مذكرة التفاهم قنبلة موقوتة في مسار الصراع
مذكرة التفاهم قنبلة موقوتة، لأنها لا تبدو في جوهرها اتفاقاً نهائياً ينهي الصراع، بل إطاراً مؤقتاً لإدارة الوقت وتأجيل الانفجار المقبل. فالمذكرة الموقعة إلكترونياً بين أمريكا وإيران عبر الوساطة الباكستانية، والمقرر توقيعها حضورياً يوم الجمعة القادمة في جنيف بسويسرا، تحمل في داخلها مؤشرات خطيرة على احتمال تفجير حرب كبرى جديدة بين تحالف العدوان الصهيوأمريكي البريطاني الأوروبي وحلفائه من جهة، ودول محور المقاومة، وفي مقدمتها إيران واليمن وحزب الله في لبنان والمقاومة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية وبقية المدن والمناطق الفلسطينية، من جهة أخرى.
ومن هنا، لا يمكن التعامل مع هذه المذكرة بوصفها وثيقة تهدئة مستقرة، بل يجب قراءتها كمرحلة انتقالية شديدة الحساسية. فهي تمنح الأطراف المتصارعة فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها لا تعالج جذور الصراع، ولا تلغي مشاريع الهيمنة والاحتلال والتوسع في المنطقة.
إطار تفاوضي محدود لا اتفاق نهائي
تبدو هذه المذكرة، في صورتها الحالية، مجرد إطار للتفاوض بين أمريكا وإيران لمدة ستين يوماً، مع احتمال تمديدها لفترة أخرى وفق ما تقتضيه مصلحة التفاوض. ولذلك، لا يمكن عدّها اتفاقاً دائماً أو ضمانة حقيقية لمنع الحرب، لأنها تقوم أساساً على كسب الوقت وإدارة التوتر.
فالهدف الأمريكي المباشر يتمثل في تخفيف آثار التضخم الاقتصادي الأمريكي والعالمي، الذي نتج عن إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران. فقد استطاعت طهران، بحسب هذه القراءة، أن تستعيد سيادتها على المضيق، وأن تبدأ باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنظيم عبور السفن، عبر الرسوم والتصاريح الرسمية الصادرة عن القوات المسلحة الإيرانية، استناداً إلى حقها السيادي.
كما يرتبط هذا المسار بحسابات الانتخابات النصفية الأمريكية والانتخابات الصهيونية، حيث تحتاج واشنطن وتل أبيب إلى تهدئة مؤقتة تساعدهما على إدارة أزماتهما الداخلية، لا إلى سلام حقيقي ينهي أسباب الصراع.
إنجاز سياسي لمحور المقاومة بعد فشل العدوان
رغم المخاطر الكامنة في المذكرة، فإن هذا الاتفاق المبدئي يمثل إنجازاً كبيراً لإيران واليمن ومحور المقاومة. فقد جاء بعد فشل تحالف العدوان الصهيوأمريكي في تحقيق أهدافه العسكرية والسياسية، وبعد تكبده خسائر كبيرة في المواجهة.
لقد شن هذا التحالف عدوانه على إيران بهدف إزالة النظام السياسي،
وتدمير الجيش والباسيج والحرس الثوري الإيراني، وضرب المنشآت النووية، وإضعاف الاقتصاد، وإنهاء محور المقاومة.
غير أنّ هذه الأهداف لم تتحقق. بل فشل العدوان، وانكشفت محدودية القدرة الأمريكية والصهيونية على فرض شروطها بالقوة العسكرية.
ومن ثم، لجأ الطرف الأمريكي والصهيوني إلى الأسلوب الدبلوماسي،
لا بوصفه خياراً نابعاً من حسن النية، بل لأنه عجز عن انتزاع ما يريده في ميدان المواجهة العسكرية.
الدبلوماسية كأداة للحصول على ما فشل الميدان في تحقيقه
تحاول واشنطن وتل أبيب، عبر هذا المسار التفاوضي، الحصول بالدبلوماسية على ما عجزتا عن تحقيقه بالمعركة الميدانية.
فهما تسعيان إلى إنهاء المقاومة الفلسطينية واللبنانية تحت شعار “حصرية السلاح”،
كما تعملان على الضغط للحصول على اليورانيوم الإيراني المخصب، سواء بإزالته أو تخفيض نسبته من ستين بالمائة إلى مستوى أقل.
كما تريدان إدخال مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية برقابة أشد وأوسع،
ثم استخدام هذا المسار لتسييس كل تفصيل يمكن توظيفه ضد إيران. ومن خلال ذلك، قد يحاول الطرف الأمريكي والصهيوني إظهار إيران وكأنها لا تلتزم بالضمانات الأمنية المتعلقة بعدم انتشار الأسلحة النووية،
ثم تدويل الملف للحصول على قرار من مجلس الأمن الدولي يفرض عقوبات جديدة عليها.
والأخطر أن يجري الدفع باتجاه إدخال الملف تحت الفصل السابع،
بما يسمح بتشكيل تحالف دولي وإقليمي ضد إيران واليمن ومحور المقاومة.
وهذا السيناريو، في جوهره، يمثل أحد أهم المخاطر التي تحملها المذكرة إذا لم تتعامل معها طهران وحلفاؤها بحذر شديد.
مخاطر الاغتيالات والتخريب الأمني
إلى جانب المسار السياسي والدبلوماسي، لا يمكن استبعاد استخدام أساليب أخرى لزعزعة الأمن والاستقرار.
فقد يلجأ الخصوم، بحسب هذه القراءة، إلى محاولات اغتيال تستهدف قيادات سياسية وعسكرية إيرانية،
أو إلى تحريك شبكات تجسس وعملاء، أو إلى استخدام الاستخبارات الأمريكية والموساد الصهيوني في عمليات اختراق وتخريب.
كما قد يجري توظيف تقنيات الاتصال المتطورة، ومنها شبكات وأجهزة مثل “ستارلينك”،
في إدارة الاضطرابات أو دعم عمليات التجسس والتنسيق. ولذلك، لا تكفي قراءة المذكرة من زاوية التفاوض فقط، بل يجب قراءتها أيضاً من زاوية الحرب الأمنية والاستخبارية التي قد ترافقها.
فالصراع مع التحالف الصهيوأمريكي لا يتحرك في مستوى واحد، بل يمتد من السياسة إلى الأمن، ومن الاقتصاد إلى الإعلام، ومن الضغط الدبلوماسي إلى محاولات التفكيك الداخلي.
ضرورة الجاهزية لدى إيران ومحور المقاومة
ما يجب على إيران واليمن ومحور المقاومة هو البقاء في أعلى درجات الجاهزية السياسية والأمنية والعسكرية.
فالمطلوب، وفق هذه القراءة، ليس رفض التفاوض من حيث المبدأ، بل منع استخدامه كغطاء لإعادة ترتيب العدوان أو تمرير مخططات جديدة ضد دول وشعوب المنطقة.
كما ينبغي إفشال كل المخططات التآمرية والعدوانية والاحتلالية والتوسعية والاستعمارية التي تستهدف إيران وفلسطين ولبنان واليمن والعراق وسائر ساحات المقاومة.
فالخصوم لا يريدون تهدئة حقيقية، بل يريدون هدنة تسمح لهم بإعادة التموضع والاستعداد لجولة أكثر خطورة.
رفض بقاء الاحتلال في لبنان وغزة والعراق
لا يمكن لأي تفاهم أن يحقق استقراراً حقيقياً إذا تجاهل بقاء جيش كيان العدو الصهيوني في جنوب لبنان وغزة وفلسطين المحتلة.
كما لا يمكن فصل أمن المنطقة عن الوجود العسكري الأجنبي في العراق وأربيل كردستان،
وعن حضور القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والأوروبية في المياه الإقليمية ودول المنطقة العربية والإسلامية.
ولذلك، يجب أن يكون أي مسار سياسي جاد مرتبطاً بانسحاب هذه القوات إلى بلدانها الأصلية،
وإنهاء دورها في زعزعة أمن الشعوب ونهب ثرواتها والتحكم بمصيرها. أما المفاوضات التي تترك الاحتلال قائماً،
وتمنح القوى الأجنبية وقتاً إضافياً للبقاء، فهي لا تصنع سلاماً، بل تؤجل الانفجار المقبل.
المفاوضات بين إضاعة الوقت وإعادة ترتيب العدوان
تبدو المفاوضات، في جانب كبير منها، مجرد وسيلة لإضاعة الوقت والاستمرار في الوجود العسكري والسياسي للقوى الأجنبية في المنطقة.
فالولايات المتحدة وحلفاؤها لا يريدون الخروج بسهولة،
لأن وجودهم يرتبط بمشاريع الهيمنة ونهب الثروات وتغيير خريطة المنطقة تحت عناوين مثل “الشرق الأوسط الجديد” و“إسرائيل الكبرى”.
ومن هنا، تحمل مذكرة التفاهم خطراً مزدوجاً. فهي من جهة تمنح إيران ومحور المقاومة اعترافاً ضمنياً بفشل العدوان العسكري المباشر.
لكنها من جهة أخرى قد تتحول إلى أداة لإعادة ترتيب الحرب المقبلة، إذا سمحت الأطراف المعنية للخصوم باستخدامها كغطاء للمناورة والتخطيط.
خلاصة القراءة في مذكرة التفاهم
في المحصلة، لا تبدو مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران نهاية للصراع، بل مرحلة مؤقتة تحمل داخلها احتمالات متعددة.
فقد تمنح إيران ومحور المقاومة مكاسب سياسية إذا أحسنوا إدارتها،
لكنها قد تتحول أيضاً إلى قنبلة موقوتة إذا استخدمها التحالف الصهيوأمريكي لإعداد حرب كبرى جديدة.
لذلك، يتطلب التعامل مع هذه المذكرة وعياً استراتيجياً عالياً، وحذراً أمنياً دائماً، وقراءة دقيقة للتفاصيل.
فالتفاوض لا يلغي طبيعة المشروع الأمريكي والصهيوني في المنطقة،
ولا يوقف طموحات الاحتلال والتوسع، ما لم يقترن بقوة ردع حقيقية، ووحدة موقف، وجاهزية دائمة لحماية سيادة الشعوب وحقوقها.


