سباحة عمياء

سباحة عمياء في عالم التعليقات ومنصات التواصل الاجتماعي
يتناول المقال ظاهرة التعليقات في منصات التواصل الاجتماعي بوصفها مرآة لأزمات نفسية واجتماعية وسياسية عميقة، ويقارن بين الفضاء العربي والعراقي من جهة، والفضاء الغربي من جهة أخرى...

الهاتف قبل النوم وبداية الجريمة الرقمية

قبل النوم، حين يتسلل الأرق ويمتد الليل ثقيلاً، نرتكب الجريمة الرقمية المعتادة: نفتح الهاتف، ثم نلقي بأنفسنا في النهر الجاري لمنصات التواصل الاجتماعي. نمارس “السباحة الحرة” بلا قارب نجاة، بين غابات إكس، ودهاليز فيسبوك، وسواحل يوتيوب.

لكن السباحة في عالم التعليقات لا تمثل تسلية عابرة فحسب. بل تقودنا إلى عمق باطن مشوّه، وتضعنا في مواجهة مباشرة مع تجليات نفسية وسياسية واجتماعية وتاريخية مرعبة. كما تكشف، بوضوح قاسٍ، حجم التردي التربوي والأخلاقي الذي وصلنا إليه، وتفضح عجزنا كشعوب عن دفن معارك عمرها قرون.

التعليقات بوصفها مرآة للباطن المشوّه

لا يهمني، كمراقب، معيار القراءة السطحية لدى عامة القراء، ولا تكفيني أيضاً تحليلات النقاد المحترفين إذا بقيت حبيسة الانطباع العام. ففي فضاء النقد الجمالي للنصوص والظواهر، توجد مقاييس خاصة يفتقدها القارئ غير المتخصص غالباً.

لا يعنيني المدح غير الواعي حين يأتي على هيئة تصفيق عابر، ولا يعنيني القدح التبسيطي حين ينطلق من تصفية حسابات ضيقة. وقبل أن أتعامل مع أي نص أو ظاهرة، أخضعها لمعايير جمالية ولغوية صارمة تصقلها الخبرة.

فالقارئ المسيّس والمؤدلج، ببساطة، يضع معاييره بالكامل خارج حدود الجمال والأدب. ولذلك، ينشغل معظم العابرين في الفضاء الرقمي بالمضمون السطحي، ويتجاهلون اللغة التي صاغت هذا المضمون. أما أنا، فيمكنني أن أقرأ نصاً كاملاً، أو كتاباً كاملاً، شغفاً بجماليات لغته وإيقاعها، حتى لو اختلفت جذرياً مع مضامينه الفكرية.

هندسة الشتيمة في المنصات الرقمية

تكشف هذه النظرة الجمالية البنيوية السيرك الرقمي على حقيقته. فالمنصة الرقمية نفسها، سواء كانت فيسبوك أو إكس أو يوتيوب، تؤثر في هندسة الشتيمة وسلوك المعلّق بقدر ما تؤثر خلفيته الثقافية، وربما أكثر.

فالتعليق في فيسبوك يختلف في بنيته عن التعليق في يوتيوب، كما يختلف إكس عنهما في السرعة والحدة والاختزال. لذلك، لا يصنع المستخدم وحده شكل الخطاب الرقمي، بل تصنع المنصة أيضاً إيقاعه، ومساحته، وطريقة انفجاره.

فيسبوك مسرح الصراع الهوياتي

تحوّل فيسبوك إلى مسرح واضح للصراع الأيديولوجي والهوياتي. فهو ساحة تتشكل فيها الجماعات الطائفية والسياسية بملامحها الكاملة، ثم تتصادم بعنف داخل التعليقات.

في هذا الفضاء، لا يظهر التعليق غالباً بوصفه رأياً فردياً، بل يتحول إلى بيان انتماء. فالمعلّق لا يكتب فقط ما يفكر فيه، بل يعلن من خلال كلماته موقعه داخل الجماعة، وعداءه للجماعة الأخرى، واستعداده للدفاع عن سرديته الخاصة مهما كانت اللغة عنيفة أو مشوهة.

يوتيوب وساحة الحروب الصغيرة

أما يوتيوب، فيبدو أقرب إلى ساحة “الحروب الصغيرة” المباشرة. فطول المواد المرئية يمنح المعلّق مساحة أوسع للغضب، ويجعله يدخل إلى التعليق بعد تراكم انفعالي طويل.

لذلك، تأتي تعليقات يوتيوب غالباً أكثر حدة وتفصيلاً وغضباً. فالمستخدم لا يكتفي بشتيمة خاطفة، بل يمدّ غضبه على مساحة أوسع، ويحوّل التعليق إلى ساحة مواجهة ممتدة، حيث تختلط السياسة بالدين، والتاريخ بالثأر، والموقف الشخصي بالانتماء الجماعي.

إكس ومنصة الاستفزاز الموجز

أما إكس، أو تويتر سابقاً، فيعمل كمنصة للاستفزاز الموجز والخبر العاجل. هنا تأتي الشتيمة مركزة ومكثفة، وتنطلق بسرعة رصاصة داخل مساحة محدودة.

