للقبح وقاره الخفي
للقبح وقار أيضاً، وفي داخله جمال يتكوّن ببطء، مثل بذرة صامتة في رحم الأرض. ولذلك، لا يمكن النظر إلى القبح بوصفه نقيضاً سطحياً للجمال، لأنّ معناه أعمق من صورته المباشرة، وجذوره تمتد في طبقات بعيدة من اللغة والخيال والأسطورة.
إنّ لمعنى القبح جذوراً ضاربة في الأعماق. وأقدم جذر لهذه الكلمة نجده في الأكّادية، حيث ارتبط باللعنة أو التشوّه. أما في الميثولوجيات القديمة، فقد ظهر القبح رمزاً دائماً للفوضى والدمار، لكنه ظهر أحياناً أخرى بوصفه أداة حماية معكوسة، كما في صورة ميدوزا أو كالي.
القبح بين اللغة والمعنى
في العربية، استُخدم القبح أحياناً بمعنى أوسع؛ أي إزالة الحُسن عن شيء كان حسناً. وهنا يبرز سؤال لغوي وفلسفي في آن واحد: هل تنطبق هذه المفردة على الأشياء وحدها، أم يمكن أن تنطبق أيضاً على الكلمات والنصوص؟
فهل تدل كلمة “قبح” في أصلها على شيء أُزيل عنه جماله، أم أنها مجرد أداة لغوية للإفصاح عن معنى داخلي؟ ثم هل وجودها داخل نص ما يشير إلى قبح النص نفسه، أم إلى المعنى الذي يريد النص كشفه؟ إنّ هذه الأسئلة تجعل القبح مفهوماً مفتوحاً، لا ينحصر في الشكل، ولا يستقر في تعريف واحد.
حين تنبع الفوضى من الجمال
من الفوضى ينبع الجمال أيضاً. فالإنسان مبرمج، على مستوى الغريزة، على كشف مواضع القبح حتى في أكثر الأشياء جمالاً. ومع ذلك، لا يلغي هذا الأمر احتمال وجود جمال نابض داخل القبح، لكنه جمال لم تدركه العيون بعد، أو لم تجرؤ على التحديق فيه بما يكفي.
كما أنّ النظر إلى الجمال يختلف من عين إلى أخرى، مثلما تختلف مواضعه في الأشياء. فما يراه إنسان قبيحاً قد يراه آخر جميلاً، وما يبدو مشوّهاً في نظر جماعة قد يظهر مكتملاً في نظر جماعة أخرى. ومن هنا، لا يظهر القبح بوصفه حقيقة مستقلة تماماً، بل يظهر بوصفه فعلاً إنسانياً خالصاً، لا يُرى إلا بعين الإنسان.
القبح والجمال في عين الإنسان
القبح فعل إنساني خالص، لأنّ الكائنات الأخرى لا تميّز بين القبيح والجميل بالطريقة التي يفعلها الإنسان. فهو وحده يمنح الأشياء أسماءها، ويضع لها مقاييسها، ثم يحاكمها وفق معادلات يصعب فهمها أو الدخول إلى أعماقها.
ومع ذلك، تظهر دائماً استثناءات في هذه القاعدة. فبعض الناس يؤمنون بأنّ القبح هو الجمال، بينما يرى آخرون أنّ الجمال نفسه قد يحمل وجهاً قبيحاً. ولذلك، لا يتحرك القبح والجمال في خطين متوازيين، بل يتداخلان داخل التجربة الإنسانية، ويكشف كل واحد منهما عن الآخر.
لوتريامون والعالم الجميل كالانتحار
يقودنا هذا المعنى إلى مقولة لوتريامون: العالم جميل كالانتحار، قبيح كالكون. ففي نظره، تختلف المفاهيم من بيئة إلى أخرى، ومن كائن بشري إلى آخر. ولذلك، لا يظهر الجمال أو القبح بوصفهما حقيقتين ثابتتين، بل يظهران بوصفهما تجربتين تتبدلان بتبدّل الوعي والبيئة والألم.
وبالعودة إلى لوتريامون، نراه يرى الميت أجمل، لأنه يتحرر من المسؤولية تجاه العالم. فأن تكون ميتاً يعني أن تُعفى من النهوض صباحاً، ومن دفع الضرائب، ومن سماع ما لا ترغب في سماعه، ومن الكلام أيضاً.
الموت كتحرر من صورة العالم
كانت حياة لوتريامون مثقلة بالتحديات مع الآخرين، بما في ذلك تلعثمه وسوء هيئته. ولذلك، قرر أن يتخلى عن صورته وصوته وعينيه، وعن كل ما يربطه بالعالم من مشاعر وأحاسيس.
وهكذا رأى أنه يصبح أجمل حين لا يسمع، ولا يرى، ولا ينطق بما يقوله الآخرون. فالجمال هنا لا يأتي من اكتمال الجسد أو صفاء الصورة، بل من الانفصال عن ثقل العالم، ومن النجاة من أحكامه القاسية.
القبح ظلّ الجمال لا نقيضه
القبح ليس نقيض الجمال، إنما هو الظل الذي يسمح للضوء بالظهور. فلو لم يوجد الظل، لما عرفنا معنى الضوء. ولو لم يظهر التشوه، لما أدركنا هشاشة الكمال. ولذلك، يقف القبح في عمق التجربة الجمالية، لا خارجها.
إنه بذرة الجمال، محتجزة وصامتة، لكنها حاضرة في كل مكان. إنها تنتظر من يجرؤ على النظر في أعماق الأشياء، لا في سطحها فقط. ومن هنا، لا يحتاج القبح إلى من يلغيه، بل يحتاج إلى من يفهمه، ويكشف ما يختبئ داخله من معنى.
أسئلة الأرض والخالق والقبح الأول
أليست الأرض مرآة خالقها؟
أليست هي ما يشكّل عمق صورته وتَصوّره؟
وإن كانت كذلك، ألم ينظر يوماً إلى بشاعة ما نحن فيه؟
في البدء، لم يكن الجمال إذن، ولا الله، بل كان القبح.

