الخداع الأمريكي والصهيوني مكشوف، وإيران تقلب الطاولة على الأعداء وتبني مرحلة جديدة لصالح محور المقاومة

الخداع الأمريكي والصهيوني وإيران تقلب الطاولة لصالح محور المقاومة
يتناول المقال قراءة سياسية في مسار الخداع الأمريكي والصهيوني، ويرى أنّ إيران أدارت عامل الوقت بذكاء، واستخدمت أوراق القوة والردع لتثبيت معادلات جديدة لصالح محور المقاومة...

قراءة في وهم التفوق الصهيوني بعد العدوان على إيران

تبجّح العدو الصهيوني كثيراً، وارتفعت نشوته وهو يراهن على تحقيق حلمه القديم ببناء دولته الكبرى،

بعدما بنى حساباته على تدمير الجمهورية الإسلامية الإيرانية والقضاء على دورها الإقليمي.

وقد جاء هذا الرهان بعد العدوان الأمريكي والصهيوني الذي وقع في نهاية شهر شباط/فبراير الماضي،

واستمر نحو أربعين يوماً، وأسفر عن استشهاد عدد كبير من قيادات الصفين الأول والثاني في الدولة الإيرانية،

وفي مقدمتهم قائد الثورة السيد علي الخامنئي، رضوان الله عليه.

ومن هنا، توهّم العدو الصهيوني أنّ الموقف السياسي والعسكري الإيراني سيتراجع،

وأنّ طهران ستنشغل بجراحها الداخلية عن متابعة ما يجري في المنطقة من تطورات عسكرية وسياسية.

كما اعتقد أنّ العدوان على إيران سيمنحه فرصة مناسبة لملاحقة قوى محور المقاومة، وفي مقدمتها المقاومة الإسلامية في لبنان.

حسابات العدو بين تدمير إيران واستهداف لبنان

استندت التقديرات الصهيونية إلى مجموعة من العوامل؛

منها حجم الدمار الذي خلّفه القصف الهمجي على المنشآت العسكرية والاقتصادية الإيرانية،

والحصار الاقتصادي البحري الأمريكي الذي أعقب العدوان، وما سببه من أضرار معيشية على الشعب الإيراني.

كما أضاف العدو إلى حساباته انشغال القيادة الإيرانية بالمفاوضات غير المباشرة مع الجانب الأمريكي عبر الوسيط الباكستاني،

وما رافقها من تهديدات ومناوشات عسكرية ومؤامرات سياسية.

وقد ولّدت هذه العوامل، في العقلية الإجرامية الصهيونية،

رغبة واضحة في معاقبة حزب الله بسبب دخوله الحرب ضد العدو الصهيوني بعد العدوان على إيران.

لذلك، سعى العدو إلى ردع الحزب، وتسريع عملية تدمير بنيته العسكرية،

وتهجير حاضنته الشعبية من جنوب لبنان، ثم ضرب الضاحية الجنوبية لبيروت بالمنهجية الإجرامية نفسها التي استخدمها في مدن ومخيمات قطاع غزة.

المفاوضات بوصفها غطاء للخداع وكسب الوقت

تدرك إيران، كما تدرك كل قوى محور المقاومة، أنّ الجزء الأكبر من مشروع المفاوضات الأمريكية الإيرانية عبر الوسيط الباكستاني لا يخرج عن كونه خداعاً ومناورات لكسب الوقت.

فقد أرادت واشنطن أن تستثمر هذه المفاوضات كي تحقق تقدماً في ملفات أخرى، وفي مقدمتها ملف استهداف حزب الله في لبنان.

وفي هذا السياق، عملت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على فتح مسار تفاوضي في واشنطن بين الحكومة اللبنانية والعدو الصهيوني.

غير أنّ الهدف الحقيقي لم يكن وضع حد للإجرام الصهيوني ضد الشعب اللبناني، بل فصل المسار اللبناني عن عملية التفاوض الأمريكي الإيراني،

وخلق تباينات داخل الوسط السياسي والطائفي اللبناني، ثم منح العدوان الصهيوني على لبنان غطاءً سياسياً جديداً.

وفي الوقت الذي كانت فيه المفاوضات المخادعة تجري في واشنطن بين ممثلي الطرف اللبناني والعدو الصهيوني،

واصلت آلة الحرب الصهيونية فتكها بالقرى والمدن اللبنانية الجنوبية كمرحلة أولى، تمهيداً لتدمير الضاحية الجنوبية لبيروت في مرحلة ثانية.

إيران تراقب بصمت وتقرأ السيناريو الكامل

كانت المؤامرات الأمريكية والصهيونية تمضي في مسارها، بينما راقب العقل العسكري والسياسي الإيراني سيناريوهاتها بصمت وبرودة أعصاب.

فقد أدركت طهران أنّ ما يجري ضد حزب الله لا يمثل سوى المرحلة الأولى من مشروع أوسع يستهدف قصقصة أجنحة قوى محور المقاومة،

وفق التسمية الأمريكية والصهيونية، ثم الانفراد بها واحدة تلو الأخرى، وصولاً إلى مواجهة إيران نفسها.