في هذا الفضاء، لا يحتاج الغضب إلى شرح طويل. تكفي جملة قصيرة، أو كلمة حادة، أو سخرية لاذعة، كي تنفجر سلسلة كاملة من الردود. ولذلك، يصنع إكس نوعاً خاصاً من العنف اللغوي: عنفاً سريعاً، مقتضباً، ومشحوناً بأقصى قدر من الاستفزاز.

عقلية نحن ضد هم في الفضاء العربي والعراقي

عند تشريح هذا المشهد نفسياً واجتماعياً، يتضح أن التعليق في فضائنا العربي والعراقي لا يعبّر غالباً عن رأي شخصي، بل يتحول إلى آلية دفاع غريزية تحركها عقلية “نحن” ضد “هم”.

قد يكون المنشور تافهاً، أو علمياً، أو محايداً، لكنه يتحول في لحظة إلى خندق طائفي أو سياسي. عندها تختزل الجماعات السياسة في الدين والأخلاق، وتستحضر معارك تاريخية جرت قبل أكثر من 1400 عام، وكأنها حدثت بالأمس.

والويل لمن يحاول التهدئة. فمجرد محاولة ضبط النقاش قد تسحب من صاحبها أهليته الأخلاقية فوراً، وتضعه في خانة الخيانة أو الجهل أو الانحياز. وهكذا لا يترك الفضاء الرقمي مساحة آمنة للعقل الهادئ، بل يدفع الجميع نحو الاصطفاف والصراخ.

الفكاهة السوداء بوصفها غطاء للعدوان

حتى تلك السخرية التي نراها في التعليقات لا تمثل، في كثير من الأحيان، خفة ظل بريئة. إنها أقرب إلى “فكاهة سوداء” يعتمدها المعلّق كي يمرر الشتائم والطعن في الأعراض والنسب والدين.

ومن خلال هذه السخرية، يمارس المعلّق سلطة وهمية تعوض كبتاً واقعياً. فهو لا يملك سلطة في الحياة اليومية، ولا يستطيع تغيير واقعه، لذلك يمنح نفسه سلطة لغوية مؤقتة داخل التعليق. يجرح، ويهين، ويسخر، ثم يشعر للحظات بأنه انتصر.

صدمة المقارنة مع الفضاء الغربي

حين نقارن هذا التردي بما نتابعه في المنصات الغربية والأجنبية، نصاب بصدمة حضارية. فالتعليقات هناك، رغم وجود خطاب كراهية منظم وممنهج أحياناً، تمتاز في العموم بقدر أكبر من المرونة والموضوعية والوضوح.

النقاش الغربي، في كثير من مساحاته العامة، يخلو من شحنات الطائفية الغيبية التي تهيمن على فضائنا. فالسياسي يناقشه الناس سياسياً، وبأسلوب علماني مجرد غالباً. وحتى الشتيمة هناك قد لا تتجاوز وصف الخصم بـ “الفاشي” أو “الاشتراكي”، عبر استعارات وميمات بصرية، بينما يبقى الحوار حول تفاصيل الحياة اليومية أكثر وجاهة وأدباً.

خطاب الكراهية بين الخوف السياسي والانفجار الأخلاقي

نعم، توجد في الغرب أيضاً خطابات كراهية ومشاعر غضب ضد المهاجرين أو الأقليات. لكن هذا الخطاب يعتمد غالباً على الخوف السياسي، أو على سرديات مؤسساتية منظمة، ولا يتحول دائماً إلى انفجار تربوي وأخلاقي يطال شرف الأمهات والزوجات عند الخلاف على كوب قهوة أو هاتف ذكي.

أما في فضائنا الرقمي، فيستطيع أي موضوع عابر أن يوقظ طبقات عميقة من العنف الرمزي. فالخلاف على فكرة بسيطة قد يتحول إلى طعن في الدين، أو النسب، أو الطائفة، أو التاريخ، وكأن التعليق لم يعد مساحة رأي، بل صار ساحة لتفريغ ميراث طويل من الكراهية المكبوتة.

من أدوات اتصال إلى مرايا للأزمة

في الفضاء الغربي، ينام الناس بعد نقاشات حول جودة الحياة، ومستقبل التكنولوجيا، وتفاصيل الحياة اليومية. أما في فضائنا الرقمي، فإننا نغلق هواتفنا قبل النوم وقد خضنا، من خلال التعليقات، ثلاث معارك طائفية، وحربين قوميتين، ووابلاً من الشتائم البيولوجية العنيفة.

لقد تحولت وسائل التواصل لدينا من أدوات اتصال إلى مرايا عاكسة لعقل باطن مأزوم ومحتقن. هذا العقل يهرب من استحقاقات الحاضر، ومن جماليات اللغة والفكر، ثم يغرق في وحل التشويه المنظم لكل ما هو جميل.

وهنا تكمن مأساة السباحة العمياء: نحن لا نسبح في فضاء رقمي فقط، بل نسبح في طبقات عميقة من الغضب والخوف والكبت والتاريخ. وكلما ظننا أننا نتصفح العالم، اكتشفنا أننا نتصفح أعماقنا المشوهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *