يمكن رسم مشهد مستقبلي متخيل وفق مصالح واشنطن وتل ابيب تجاه طهران، فكل منهما له مسعى خاص يتعلق بمصالحه الدولية او الاقليمية، رغم الاتفاق الاستراتيجي بينهما تجاه طهران كمهدد لهذا التحالف واختلاف الآليات بين (الاحتواء – التركيع – اسقاط النظام).. يمكن فهم السيناريوهات الامريكية تجاه طهران التي يراها البيت الابيض كعقدة استراتيجية في قلب التحالف الاوراسي القادم الذي يصب في صالح القوة الصاعدة مثل الصين، بينما يفكر زعماء الكيان الاسرائيلي في مستقبل الجمهورية الاسلامية بحالة تفكيكية تشبه حالة يوغسلافيا وسيناريو التقسيم الى عدة كونفدراليات لا مركزية تكون اشبه بدويلات مبنيّة على اساس الاطياف والاعراق. بما يعني، لا يمكن فهم السلوك الأمريكي تجاه المعارضة الإيرانية بوصفه موقفًا أخلاقيًا أو تعبيرًا عن دعمٍ ديمقراطي مجرد، بل يجب مقاربته ضمن إطار الواقعية السياسية وإدارة المخاطر في النظام الدولي. فالولايات المتحدة، بوصفها قوة عظمى، لا تدعم “المعارضة” كفكرة، وإنما تبحث عن بديل سياسي قابل للإدارة، يمكن أن يخدم مصالحها الاستراتيجية ويحدّ من كلفة التحولات غير المنضبطة – على حسب تعريفها للمصالح -.
ضمن هذا السياق، يبرز رضا بهلوي كخيار مفضل في الحسابات الأمريكية، ليس لاعتبارات شعبوية أو تاريخية فحسب، بل لأسباب بنيوية عميقة تتعلق بطبيعة الدولة الإيرانية، وموقعها الجيوسياسي، وتجربة واشنطن التاريخية مع الثورات. ومن هذا السياق يمكن استنتاج عدة اعتبارات في إحتضان وتفضيل بهلوي دونا عن غيره.
الاعتبار الاول: منطق البديل القابل للإدارة في الاستراتيجية الأمريكية تقوم السياسة الأمريكية تجاه الأنظمة المعادية -على حد وصفها-، على مبدأ مفاده “أن أخطر ما يمكن أن ينتج عن إسقاط نظام معادٍ هو ظهور بديل غير متوقع أو غير قابل للضبط”.
ومن هنا، لا تنظر واشنطن إلى المعارضة الإيرانية بوصفها كتلة واحدة، بل كطيف واسع متفاوت في درجة الخطورة. رضا بهلوي يمثل في هذا الإطار المفاهيمي للسياسة الخارجية الامريكية أُنموذجًا “آمنًا نسبيًا”؛ فهو لا يحمل أيديولوجيا ثورية، ولا يتبنى خطابًا عدائيًا بنيويًا تجاه الغرب، كما أنه لا يطرح مشروعًا راديكاليًا لإعادة صياغة الإقليم. هذا ما يجعله، في المنظور الأمريكي، بديلًا يمكن احتواؤه سياسيًا والتنبؤ بسلوكه، بخلاف قوى معارضة أخرى قد تتحول، بعد وصولها إلى السلطة، إلى خصم جديد أكثر تعقيدًا، على سبيل المثال حركة رجوي وميولها اليسارية فكريا.
الاعتبار الثاني: أزمة المعارضة الإيرانية وتفضيل الرمز على التنظيم تعاني المعارضة الإيرانية من انقسامات حادة على أسس أيديولوجية وإثنية وتنظيمية، ما يجعلها عاجزة عن إنتاج قيادة موحدة أو مشروع وطني جامع. بعض هذه القوى مرتبط بإرث دموي أو بممارسات إقصائية، فيما يرتبط بعضها الآخر بخطابات يسارية أو قومية قد تصطدم مستقبلًا بالمصالح الغربية. في هذا السياق، تفضّل الولايات المتحدة دعم “الرمز السياسي” بدل التنظيم الثوري.. رضا بهلوي لا يمتلك ميليشيا ولا جناحًا مسلحًا، ولا يسعى إلى إسقاط الدولة بل إلى إعادة تشكيل نظام الحكم. هذا الخيار يقلل من احتمالات الانزلاق إلى الفوضى أو الحرب الأهلية، ويُبقي مؤسسات الدولة الإيرانية قائمة، وهو هدف استراتيجي أمريكي ثابت في مقاربتها لدول الإقليم الكبرى، ويبدو من خطابات بهلوي الاخيرة خلال السنوات القليلة الماضية أنه بدأ بخطابات قومية للامة الفارسية في محاولة منه الى استيعاب المجتمع الايراني باطيافه كافه، ذات الخطاب وُلد بعد حرب ال12 يوما على لسان المرشد الاعلى للثورة الاسلامية والماكنات السياسية والاعلامية الايرانية.
الاعتبار الثالث: الذاكرة الاستراتيجية الأمريكية وعقدة الثورة الإيرانية ما زالت ثورة 1979 ” الثورة الاسلامية في ايران” تشكّل جرحًا مفتوحًا في الوعي الاستراتيجي الأمريكي. فقد دعمت واشنطن، بشكل مباشر أو غير مباشر، قوى معارضة للشاه، لتجد نفسها لاحقًا أمام نظام معادٍ أعاد تعريف التوازن الإقليمي لعقود، وخرج عن حسابات الفاعلين ومهندسي السياسة الدولية في البيت الابيض.. من هنا، نشأت حساسية مفرطة تجاه دعم أي قوى معارضة غير مضمونة التوجهات. رضا بهلوي يُنظر إليه باعتباره “الخطأ القابل للتصحيح”، أي إمكانية إعادة إنتاج علاقة استراتيجية مع إيران، ولكن ضمن نموذج أكثر انفتاحًا وأقل استبدادًا من تجربة الشاه، ودون الوقوع في فخ الثورة الاسلامية التي تعدها وشنطن راديكالية شرقية.
الاعتبار الرابع: إدارة الاستقرار الإقليمي لا تفكيكه
لا تسعى الولايات المتحدة إلى انهيار شامل في إيران، لأن ذلك قد يؤدي إلى تفكك جغرافي أو صراعات إثنية ومذهبية تمتد آثارها إلى الخليج وآسيا الوسطى وشرق المتوسط. كما أن الفوضى في إيران ستفتح المجال أمام تدخل أعمق لروسيا والصين، وهو ما يتناقض مع المصالح الأمريكية بعيدة المدى.. ضمن هذا الإطار، يُنظر إلى رضا بهلوي كخيار يسمح بانتقال سياسي “ناعم” نسبيًا، يحافظ على توازنات الإقليم ويعيد دمج إيران في النظام الدولي دون صدمات كبرى. فالمطلوب أمريكيًا – في اكثر الاروقة السياسية لا كلها- ليس تغيير هوية إيران، بل تعديل سلوكها الاستراتيجي.
الاعتبار الخامس: قابلية التسويق الدولي والشرعية العابرة للحدود أي مشروع تغيير في إيران يحتاج إلى غطاء دولي واسع، لا يقتصر على واشنطن وحدها. رضا بهلوي يتمتع بدرجة من القبول الأوروبي، ولا يثير حساسية مفرطة لدى قوى دولية كبرى مقارنة بغيره من أطراف المعارضة، كما أن رمزيته التاريخية تمنحه حضورًا في الذاكرة السياسية الإيرانية، سواء لدى المؤيدين أو الخصوم، ما يجعله شخصية قابلة للتسويق كحل انتقالي وليس كحاكم دائم.. إن تفضيل الولايات المتحدة لرضا بهلوي لا يعكس إيمانًا مطلقًا بمشروعه، بقدر ما يعكس منطقًا استراتيجيًا يقوم على تقليل المخاطر وتعظيم القدرة على الضبط، فهو بالنسبة لواشنطن ليس “منقذ إيران”، بل أداة محتملة لإدارة مرحلة انتقالية.
