جرائم لا يطويها الزمن
كثيرة هي الجرائم التي شهدها التاريخ، وقد سقط فيها آلاف الضحايا لأسباب مختلفة.
ومع مرور السنين، اندثرت بعض تلك الجرائم من ذاكرة الناس،
غير أنّ جرائم أخرى بقيت حاضرة لأنها تجاوزت حدود القتل العادي، ولامست أعماق الضمير الإنساني.
ومن بين هذه الجرائم، بقيت حادثة مقتل الإمام الحسين، عليه السلام، وأهل بيته وأصحابه خالدة في الذاكرة،
بسبب بشاعتها وهول ما رافقها من قسوة. فما مرّ عليها إنسان صاحب ضمير منصف إلا توقّف مذهولاً أمام حجم الفاجعة،
حتى يكاد العقل لا يصدّق كيف خرج عشرات الآلاف لقتال اثنين وسبعين رجلاً.
عاشوراء بوصفها شاهداً على قسوة القلوب
لم تتوقف فاجعة عاشوراء عند حدود القتال. فالحرب قد تقع بين طرفين، ثم تنتهي بانتصار أحدهما،
ويغادر المنتصر ساحة النزال منتشياً بنصره. لكن ما الذي يدفع المنتصر إلى انتزاع قرط من أذن طفلة،
من دون أن يراعي الألم الذي يتركه جرح شحمة الأذن؟
لقد فعل أتباع آل أمية وأراذلهم ذلك مع أطفال أصحاب الحسين، عليه السلام.
كما أحرقوا الخيام، وسبوا النساء، وأهانوا المرضى، وقتلوا طفلاً رضيعاً،
ثم أجروا الخيول بحوافرها على صدر سبط رسول الله، وهو الصدر الذي كان رسول الله، صلى الله عليه وآله، يضمّه إلى صدره.
وهنا تظهر حقيقة اللؤم والعنجهية وقسوة القلوب التي لم تعرف الرحمة والإنسانية يوماً.
لذلك، لم تغادر صفحات عاشوراء ذهن أي محب لأهل بيت النبوة، مهما كان قومه أو بلده أو مذهبه.
من عاشوراء إلى سبايكر: اختلاف الشخوص ووحدة الفكر
أقدّم هذه السردية لا من أجل الخلط بين الوقائع، بل من أجل المقارنة في جوهر الفعل وإن اختلفت الشخوص والأزمنة.
فالفاعل، في جوهره، يحمل الفكر نفسه، والحقد نفسه، واللؤم نفسه، والجاهلية نفسها.
وقد يقول قائل إنّ الحرب تسمح بوقوع الخروقات، وإنّ ساحات القتال تشهد كثيراً من الانتهاكات.
ولو قبلنا هذا الاعتراض جدلاً، فإنّ السؤال يبقى قائماً:
هل كان 1700 طالب في مدرسة عسكرية، يتلقون دروساً من دون امتلاك سلاح أو أي وسيلة للدفاع عن النفس، محاربين أم عزّلاً؟
وهل استهدافهم وخداعهم واقتيادهم كي يُقتلوا جماعات متتابعة يمثّل شيمة العرب،
أم يعكس قسوة أعداء الإنسانية؟ إنّ ما جرى في سبايكر لا يدخل في منطق الحرب،
بل يدخل في منطق الجريمة المنظمة التي تستهدف الإنسان الأعزل وتستبيح دمه ببرودة كاملة.
سبايكر وجريمة قتل الشباب العزّل
في جريمة سبايكر، لم يواجه القتلة جيشاً مسلحاً في ساحة حرب متكافئة،
بل استهدفوا شباباً عزّلاً كانوا في بداية طريقهم العسكري.
هؤلاء الشباب لم يحملوا سلاحاً يدافعون به عن أنفسهم،
ولم يملكوا فرصة مواجهة عادلة، بل وقعوا في فخ الخديعة والغدر.
ولذلك، تكشف سبايكر عن مستوى عميق من الانحطاط الأخلاقي. فقد أراد المجرمون أن يقتلوا الأجساد، وأن يكسروا ذاكرة المجتمع، وأن يزرعوا الخوف في نفوس العراقيين. غير أنّ دماء الشهداء صنعت أثراً معاكساً، إذ تحولت إلى شاهد دائم على وحشية الإرهاب، وإلى صرخة وطنية لا تسمح بالنسيان.
