شعر الأهزوجة سلاح مقاوم

شعر الأهزوجة سلاح مقاوم
لا توجد رسالة سماوية إلا وللكلمة فيها وقعاً لا يقل أهميةً عن وقع السلاح الماضي في السعي لترسيخ قيم الخير سلميا، أو للمنافحة عن الروح والأهل والعرض والوطن.....

لا توجد رسالة سماوية إلا وللكلمة فيها وقعاً لا يقل أهميةً عن وقع السلاح الماضي في السعي لترسيخ قيم الخير سلميا، أو للمنافحة عن الروح والأهل والعرض والوطن؛ من أجل صالح الإنسان، وترميم علاقته بالله تعالى وبعباده. ولقد فهمتْ الأممُ هذه المعادلة، فأوْلَتْ للكلمة اهتماماً منقطعاً، ولاسيما بعد أن حصدت نتائج حراكها من خلال تجاربها انتصاراً لحقٍ أو نصرةً لعدلٍ، أو رداً لظلمٍ.

وما كانت أمة العرب في جاهليتها غافلة عن هذا الأمر، فلقد أدركت أن ولادة شاعر في القبيلة تعني ولادة لسان منافح بالكلمة عن مجدها، إذ “كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصُنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان؛ لأنه حماية لأعراضهم، وذبٌّ عن أحسابهم، وتخليدٌ لمآثرهم، وإشادةٌ بذكرهم، وكانوا لا يهنئون إلا بغلامٍ يولد، أو شاعرٍ ينبغُ فيهم، أو فرسٍ تنتج”. (ابن رشيق (ت: ٤٦٣هـ)، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ج1/ص65.) تلك هي الرؤية التي أقرها وروج لها جلال الدين السيوطي في كتابه “المزهر في علوم اللغة والأدب”، وجرجي زيدان في كتابه “تاريخ آداب اللغة العربية”، وأحمد عناني اسكندري في كتابه “الوسيط في الأدب العربي وتاريخه”، وأحمد حسن الزيات في كتابه “تاريخ الأدب العربي”، وشوقي ضيف في كتابه “تاريخ الأدب العربي – في العصر الجاهلي”، والدكتور علي الجندي في كتابه “في تاريخ الشعر الجاهلي” وغيرهم. وهي الحقيقة التي أثبتت بنفسها أحقيتها الحياتية عبر التطبيق العملي تاريخيا.

منذ بدايات القرن العشرين ورث العراقيون هذا المنهج، وتعاملوا معه كموروث كان قد أزاحه التطور الحياتي، يوم تخلى آباؤهم عن قبائليتهم لصالح تحضرهم، فتحولوا إلى الفردانية التي يسعى الشاعر من خلالها لتحقيق المكاسب الشخصية وإثبات الذات، فتحول لسان الشاعر إلى أداة تكسب وربح، أكثر منه سلاحا للدفاع عن قضية.

مع تنامي الوعي المجتمعي من جهة، ودخول المستعمر، مدعوما بكل ممارسات الكولونيالية الحديثة؛ التي تخلت عن مناهجها القديمة، لتفرض الديكولونيالية على الشعوب المُسْتَعمَرة، وهي المحاولة التي كانت تسعى من ورائها إلى إنجاز فضاءات أفقية للتبادل المعرفي مع السكان المحليين من خلال الإبداع الجمالي، ولكن لا من أجل الجمال كمفهوم سيميائي بحد ذاته، وإنما لإعادة توظيف المنظومة الجيوسياسية لتدعم وجوده من خلال مصادرة روح التحدي عند الأمة، حينها أدرك الشعراء مقدار الضغط المسلط عليهم، فاستنهضوا قيم الموروث ليعيدوا للشعر وهجه المضيء، ليمارس دوره في استنهاض الهمم ومقارعة المحتل، فكانت لهم صولاتهم التي افشلت مساعيه، وهذا انتصار يسجل للكلمة وروادها.

وحينما شبت نار ثورة العشرين (1920) ضد المستعمر الإنكليزي، هب العراقيون تحت قيادة مرجعيتهم الدينية ليتصدوا للمحتل دفاعا عن بيضة الإسلام والوطن، فبرز في المدن المقدسة ومدن الفرات الأوسط شعراء أعلام استنهضوا همم الأمة لتمارس دورها الشرعي والوطني ضد المحتل، وكان من بين أبرز شعراء الثورة في كربلاء المقدسة: محمد حسن أبو المحاسن، وعبد المهدي الحافظ، وعبد الحسين الحويزي، وغيرهم (الكرباسي، موسى إبراهيم، البيوتات الأدبية في كربلاء، ص18.) كذلك الشاعر الفيلسوف وأستاذ الحاضرة العلمية في النجف الأشرف محمد جواد بن علي بن كاظم الجزائري (6 شباط/فبراير 1881 – 23 نيسان/أبريل 1959) الذي نظم الشعر للثورة (يعقوب، إميل، معجم الشعراء منذ بدء عصر النهضة ج3/ص 1017.) وفي بغداد حاضرة الدنيا كان الأديب الشاعر محمد مهدي البصير أحد أبرز شعراء الثورة، ولهذا أطلقت عليه الجماهير اسم “ميرابو الثورة” تشبيها له بالثائر الفرنسي الكونت دي ميرابو (9 مارس 1749 – 2 أبريل 1791).

فضلا عن ذلك تطوع شعراء آخرون لنظم الأهازيج الشعبية الحماسية والعقائدية التي تركت أثرا واضحا على مسار الأحداث، فخلدها التاريخ إلى اليوم. فحينما أغارت طائرات الاستعمار الإنكليزي في معارك الشامية، ثم ألقت منشورات تدعو الأهالي للاستسلام وتتوعد المخالف، هزج الشيخ مرزوك العواد من عشيرة العوايد بأهزوجة: “يا لترعد بالجو هز غيري” وهو تحد كبير أثبت أن الثوار لا ترعبهم طائرات الأعداء. وفي معركة الرارنجية تسلل أحد الفلاحين الثوار إلى مكان الطوب (المدفع) الإنكليزي الذي كان يقصف المنطقة عند قنطرة الرارنجية، فهزج: “الطوب أحسن لو مكواري”، والمكوار سلاح يدوي عبارة عن عصا برأسها قار ومسامير أو قطع حديد، وتمكن من قتل من كان على المدفع وغنم المدفع. وحينما سألت الشاعرة فطيمة من عشيرة الظوالم أخاها الثائر عن أبنها المشارك بالثورة، موه لها في القول ليخبرها بأن ولدها أستشهد، فقال: “لا جن هزيتي أولوليتي”، أي كأنك لم تهزيه ولم تناغيه لينام، فما كان منها إلا أن ترتجل أهزوجة: “هزيت ولوليت الهذا”. بمعنى أني ربيته واطعمته ليموت من أجل الوطن والكرامة. أما المرأة التي شاهدت ابنها مرميا على الأرض مقتولا، فقالت مفتخرة: “كل جابت خابت بس آنه”.

ولاحترام الشعراء والوجهاء لفروض دين الإسلام التي توجب التصدي للمحتل، هزج الشيخ شعلان أبو الجون بعدما هاجم القوات الانكليزية في الرميثة: “حل فرض الخامس كوموا له”، يقصد حلَّ ووجبَ فرض الجهاد فقوموا له. ومثله هرج الشيخ عبد الواحد الحاج سكر: “تندار الدنيا وهذا آنه”، ليثبت صلابته أمام المحتل. أما السيدة عفته بنت صويلح من عشيرة الأزيرج فكان العدو قد أسر ولدها الثائر، ومروا به من أمامها، وعندما شاهدته خشيت أن يناله الجبن أو يشعر بالانكسار، فهزجت: “بس لا يتعذر موش آنه”، فأراد ان يُقر عينها ويبين لها صموده وحفاظه على كرامته، فرد عليها بأهزوجة: “خلوني بحلكه، وكلت آنه” أي قُرِّي عينا يا أمي فقد وضعوني في فم الموت ولم أنكر. وحينما زار القائد البريطاني إحدى العشائر الثائرة بعد الثورة، واستغرب لأن كلابهم كانت سمينة وبصحة جيدة، أجابه شاعرها: “من ذوله تربَّع واوينه”، وأشار إليه، أي من لحوم جنودكم التي افترستها.

إن الرجز والأهزوجة ليس بالفن المبتكر الحديث، فهو من مواريث الأمة، ومع أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان بشاعرٍ، وما كان ينبغي له أن يكون شاعراً، تبعا لقوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين} (يس: 69 – 70)، إلا أن هناك في الروايات أنه (صلى الله عليه وآله) كان ينقل التراب يوم الخندق حتى أغبر بطنه، وهو يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا                          ولا تصمنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا                                وثبت الأقدام إن لاقينا

والمشركون قد بغوا علينا                         إذا أرادوا فتنة أبينا

فضلا عن ذلك، رجز المسلمون الأوائل في وقعات كثيرة، منها رجز أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):

أَنا الَّذي سَمَتني أُمي حَيدَرَة                                ضِرغامُ آجامٍ وَلَيثُ قَسوَرَة

عَبلُ الذِراعَينِ شَديدُ القِصَرَة                              كَلَيثِ غاباتٍ كَريهِ المَنظَرَة

ورجز عمر بن الحمام يوم بدر قبل استشهاده:

ركضاً إلى الله بغير زاد                             والصبر في الله على الجهاد

وكلّ زاد عرضة النفاد                              إلّا التقى وعمل المعاد

غير التقي والبرّ والرشاد

أما نحن فما كان بأيدينا يوم حلت بنا المصيبة سوى أن نصدع على أسطح بيوتنا نهتف من عمق القلوب المكلومة: الله أكبر… الله أكبر، منذ نيسان 1980 إلى أن سقط الصنم. وهكذا يبقى الشاعر الملتزم لسان صدق، وتبقى النفوس الأبية ثابتة على عقيدتها لا تزحزحها طارقات الزمان، فالحياة مجرد أهزوجة.

2 Responses

  1. سلام عليكم
    وفقكم الله وبارك سعيكم وأنجح مقاصدكم ويسر لكم مهمة نشر المعرفة من أجل مستقبل إنساني أفضل بعيدا عن العنصرية والجبروت والطغيان
    تقبلوا شكري وتقديري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *