تعيش المالية العامة في العراق منذ سنوات طويلة تحت رحمة تذبذب أسعار النفط، وهو ما جعل الموازنة الاتحادية رهينة لتقلبات السوق العالمية. فحين تشكّل الإيرادات النفطية ما يقارب 90% من موارد الدولة، يصبح أي هبوط في الأسعار كفيلاً بإرباك سلم الأولويات، وتعطيل تنفيذ المشروعات، وخلق اختناقات في التمويل والتخطيط والتنمية.
مرونة الموازنة أساس الإدارة
من هنا تبرز الحاجة الماسّة إلى اعتماد أسلوب الموازنة المرنة، بوصفه أحد أهم أدوات الإدارة المالية الحديثة التي تتعامل بمرونة مع عدم اليقين. تقوم فكرة هذا الأسلوب على تقدير الإيرادات ضمن ثلاثة سيناريوهات:
1.سعر نفط متشائم 45$
يعكس أسوأ الاحتمالات، ويُستخدم لتقييم قدرة الدولة على الاستمرار في الحد الأدنى من الإنفاق الضروري حتى في ظل الأزمات.
2.سعر نفط مرجّح 50$ (أساس الموازنة)
وهو السيناريو الأكثر واقعية، الذي يعتمد على توقعات المؤسسات الدولية، وتقديرات السوق المستقبلية، وقدرة العراق على الالتزام بسقوف الإنتاج.
3.سعر نفط متفائل 60$
يسمح في حال تحققه بإعادة توزيع الفوائض نحو الاستثمار، وتقليل العجز، وخلق مساحة مالية تعزّز الاستدامة الاقتصادية.
إن اعتماد هذا النهج لا يحقق فقط مرونة أعلى في إعداد الموازنة، بل يوفّر أيضاً إطاراً احترازياً يحمي الاقتصاد من الصدمات النفطية، ويعزز مصداقية التوقعات المالية، ويوجه الإنفاق نحو أولويات التنمية بدل الرضوخ لضغوط اللحظة. إن الموازنة المرنة تمنح الحكومة القدرة على التكيف مع الصدمات الخارجية وتقلل المخاطر المالية على الاقتصاد الوطني. إنها أداة لتوجيه الموارد بشكل رشيد نحو المشروعات الحيوية دون تعطيل التنمية. كما توفر مساحة للمراقبة الدقيقة والشفافية المالية، مما يعزز ثقة المجتمع الدولي والمحلي في السياسات الاقتصادية. تطبيق هذا الأسلوب اليوم يضمن استدامة المالية العامة ويقلل من تقلبات الإيرادات المستقبلية.و اعتماد الموازنة المرنة يمكّن وزارة المالية من مراقبة الأداء المالي بشكل دقيق، ويتيح تعديل الإنفاق وفق المتغيرات الاقتصادية. كما يعزز استخدام الموارد بكفاءة ويقلل الهدر المالي، ويخلق إطاراً للتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. هذا الأسلوب يدعم اتخاذ القرارات المبنية على بيانات واقعية ويعزز الشفافية الداخلية والخارجية في إدارة المالية العامة. تطبيقه اليوم هو استثمار لضمان استقرار الاقتصاد الوطني وقدرته على مواجهة الأزمات المستقبلية.
ويضع العراق على مسار أكثر أماناً نحو استدامة مالية طويلة الأمد. كما يفتح المجال لتقييم السياسات المالية بشكل دوري وتمكين الحكومة من استباق المخاطر الاقتصادية المحتملة، مع تعزيز الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع الدولي.
إن الموازنة المرنة ليست مجرد خيار تقني، بل هي خطوة إصلاحية جوهرية تعيد هيكلة منهجية التفكير المالي، وتدفع نحو بناء نظام إدارة مالية عامة أكثر واقعية، واستدامة، وشفافية… وهو ما يحتاجه العراق اليوم قبل الغد في مساره نحو الإصلاح الاقتصادي والمالي.