البعثيون وداعش واستمرار منطق الجريمة
قد يقول قائل إنّ هذه الأخلاق ليست غريبة على البعثيين منذ عرفهم العراقيون. فقد استخدموا كل موبقة بحق خصومهم وضحاياهم، من قطع الألسن، إلى إلقاء الضحايا في أحواض التيزاب، إلى قطع الآذان، وصولاً إلى رمي الناس في فرّامات اللحم.
ولا يبدو غريباً، وفق هذا الفهم، أن يلتحق بعض ضباط الحرس الخاص ومن قادوا فلول الحقد والإجرام بمسارات العنف التي مهّدت لجريمة سبايكر أو شاركت في صناعتها. فهؤلاء ينتمون إلى مدرسة دناءة واحدة، وإن تغيّرت اللافتات والأسماء.
ومع ذلك، لا يكفي أن نفهم الماضي فقط. بل يجب أن نحذر من امتداد هذا الفكر في الحاضر، لأنّ الجريمة لا تولد من السلاح وحده، بل تولد أولاً من عقل يبرّر القتل، ومن خطاب يستهين بدم الأبرياء.
خطر التهاون مع دماء الشهداء
إنّ الخطر الأكبر اليوم لا يقتصر على من ارتكب جريمة سبايكر بيده، بل يشمل أيضاً كل من يسعى إلى تعطيل العدالة أو تخفيف أثر الجريمة أو منع القصاص القانوني من القتلة. فمن يطلب من رئيس الجمهورية عدم المصادقة على قرار إعدام من ارتكبوا قتل هذا العدد الهائل من الشباب، يفتح باباً خطيراً أمام تكرار الجريمة إذا سنحت فرصة مماثلة.
ولا يعني هذا الدعوة إلى الفوضى أو الانتقام خارج القانون، بل يعني التمسك بالعدالة، واحترام دماء الشهداء، ومنع تحويل المجرمين إلى أوراق مساومة سياسية. فالتساهل مع قتلة الأبرياء لا يصنع سلاماً، بل يشجع أصحاب الفكر الدموي على انتظار فرصة جديدة.
الذاكرة الوطنية بوصفها حصناً ضد الغفلة
لذلك، يجب أن يحذر العراقيون هذا النفر المنافق في كل ساعة ودقيقة. فالعدو يترصد، والغفلة تصبح جرماً آخر عندما تتحول إلى مساومة على دماء الأبرياء. ومن هنا، لا تمثل ذكرى سبايكر مناسبة للبكاء فقط، بل تمثل واجباً وطنياً وأخلاقياً لحماية الذاكرة من التزوير والنسيان.
إنّ الأمة التي تنسى شهداءها تفتح الطريق أمام تكرار مأساتها. أما الأمة التي تحفظ أسماء الضحايا، وتطالب بالعدالة، وتفضح القتلة ومن يبرر لهم، فإنها تبني حصناً أخلاقياً وسياسياً في وجه الجريمة القادمة.
سبايكر جرح العراق المفتوح
ستبقى سبايكر جرحاً عراقياً لا يندمل، لأنها لم تكن جريمة قتل عابرة، بل كانت امتحاناً للذاكرة والعدالة والضمير. وقد أثبتت هذه الفاجعة أنّ الإرهاب لا يحتاج دائماً إلى جيوش كبيرة كي يرتكب أبشع الجرائم، بل يحتاج إلى حقد أسود، وإلى قلوب خالية من الرحمة، وإلى بيئة تسمح للجريمة بأن تتكرر.
فرحم الله شهداء سبايكر كلما أشرقت شمس وكلما غربت. وستبقى دماؤهم أمانة في أعناق العراقيين، وستبقى ذكراهم صرخة في وجه الإرهاب، وشاهداً على أنّ دماء الأبرياء لا تسقط بالتقادم، ولا تدخل في حسابات المساومة، ولا تغادر ذاكرة الوطن.


