ما لذي ربحته إيران من الاتفاق؟!

ما الذي ربحته إيران من الاتفاق ومكاسبها السياسية والعسكرية
يتناول المقال المكاسب التي حققتها إيران من الاتفاق، بدءاً من تحرير الأموال المجمدة، مروراً بتثبيت أهمية مضيق هرمز، وصولاً إلى كسر الهيبة الأمريكية والصهيونية وتعزيز موقع محور المقاومة....

سؤال الاتفاق وموقع إيران في الصراع العالمي

ما الذي ربحته إيران من الاتفاق؟ هذا السؤال لا يمكن فهمه بمعزل عن الصراع الأوسع على النظام الدولي، ولا عن المشروع الأمريكي والصهيوني الهادف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق موازين تخدم القطب الواحد. فقد ذكرتُ في مقالة سابقة أنّ سقوط فنزويلا يمثل، في تقديري، المرحلة الأخيرة من مشروع السيطرة على العالم، كما يشكل مفتاحاً لحرب واسعة في الشرق الأوسط.

وتستند هذه القراءة إلى وثائق ودلائل تاريخية وسياسية، وإلى تصورات تحدّثت عنها مراكز دراسات وشخصيات سياسية غربية، وفي مقدمتها هنري كيسنجر. فبعد السيطرة على مصادر الطاقة العالمية والمنظمات الدولية، وبعد منح إسرائيل الكلمة العليا من دون قدرة أي قانون أو قوة دولية على ردعها أو حتى إدانتها، يبدأ مشروع أوسع يقوم على محاصرة الصين، وإضعاف روسيا، وإخضاع الدول الأوروبية للإرادة الصهيوأمريكية.

إيران بوصفها العقبة الأولى أمام المشروع الأمريكي

ضمن هذا المسار، تستهدف واشنطن أي دولة تقف ضد مشروعها أو ترفض تطبيق أوامرها السياسية والاستراتيجية، سواء عبر التطبيع أو عبر ما يسمى بالديانة الإبراهيمية ومشروع “الولايات المتحدة الإبراهيمية” في الشرق الأوسط بقيادة إسرائيل. ومن الطبيعي أن تأتي إيران في مقدمة المستهدفين، لأنها تمثل حجر عثرة حقيقياً أمام هذا المخطط.

فبعد السيطرة على النفط الفنزويلي، لن تحتاج واشنطن، وفق هذه القراءة، إلى النفط السعودي أو الخليجي أو نفط الشرق الأوسط عموماً. كما ستضع في حسابها احتمال إغلاق إيران لمضيق هرمز إذا تعرضت للقصف، واحتمال إغلاق اليمنيين لمضيق باب المندب. وبهذا، تحاول الولايات المتحدة أن تضرب أكثر من هدف بحجر واحد: إخضاع الصين، وإضعاف اقتصادها، وقطع شرايين صناعتها عبر حرمانها من النفط والمعادن النادرة والممرات البحرية والتجارية.

من فنزويلا إلى إيران: انتقال الهدف الأمريكي

تتوقع واشنطن، وفق هذا المسار، سقوط النظام في إيران ومجيء نظام موالٍ لها، ثم إخضاع الدول العربية إلى أقصى مدى. وقد صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي، بأنّ الهدف القادم هو إيران وكوبا وكولومبيا وغرينلاند.

وربما يتأخر هذا المسار بعض الوقت حتى تستكمل واشنطن السيطرة على شركات النفط والاستخراج في فنزويلا، وحتى تقترب الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة. فمن خلال الطوارئ والحرب الخارجية، تستطيع الإدارة الأمريكية إشغال الشعب الأمريكي المعارض لتوجهاتها، وتوحيد الجهود الداخلية تحت عنوان الأمن القومي.

رهان نتنياهو على إسقاط النظام الإيراني

شهدت الخطة تقدماً عندما أقنع بنيامين نتنياهو ترامب بأنّ قطع الرؤوس الكبيرة سينهي النظام في إيران، وأنّ الشعب الإيراني يكره قيادته، وأنّ القوة العسكرية الهائلة تكفي لإخضاع الآخرين. كما روّجت أجهزة الاحتلال الاستخبارية لفكرة امتلاكها أذرعاً داخل إيران، تستطيع الانقضاض على ما تبقى من أجهزة الدولة وقياداتها.

لكن ما حدث جاء عكس هذه الحسابات تماماً. فقد وقف الشعب الإيراني مدافعاً عن نظامه وقيادته بعد استشهاد المرشد الشهيد الكبير السيد علي الخامنئي، قدس سره، وقيادات الصف الأول. كما فشلت محاولات إدخال الأسلحة عبر بعض المناطق الكردية في شمال العراق، وتحريك العملاء في الداخل، لأنّ الحرس الثوري وضع يده على الأسلحة، وسيطر أيضاً على أجهزة الاتصال والتشويش المتطورة.

الحرب الإعلامية بعد فشل المؤامرة الداخلية

بعد فشل المخطط الداخلي، جاء دور الإعلام الغربي والعربي والصهيوني. فقد حاول هذا الإعلام إقناع الرأي العام بأنّ إيران لا طاقة لها بمواجهة أمريكا وإسرائيل، وأنّ عليها القبول بما تفرضه واشنطن وإلا ستلقى مصيراً مشابهاً للعراق وأفغانستان وليبيا، بل والاتحاد السوفيتي الذي تفكك رغم قوته وجبروته.

كما روج هذا الخطاب أنّ الغرب يحاصر اليوم روسيا، وريثة الاتحاد السوفيتي، من خلال خاصرتها الأوكرانية، وأنّ إيران فقدت منشآتها النووية وقواعد صواريخها وقواتها البحرية. ولذلك، زعموا أنّ على طهران التفاوض قبل فوات الأوان، والقبول بما تعرضه واشنطن، خصوصاً بعدما أعلنت أنها تخلت عن إسقاط النظام، وأنّ كل ما تريده هو اليورانيوم المخصب.

الرد الإيراني: هرمز والقواعد الأمريكية

رفضت إيران هذا المنطق بقوة، وأغلقت مضيق هرمز، وهددت بإغلاق مضيق باب المندب. كما هددت بقصف القواعد العسكرية الأمريكية في الدول المحيطة بها، خصوصاً الدول الخليجية، وحذرت هذه الدول من السماح لأمريكا وإسرائيل باستخدام أراضيها.

ورغم إعلان بعض هذه الدول عدم مشاركتها في الحرب، فإنّ ترامب شكرها وذكرها بالاسم. وبالفعل، نفذت إيران ما وعدت به، فضربت القواعد العسكرية، وأحرقت طائرات متطورة في مرابضها داخل السعودية والكويت والإمارات والبحرين، كما دمرت أو عطلت عدداً كبيراً من الرادارات الأمريكية في المنطقة.

انكشاف ضعف إسرائيل وتراجع صورتها العالمية

كشفت هذه المواجهة ضعف إسرائيل، وأظهرت أنها من دون الولايات المتحدة لا تساوي شيئاً في ميزان القوة. كما أثبتت أنّ إيران ومحور المقاومة يمتلكان القدرة على تدميرها، بل تهديد وجودها إذا استمرت في عدوانها.

وفي الوقت نفسه، تحولت إسرائيل إلى كيان منبوذ على مستوى واسع بسبب جرائمها، واستخدامها القوة المتوحشة في قتل الأطفال والنساء، وتدمير المنازل على ساكنيها في غزة وجنوب لبنان. كما أثبتت أنها لا تتردد في ضرب حتى حلفائها، كما فعلت مع قطر، من دون رادع أممي أو دولي.

تغير المزاج الغربي تجاه الحرب وإسرائيل

تغير المزاج السياسي والشعبي في الغرب، وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها. فقد رفضت النخب وأساتذة الجامعات والنشطاء والحقوقيون والديمقراطيون الحرب، كما عارضها قسم من الجمهوريين. وبدأ ترامب يتعرض للصياح والاستهجان في الأماكن العامة والتجمعات، وآخرها في أحد ملاعب كأس العالم.

إضافة إلى ذلك، أظهرت استطلاعات الرأي انخفاض شعبية ترامب، وبالتالي تراجع موقع الحزب الجمهوري من خلفه. ولذلك، خضع ترامب للواقع العسكري والسياسي، ووجد أنّ مصلحته ومصلحة حزبه والولايات المتحدة، في هذه المرحلة، تكمن في إيقاف الحرب.

نتنياهو ومحاولة إفشال الاتفاق

لا تبدو مصلحة نتنياهو في إيقاف الحرب، لأنّ توقفها يعني ذهابه إلى السجن، كما يعني نهاية حلمه في مشروع الشرق الأوسط الكبير ونشر الديانة الإبراهيمية. لذلك، سيواصل محاولاته لإفشال الاتفاق، لأنه يدرك أنّ هذا الاتفاق سيمنح إيران نفوذاً أوسع في لبنان والمنطقة، كما سيفتح الباب أمام رفع الحصار عنها.

ومن هنا، يصبح السؤال المركزي أكثر وضوحاً: ما الذي ربحته إيران من الاتفاق؟

ويمكن تلخيص المكاسب في مجموعة من النقاط السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية.

تحرير الأموال وكسر قيود الحصار

أول ما ربحته إيران يتمثل في احتمال تحرير أموالها المجمدة منذ سبعة وأربعين عاماً من الحصار.

فهذا المكسب لا يحمل بعداً مالياً فقط، بل يحمل دلالة سياسية واضحة، لأنه يعني فشل سياسة الخنق الاقتصادي في إخضاع القرار الإيراني.

كما يفتح تحرير الأموال باباً جديداً أمام الاقتصاد الإيراني، ويمنح الدولة قدرة أكبر على تمويل مشاريعها الداخلية،

وتعزيز صمودها الاجتماعي، وإعادة تنشيط قطاعاتها الحيوية بعد سنوات طويلة من العقوبات.

مضيق هرمز كسلاح استراتيجي يعادل القنبلة النووية

من أهم المكاسب التي كشفتها المواجهة إدراك أهمية مضيق هرمز بوصفه ورقة ضغط استراتيجية كبرى.

فقد أثبت المضيق، في تأثيره على الاقتصاد العالمي، أنه يضاهي القنبلة النووية من حيث القدرة على الردع والضغط.

لقد أظهر مضيق هرمز أنه قادر على خنق الاقتصاد العالمي، وتعطيل حسابات القوى الكبرى،

ورفع كلفة المواجهة مع إيران. ولذلك، لم يعد المضيق مجرد ممر بحري، بل صار ورقة سيادية واستراتيجية في يد الجمهورية الإسلامية.

كسر هيبة الولايات المتحدة العسكرية

ربحت إيران أيضاً كسر هيبة وطغيان الولايات المتحدة الأمريكية بعد تدمير عدد من قواعدها العسكرية في المنطقة،

وهروب أساطيلها، ونفاد ذخائرها، وفشل أسلحتها وطائراتها الشبحية المتطورة في السيطرة على الأجواء الإيرانية.

وقد فرض هذا التطور مراجعة عميقة لدى دول الخليج بشأن جدوى إنشاء قواعد أمريكية جديدة على أراضيها.

فهذه القواعد التي يفترض أنها تحميها، تحولت إلى عبء عليها، وإلى مصدر خطر مباشر عندما تصبح هدفاً للرد الإيراني.

تراجع الثقة بين الغرب وأمريكا وإسرائيل

من نتائج الاتفاق والمواجهة أيضاً اتساع الخلاف وانعدام الثقة بين الدول الغربية من جهة،

والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فقد تسببت الإهانات المتكررة لقيادات تلك الدول،

وإضعاف اقتصادها، في تعميق شعورها بأنّ واشنطن وتل أبيب تدفعان بها نحو كلفة لا تريد تحملها.

وهكذا، بدأت تظهر تشققات سياسية داخل المعسكر الغربي،

خصوصاً بعد أن أدركت بعض الدول أنّ مصالحها الاقتصادية والأمنية لا تتطابق دائماً مع الاندفاع الأمريكي والصهيوني نحو الحروب.

تراجع قدرة إسرائيل على فرض التطبيع

كسبت إيران أيضاً من تراجع قدرة إسرائيل على فرض التطبيع على الدول العربية.

ففي السابق، لم يكن أحد يجرؤ على ضرب إسرائيل، ولا حتى الحديث عنها بسوء داخل كثير من الدوائر السياسية والإعلامية الغربية.

أما اليوم، فقد أصبحت إسرائيل منبوذة في دول كثيرة،

وصار الإسرائيلي يواجه رفضاً شعبياً واسعاً حيثما وجد، بينما يحظى الإيراني بصورة مختلفة في عدد من البيئات العالمية.

وقد أضعف هذا التحول قدرة إسرائيل على تقديم نفسها بوصفها قوة لا تُقهر أو دولة طبيعية في المنطقة.

كما أعاد النقاش حول فلسطين والاحتلال والجرائم الصهيونية إلى الواجهة الدولية.

تثبيت البرنامج الصاروخي وحماية الحلفاء

من أبرز مكاسب إيران بقاء برنامجها الصاروخي، واستمرار نفوذها في لبنان واليمن والعراق،

وعدم المساس بحلفائها. كما عززت هذه المرحلة التفاف الأمة الإيرانية حول قيادتها،

وأظهرت أن الرهان على تفكيك الداخل الإيراني لم يحقق أهدافه.

إضافة إلى ذلك، منح وقوف الفاتيكان مع إيران، وفق هذا السياق، بعداً معنوياً وسياسياً مهماً،

لأنه أظهر أن التعاطف مع الموقف الإيراني لم يعد محصوراً في بيئة سياسية أو إقليمية محددة.

إيران تفرض حقوقها وتعيد تعريف القوة

نجحت إيران في فرض حقوقها، وأثبتت أنها تستطيع استخدام أدوات عسكرية أقل كلفة في مواجهة أسلحة تعد من الأكثر تطوراً في العالم.

كما أصبحت، وفق هذه القراءة، الدولة الوحيدة التي وقفت بوجه الولايات المتحدة الأمريكية بهذا المستوى منذ الحرب العالمية الثانية.

ولذلك، لم يكن الاتفاق مجرد وثيقة سياسية، بل نتيجة لمسار ردع ومواجهة وصمود.

فقد دخلت إيران هذه المرحلة وهي محاصرة ومضغوط عليها،

لكنها خرجت منها وهي تمتلك أوراقاً أقوى، وحضوراً أوسع، وقدرة أكبر على المناورة.

الحذر من الشيطان الكامن في التفاصيل

مع ذلك، ينبغي الحذر من الشيطان الكامن في التفاصيل. فالولايات المتحدة لا تتنازل عن عرشها بسهولة،

وقد تبحث عن استراحة مؤقتة ريثما تنتهي بطولة كأس العالم أو تهدأ ضغوطها الداخلية، ثم تعود إلى خيارات أخرى.

كما يجب الحذر من إسرائيل، لأنها تعيش واحدة من أضعف حالاتها،

ولا يمكن أن تقبل الهزيمة بسهولة. وكذلك يجب الحذر من الخونة والعملاء، لأنهم يشكلون مطية للعدو في تنفيذ مخططاته.

ومن هنا، لا بد من البقاء في حالة تأهب سياسي وعسكري وأمني،

ومواصلة تطوير القدرات الدفاعية، وتحسين الأسلحة، وعدم الركون إلى الوعود الأمريكية.

فالاتفاق قد يمنح إيران مكاسب كبيرة، لكنه لا يلغي طبيعة العدو، ولا ينهي الصراع على مستقبل المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *