صراع (دافوس وبريكس)، يؤكد المفكر الروسي الكسندر دوغين ويوافقه الرأي المفكر الامريكي جيفري ساكس ان ما يجري في المنطقة لا يمكن تناوله على انه حرب مباشرة ما بين ايران من جهة والولايات المتحدة واسرائيل من جهة اخرى، انما هو سلسلة حروب متتالية مرتبطة ببعضها البعض ضمن صراع اوسع بين القطبية الواحدة وولادة عالم متحدد الاقطاب تقوده منظمتي “بريكس، شنغهاي”، إذا اندلعت حرب واسعة بالمعنى الوجودي، فإن العالم لن يواجه مجرد صراع عسكري عابر، بل لحظة تاريخية فاصلة قد تعيد رسم موازين القوى وتُعيد تعريف شكل النظام الدولي. غير أن النتائج لا تُقاس باندلاع الحرب وحده، بل بمدتها، وحجم استنزافها، وقدرة الأطراف على تحويل الميدان العسكري إلى مكاسب سياسية. في هذا السياق، لا يبدو أن العالم يتجه نحو نظام مستقر جديد، بل نحو مرحلة انتقالية تتسم بقدر عالٍ من السيولة وعدم اليقين، حيث تتراجع قواعد ما بعد الحرب الباردة دون أن تتبلور بدائل راسخة.. اول التحولات المحتملة يطال بنية النظام الدولي نفسه. فمنذ عقود، حافظت فيها الولايات المتحدة على موقع القوة المهيمنة، إلا أن حرباً مكلفة وممتدة قد تسرّع تآكل هذا التفوق، وتفتح المجال أمام صعود قوى أخرى، في مقدمتها التنين الصيني الكبير اقتصادياً واستراتيجياً، والدب الروسي العملاق عسكرياً وجيوسياسياً، فضلا عن الاقتصاد المتقدم نحو العالمية في (جنوب افريقيا، الهند، البرازيل)، لكن هذا التحول لن يقود بالضرورة إلى نظام متعدد الأقطاب متوازن، بل إلى نمط أكثر تعقيداً يمكن وصفه بـ”تعددية فوضوية”، حيث تتداخل مراكز القوة دون وجود مرجعية ضابطة واضحة. في أوروبا تحديدا، سيتعرض حلف “الناتو” شمال الاطلسي لاختبار حقيقي على الارجح قياسا بالمتغيرات الاقليمية والدولية التي ستنتجها الحرب، فبدلاً من انهياره الكامل، وهو احتمال ضعيف، يبدو أن الحلف سيتجه نحو إعادة تعريف نفسه وفق المتغيرات وقوى التوازن، ستبرز خلافات داخلية حول كلفة الحرب وأولوياتها، وقد تميل دول رئيسية مثل الترويكا الاوربية خاصة ( فرنسا والمانيا) إلى تعزيز استقلالها الدفاعي تدريجياً، النتيجة المرجحة ليست تفكك الحلف، بل تحوله إلى إطار أكثر مرونة، يعمل بسرعات مختلفة وفق مصالح أعضائه، وعلاقته بالطاقة الروسية وخطوط الانتاج الصينية. أما في الشرق الأوسط، فإن الحرب قد تُسرّع ولادة نظام إقليمي جديد قائم على توازن قوى واضح. من جهة، قد تعزز فيها ايران موقعها إذا نجحت في الصمود وفرض كلفة عالية على خصومها، ما يمنحها نفوذاً أوسع ضمن محور إقليمي متماسك وصورة مستقبلية عن حليف منتصر ومقتدر في المقابل، قد تتجه دول مثل إلى مثل السعودية ومصر والامارات الى بناء تكتل براغماتي يوازن هذا النفوذ، مع دور متغير وطامح لتركيا كقوة اقليمية تستفيد من التجربة وتبني عبرها تحالفات اقتصادية وسياسية متينة كقوة موازنة. ومع تراجع الانخراط الأمريكي المباشر، قد تجد قوى خارجية مثل الصين راعية ومؤسسة مبدأ عالم متعدد الاقطاب لا يصادر حقوق الشركاء ويضمن عدم التمدد القسري عمّا هو اضعف فرصة او عدة فرص لتوسيع حضورها كفاعل اقتصادي وضامن للاستقرار. في الداخل الأمريكي، لن تمر الحرب دون تداعيات عميقة. فمن المرجح أن يتصاعد الانقسام بين التيارات السياسية، خاصة بين من يدعون إلى تقليص الانخراط الخارجي ومن يرون ضرورة الحفاظ على الدور القيادي العالمي. كما قد تتفاقم الضغوط الاقتصادية نتيجة كلفة الحرب، ما يفرض إعادة تقييم شاملة لأولويات السياسة الخارجية. في هذا الإطار، قد تنتقل فيه الولايات المتحدة الى خيارات مرة لا مناص عن اعتناقها تدريجياً من دور “شرطي العالم” إلى نموذج أكثر انتقائية في إدارة الأزمات، حفاظا على تماسك المجتمع الامريكي الذي اصبح يرى ان اسرائيل قوة قرار مؤثرة على واشنطن قادتها لحرب لا طائل منها، اضف الى ذلك سيكون هناك نوعا من الانكفاء الداخلي على السياسة الامريكية لرأب الصدع الذي ثلم الحربين الحاكمين وخلق بينهما صراع ارادات وهوية. العلاقة بما فيها التحالف ووحدة القرار والمصير بين واشنطن وتل ابيب بدورها مرشحة لإعادة صياغة برغماتية واعادة تقييم الموقف، فمن غير المتوقع أن تنهار هذه العلاقة، لكنها قد تفقد طابعها المطلق. فكلما ارتفعت كلفة الدعم، سيزداد الجدل داخل الولايات المتحدة حول حدود هذا الالتزام، ما قد يحول التحالف إلى شراكة أكثر حذراً، تخضع لحسابات المصالح المباشرة لا للاعتبارات التقليدية فحسب. بالتوازي مع هذه المتغيرات وفق احتمالية الاستنزاف، قد تدفع هذه التحولات نحو تسويات في ساحات صراع أخرى، وعلى رأسها الحرب الدائرة بين روسيا واوكرانيا التي اعتبر الاتحاد الاوربي ان الادارة الامريكية دفعت بهذه الحرب الاستنزافية دون مراعاة مصالح الحلفاء الاوربيون، فالإرهاق الدولي قد يفتح الباب أمام حل يقوم على تجميد النزاع، حيث تحتفظ.
موسكو ببعض مكاسبها، مقابل ضمانات لأوكرانيا واستقرار نسبي في أوروبا. مثل هذا السيناريو لا يمثل انتصاراً حاسماً لأي طرف، بل تسوية وسطية تضع حداً للنزيف، مع احتمالية قبول الشرط الروسي لاعادة روسيا كمصنع طاقة يغذي غرب اوربا. في آسيا، يظل ملف تايوان الجدلي أحد أكثر القضايا حساسية. فمصير الجزيرة سيتأثر بدرجة انشغال الولايات المتحدة في جبهات أخرى، وربما سيكون سيناريو التنازل عن تايوان حاضرا من اجل مكاسب امريكية وتوافقات مصلحية تحفظ لواشنطن مكانتها، وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الوضع القائم، حيث لا إعلان استقلال رسمي ولا تحرك صيني حاسم للضم من قبل الصين مع تصاعد الضغوط المتبادلة دون الوصول إلى مواجهة شاملة. في المحصلة، لا تشير هذه المسارات إلى ولادة نظام عالمي مستقر، بل إلى مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات متعددة. فالعالم يتجه، على الأرجح، نحو نموذج تتراجع فيه الهيمنة المنفردة دون أن تُستبدل بتوازن واضح، وتتصاعد فيه أدوار القوى الإقليمية، بينما تصبح التحالفات أكثر .
