاستراتيجي، وبناء القوة، وتوسيع التحالفات، وإدارة التوقيت، كلها أدوات قادرة على تحويل العدوان إلى فرصة.
ومن هنا، لا تبدو إيران مجرد طرف نجا من العدوان، بل تظهر بوصفها قوة تمسك بخيوط مرحلة قادمة، وتتحكم بجزء أساسي من ولادتها السياسية والإقليمية والدولية.
أما العدو الصهيوني، فقد دخل هذه المرحلة وهو يحمل أثقال الفشل، وتراجع المشروع، وانكشاف حدود القوة.