ولذلك، تعاملت القيادة الإيرانية مع المشهد بوصفه حرباً متعددة المسارات، لا مجرد أزمة تفاوضية عابرة.

فالمفاوضات، والعدوان على لبنان، والضغط الاقتصادي، والمناوشات العسكرية،

كلها عناصر في خطة واحدة تهدف إلى إضعاف محور المقاومة وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

مضيق هرمز يفرض معادلة جديدة على واشنطن

لا يمكن فهم عملية المفاوضات الأمريكية الإيرانية غير المباشرة بمعزل عن التطورات الاقتصادية الدولية التي فرضتها سيطرة القوات المسلحة الإيرانية على مضيق هرمز.

فقد أنتج هذا التطور ضغطاً كبيراً على أسواق الطاقة، كما فرض حسابات سياسية داخلية على الإدارة الأمريكية،

خصوصاً بعد فشل العدوان العسكري والسياسي في تحقيق أهدافه داخل إيران.

ومن يتابع تصريحات وتغريدات الرئيس الأمريكي ترامب خلال مراحل التفاوض مع إيران يلاحظ أنه تعمّد الإيحاء بوجود تفاعل إيجابي،

كما حاول تقديم مؤشرات توحي بتحقيق تقدم في المفاوضات وتقارب في وجهات النظر حول الملفات الخلافية.

لكن هذه التصريحات لم تنطلق من رغبة حقيقية في الوصول إلى مشروع سلام مع إيران.

بل هدفت، في جوهرها، إلى كبح الارتفاع المتزايد في أسعار الطاقة، وتهدئة أرباب الشركات الرأسمالية الاحتكارية،

وخداع الجمهور الأمريكي الذي ضاق ذرعاً بموجة الغلاء والخسائر الاقتصادية.

كما سعى ترامب إلى حماية شعبية الحزب الجمهوري داخل الساحة الأمريكية، وتجنب أي هزات سياسية قد تفقده الأغلبية في الكونغرس،

خصوصاً مع اقتراب انتخابات نصف مقاعد مجلس النواب الأمريكي في شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

وحدة الموقف الأمريكي والصهيوني ليست موضع شك

من يظن أنّ وحدة الموقف الأمريكي والصهيوني في مواجهة قوى محور المقاومة قد يصيبها الفتور أو التباين،

فإنه لا يقرأ السياسة والجغرافيا والتاريخ بعمق. فالعلاقة بين الكيانين الأمريكي والصهيوني تقوم على اندماج واسع في المواقف السياسية والعسكرية والمصيرية.

لذلك، لا ينبغي أن تخدعنا التناولات الإعلامية التي تروّج أنّ الرئيس الأمريكي غير مسرور بقصف الجيش الصهيوني للضاحية الجنوبية لبيروت،

أو أنه يجري مكالمات ساخنة مع رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو. فهذه الروايات ليست سوى تضليل وتمويه متعمد، تهيئه وسائل إعلام موجهة وتبثه لخداع الشعوب العربية والإسلامية.

إنّ ما يقوم به جيش العدو الصهيوني من عمليات إجرامية في غزة ولبنان لا ينفصل عن التخطيط والتوجيه والتسليح والتعاون اللوجستي والمخابراتي والعملياتي الأمريكي.

فكل هذه الأدوات تخدم الأهداف الأمريكية والصهيونية الكبرى، وفي مقدمتها بناء الشرق الأوسط الجديد وترسيخ المشروع الصهيوني في المنطقة.

القيادة الإيرانية تدير عامل الوقت ببرودة أعصاب

تدرك القيادة الإيرانية هذه الحقائق وتتعامل معها بما تملكه من قوة وخبرة وتجارب طويلة ومريرة مع العدوين الأمريكي والصهيوني. كما تؤكد تصريحات كبار المسؤولين الإيرانيين، في أكثر من مناسبة، عدم الثقة بالجانب الأمريكي في مسار المفاوضات.

وقد فهمت طهران أنّ الأمريكي يلعب على عامل الوقت.

لذلك، تعاملت معه بالطريقة نفسها، وببرودة أعصاب محسوبة، حتى يثق في خطواته وحساباته.

غير أنّه كلما قطع الأمريكي مسافة معينة في مشروع كسب الوقت، فاجأته إيران بخطوات غير متوقعة،

سواء عبر الرد على المناوشات العسكرية الأمريكية قرب عدد من الجزر الإيرانية في محيط مضيق هرمز، أو عبر الرد العسكري القوي الذي أعاد خلط الحسابات.

الضربة الصاروخية الإيرانية تقلب المعادلة

بلغت المفاجأة ذروتها عندما فجّرت القيادة الإيرانية أمام الجميع خطوة من العيار الثقيل، لم يتوقعها الأمريكي ولا الصهيوني.

فقد نفذت إيران قصفاً صاروخياً سريعاً على كيان العدو الصهيوني بعدما بدأ جيش الاحتلال تنفيذ أولى خطوات المرحلة الثانية من العدوان على لبنان،

أي بدء تدمير الضاحية الجنوبية لبيروت وخلق واقع سياسي جديد داخل لبنان يشبه ما جرى في سوريا بعد الإطاحة بالنظام السابق عبر تدخلات أمريكية وصهيونية وخليجية وتركية.

لم يكن القصف الصاروخي الإيراني على كيان العدو المحتل عملية عسكرية عادية أو رمزية،

ولم يأت فقط رداً على قصف الضاحية الجنوبية. بل مثّل مرحلة مفصلية تحمل رمزية عسكرية ودلالات سياسية واسعة،

ومن المرجح أن تترك نتائجها أثراً كبيراً على موازين القوى العسكرية والسياسية في المنطقة، لصالح إيران وقوى محور المقاومة.

الأضرار تتجاوز الكيان الصهيوني

لا يقتصر الضرر الناتج عن العملية العسكرية الإيرانية على الكيان الصهيوني وحده.

بل ينعكس بقوة على الولايات المتحدة، وعلى عدد من الأنظمة الخليجية التابعة التي تراهن مع الأمريكي على كسب الوقت،

وتسعى إلى التخلص من الهاجس الذي يقلقها دائماً: وجود الدولة الإيرانية بنظامها الثوري الإسلامي، ووجود قوى محور المقاومة.

وهذه القوى، كلما استهدفها الأعداء ودمّروا بنيتها، تنهض من جديد من تحت الأنقاض والركام، وتعود بحلة جديدة وقوة أعظم، كما حدث مع حزب الله في أكثر من محطة.

إيران تكشف وهم كسب الوقت

جاءت الضربات الصاروخية الإيرانية على كيان العدو الصهيوني مساء السبت الماضي لتكشف الوهم الأمريكي والصهيوني في مسألة كسب الوقت أمام إيران.

فقد أضافت هذه الضربات مكسباً جديداً إلى المعادلات التي ثبتتها القيادة والجيش والشعب الإيراني.

ومن أبرز هذه المعادلات الإمساك بورقة مضيق هرمز، والتلاعب العكسي بورقة الوقت في المفاوضات غير المباشرة مع الجانب الأمريكي،

وكسب تعاطف شعبي ونخبوي عالمي أوسع مع الموقف الإيراني ومحور المقاومة.

مرحلة جديدة لوحدة الساحات

لقد كتبت القيادة الإيرانية بدماء شهدائها الأبرار، وفي مقدمتهم دماء شهيد الغدر الإمام علي الخامنئي،

رضوان الله عليه، مرحلة تاريخية وسياسية جديدة على المستويين الإقليمي والدولي. ويحمل عنوان هذه المرحلة معنى واضحاً: وحدة الساحات لقوى محور المقاومة والجهاد.

إنها مرحلة جديدة تسعى إلى شل يد الغطرسة الأمريكية والصهيونية في المنطقة،

وستكون لها تداعيات سياسية سلبية كبيرة على الأمريكي والصهيوني،

وعلى كل من تآمر على فلسطين وإيران وقوى محور المقاومة عبر الحروب والمؤامرات والحصار خلال العقود الماضية،

منذ انبلاج فجر الثورة الإسلامية في إيران على يد الإمام الخميني الموسوي، قدس الله سره.

كلفة المؤامرات على فلسطين وإيران ومحور المقاومة

لقد دفعت شعوب فلسطين ولبنان وسوريا واليمن وإيران والعراق وغيرها من البلدان ثمناً باهظاً نتيجة سياسات الهيمنة الأمريكية والمشروع الصهيوني في المنطقة.

فقد أريقت دماء الأبرياء، وتعرضت دول وشعوب لحروب وحصار ومؤامرات، فقط من أجل تثبيت النفوذ الأمريكي وتوسيع المشروع الصهيوني.

لكن المعادلة لم تعد كما كانت. فقد أثبتت إيران، ومعها قوى محور المقاومة، أنّ الدماء لا تصنع الهزيمة دائماً، بل قد تصنع مرحلة جديدة من الصمود والردع وإعادة بناء القوة.

إيران تغير وجه المنطقة

أما إيران، فقد غيّرت وجه المنطقة والعالم، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة ستظهر نتائجها في الفترات المقبلة.

ومن الواضح أنّ هذه النتائج ستصب، وفق مسار الأحداث، في صالح قوى محور المقاومة،

وستفرض على الأعداء إعادة قراءة حساباتهم السياسية والعسكرية.

لقد ظن الأمريكي والصهيوني أنّهما يخدعان إيران ويمسكان بورقة الوقت، لكن طهران قلبت الطاولة،

وكشفت الخداع، وفرضت معادلة جديدة تقول إنّ محور المقاومة لا يُحاصر بسهولة، ولا يُكسر بالعدوان، ولا يغادر الميدان مهما اشتدت المؤامرات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *