تمهيد
هذا ليس مجرد احتفاء بكتاب، وإنما هو محاولة علمية لتفكيك مضمون كتاب تخصصي أكاديمي يسعى لربط الماضي بالحاضر من خلال اللغة المحكية (العامية) لمعرفة كيف تستطيع اللغة أن تحفظ ذاكرة المجتمع عبر آلاف السنين. ومع أنه لا يصح أن نقول إن كل لفظ بقي أربعة آلاف عام بالصورة نفسها، لأن التغير الصوتي والدلالي قانون من قوانين اللغات، إلا أن بقاء ألفاظ بعينها في بيئة عراقية متصلة جغرافيا وثقافيا بالعراق القديم مهد الحضارات يمكن أن يكون دليلا مهما على استمرار عناصر من الموروث اللغوي الرافديني حية، وانتقالها عبر الأجيال بفعل رسوخها في الذاكرة الجمعية العراقية. وهذه النقطة، في رأيي، تستدعي انتباها علميا خاصا لأننا لا نتعامل هنا مع ألفاظ محفوظة في ألواح طينية أو نقوش أثرية فحسب، وإنما نتعامل مع كلمات ما زالت حية تتردد على ألسنة العراقيين، يتداولونها في حياتهم اليومية دون أن يكونوا بالضرورة على وعي بجذورها التاريخية السحيقة.
والأكثر إثارة للانتباه أن بعض هذه المفردات لا يبدو محصورا في منطقة جغرافية عراقية بعينها، إذ نجده لا زال متداولا باللفظ نفسه أو بما يقاربه في جنوب العراق وشماله وشرقه وغربه ووسطه، الأمر الذي يفتح أمام الباحث سؤالا يتجاوز حدود التأصيل اللغوي للمفردة إلى البحث في طبيعة الذاكرة الثقافية المشتركة للعراقيين، وفي العناصر العميقة التي أسهمت في استمرار الإحساس بالانتماء إلى فضاء جغرافي وحضاري واحد، على الرغم مما عرفه العراق عبر تاريخه الطويل من تنوع ديني ومذهبي وقومي وسياسي وقبلي.
ومن هنا فإن دراسة هذه المفردات لا ينبغي أن تظل محصورة في علم اللغة وحده، ولا في الانثروبولوجيا وحدها، وإنما يمكن أن تمتد إلى التاريخ الاجتماعي ودراسة الذاكرة الجمعية لأن الكلمة حينما تعبر آلاف السنين وتظل حية في الاستعمال اليومي للمواطن البسيط، لا تكون مجرد وحدة لغوية، بقدر ما تصبح أثرا من آثار الإنسان الذي حملها وحافظ عليها لعشرات بل لمئات القرون. ولعل هذه هي المفارقة الجميلة التي يكشف عنها كتاب “الأصول السومرية والأكدية للألفاظ العامية في العراق” للدكتورين محمد فهد القيسي وسعد سلمان الشويلي. فهما بعملها الرائع هذا سعيا لاستعادة شيء من ذاكرة الإنسان العراقي عبر الزمن وتأصيله علميا لتبيان هذا الترابط.
مقدمة
من المتعارف عليه أن اللغة، أي لغة، هي ليست مجرد وسيلة أو واسطة للتخاطب بين البشر فحسب، وإنما هي واحدة من أكثر الوسائط الإنسانية قدرة على اختزان الذاكرة وحفظها عبر الزمن. فقد تسقط دول وتتغير أنظمة سياسية وتتبدل أنماط الحياة وتندثر أنماط من العمران، بينما تظل بعض الكلمات حية على ألسنة الناس، تنتقل من جيل إلى جيل دون أن يُدرك المتكلم المعاصر بالضرورة تاريخها السحيق، أو البيئة الحضارية التي أنجبتها، أو الطريقة التي انتقلت بواسطتها إليه.
ومن هنا تكتسب دراسة بعض ألفاظ اللغة المحكية في العراق بالذات بوصفه مهد الحضارات الإنسانية ومسقط رأس التاريخ أهمية تتجاوز حدود البحث اللغوي الضيق لأن اللهجة العراقية بما تحمله من مفردات وتراكيب وتعبيرات، تمثل سجلا حيا لطبقات متراكمة من تاريخ بلاد الرافدين. وقد أصبح هذا الموضوع أكثر أهمية مع صدور كتاب «الأصول السومرية والأكدية للألفاظ العامية في العراق» للأستاذ الدكتور سعد سلمان فهد الشويلي والأستاذ الدكتور محمد فهد القيسي، الصادر عن دار تموز ـ ديموزي للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق سنة 2025، في طبعته الأولى، في 160 صفحة.
ولا تنبع أهمية الكتاب من كونه جمع ألفاظا من اللغة العامية العراقية وبحث عن أصولها القديمة فحسب، وإنما تنبع من محاولته إعادة النظر في العلاقة بين اللغة المعاصرة والماضي الرافديني، والبحث عن بقايا لغوية يمكن أن تكون قد عبرت آلاف السنين لتصل إلى الاستعمال العراقي الحديث.
وتؤكد الأعمال السابقة لهذين الباحثين الأكاديميين ولغيرهم ممن سبقهم في الخوض في موضوع التأصيل اللغوي أن المجال مطروق من قبل، فقد سبق لهما نفسهما أن انجزا بحثا منشورا بعنوان “الأصول السومرية والأكدية لبعض الألفاظ العامية في العراق ـ حروف (أ، ب، ت)”، وقد أكد البحث أن اللغة واللهجات تمثلان أهم الموروثات الحضارية، وأن بلاد الرافدين احتلت موقعا رائدا في تاريخ الكتابة وتدوين اللغة، ([1]) لكن لهذا الكتابة خصوصية انماز بها وهي قربه من السهل الممتنع الذي يجعله قريب الفهم من جميع شرائح المجتمع.
وعليه، يحاول بحثنا هذا قراءة الكتاب من زاوية أوسع، تتمثل في الكشف عن قيمته اللغوية والتاريخية والأنثروبولوجية، وبيان ما يمكن أن يضيفه إلى دراسة الشخصية الثقافية العراقية، مع الوقوف عند حدود الاستدلال الذي تسمح به المادة اللغوية، وعلاقته بالكتب التي سبقته وتناولت جانبا من الموضوع نفسه.
ارتباط الحضارة باللغة:
تاريخيا ارتبطت نشأة الحضارات ارتباطا وثيقا باللغة، لأن اللغة هي الأداة التي تمكن الإنسان من تحويل الخبرة الفردية إلى ذاكرة جماعية. وإذا كانت الكتابة قد جعلت هذه الذاكرة قابلة للحفظ والتداول، فإن اللغة المحكية أدت وظيفة أخرى لا تقل أهمية، هي نقل العناصر الثقافية من جيل إلى آخر حتى في المجتمعات التي لم تعد تستعمل الكتابة القديمة وتكاد لا تعرف عنها شيئا.
وهنا تظهر أهمية العراق بصورة خاصة، إذ شهدت بلاد الرافدين واحدة من أقدم التجارب الإنسانية في تدوين اللغة. ولاسيما بعد أن أصبحت الكتابة المسمارية وسيلة لتسجيل المعاملات الاقتصادية والدينية والإدارية والأدبية وغيرها، ووفرت للباحث الحديث مادة مباشرة لدراسة اللغات التي استعملها سكان العراق القديم. وقد كان فك رموز الكتابة المسمارية وقراءة النصوص السومرية والأكدية نقطة تحول أساسية في معرفة تاريخ العراق القديم؛ لأن هذه النصوص أتاحت الانتقال من الروايات الخارجية إلى المصادر العراقية القديمة نفسها.([2]) وتجدر الإشارة إلى أن فك رموز الكتابة المسمارية وإحياء قراءة النصين الأكدي والسومري لم يكن إنجازا لشخص واحد، إذ كان مسارا تراكميا شارك فيه عدة علماء غربيين على مدى عقود([3]) ومن أبرز من ساهموا في فك الرموز والقراءة، منهم:
ـ جورج فريدريش غروتفند: وهو الذي وضع اللبنة الأولى عام 1802م بفك رموز الخط المسماري الفارسي القديم المبسط عبر تحليل أسماء الملوك مثل داريوش وأكسركسس.([4])
ـ هنري راولنسون: ويُلقب بأب الخط المسماري، حيث نسخ نقش بيستون الشهير ثلاثي اللغة (فارسي، عيلامي، بابلي/أكدي) واستطاع فك رموز النص الأكدي/البابلي بين عامي 1835 و1851. ([5])
ـ إدوارد هينكس: عالم أيرلندي أثبت أن الخط المسماري الأكدي خط مقطعي وليس أبجديا مجردا، وله الفضل الأكبر في وضع قواعد قراءة الأكدية ([6])
ـ جول أوبير: أسهم مع هينكس وراولنسون في إثبات قراءة الأكدية رسميا عام 1857([7])، وهو من أطلق اسم “السومرية” على اللغة المكتوبة بالخط المسماري غير السامي بعد اكتشافه أن المسمارية خُلقت للغة أخرى سبقت الأكدية.([8])
ـ أولدريتش هوروزني ومجموعة من العلماء: شاركوا في أواخر القرن التاسع عشر في وضع المبادئ الأولى لقراءة اللغة السومرية وتفليق معانيها بعد حل لغز الأكدية واعتمادا على المعاجم ثنائية اللغة (سومري-أكدي)([9]).
وقد أفاد الباحثون العراقيون من هذه المادة ومواد أخرى سابقة ولاحقة في دراسة اللغة الأكدية وصلتها بالعربية وباللهجات العراقية، ومن أبرز الأعمال العربية في هذا المجال كتاب المرحوم الدكتور طه باقر “من تراثنا اللغوي القديم: ما يسمى في العربية بالدخيل”. ([10]) وتنبع أهمية طه باقر في هذا السياق من أنه لم ينظر إلى الألفاظ القديمة بوصفها مادة أثرية ميتة، وإنما التفت إلى استمرار عدد منها في العربية والاستعمالات الدارجة، ولاحظ أن بعض المفردات التي تعاملت معها بعض المعاجم باعتبارها مفردات أعجمية أو دخيلة يمكن أن يكون لها أصل أقدم في لغات العراق القديم. ([11]) ومن هنا يأتي كتاب القيسي والشويلي الذي بين أيدينا في سياق علمي له جذور عراقية واضحة، لكنه يدفع المسألة إلى مجال أكثر تحديدا، هو البحث في الأصول السومرية والأكدية لبعض ألفاظ العامية العراقية.
وتبدو المفارقة في موضوع هذا الكتاب واضحة على شكل سؤال محوري مفاده: كيف يمكن للغات تعد اليوم لغات قديمة أو ميتة كانت تستخدمها حضارات بائدة أن تترك أثرا في كلام الناس المعاصر؟ والجواب على هذا السؤال لا ينبغي أن يكون بسيطا لأنه يؤكد حقيقة قد تكون غائبة عن بال كثيرين وهي أن انقراض لغة ما من الاستعمال الرسمي أو الكتابي لا يعني بالضرورة زوال جميع عناصرها من البيئة التي كانت تتحدث بها. فقد تنتقل كلمات منها إلى لغة أخرى، أو تستمر بعض المفردات والأسماء والمصطلحات في الاستعمال الشعبي، أو تتحول ألفاظها صوتيا مع مرور الزمن.
وهذا ما يجعل دراسة العراق مختلفة في جانب مهم عن دراسة اللغات القديمة في مناطق أخرى؛ فالعراق الحديث يقوم جغرافيا فوق المجال الحضاري نفسه الذي شهد تطور السومرية والأكدية والبابلية والآشورية، مع تعاقب شعوب ولغات وأنظمة سياسية وثقافية عديدة. ومن ثم، فإن استمرار بعض المفردات بالتداول لا يعني بالضرورة أن المجتمع الحديث يتحدث السومرية أو الأكدية، وإنما يعني أن طبقات لغوية قديمة بقيت كامنة داخل لغة لاحقة. وهذه الفكرة تجعل العامية العراقية وثيقة ثقافية تستحق الدراسة، وليست مجرد انحراف عن الفصحى كما قد يتصور بعض الناس.
أهمية الكتاب:
تكمن القيمة الأساسية لكتاب الدكتورين الفاضلين في أنه نقل دراسة الألفاظ العامية من مجال الانطباع إلى مجال التأصيل المقارن، وذلك من خلال محاولتهما مقابلة اللفظ العراقي المعاصر بما يقابله في السومرية أو الأكدية. فضلا عن ذلك أكدت المادة المنشورة أن الغاية لم تكن مجرد تفسير بعض الكلمات الغريبة، بقدر ما كانت محاولة لمعرفة جذورها الأولى، وربط الموروث اللغوي بالموروث الحضاري العراقي القديم. وقد صرحت الجهة الجامعية التي قدمت الكتاب بأن المؤلفَين حاولا تأصيل بعض الألفاظ التي يصعب رد جذورها إلى اللغات المحكية في الوقت الحاضر، وربط ذلك بالموروث العراقي القديم.([12])
وهنا تكمن أهمية منهج الكتاب، فاللفظ لا يُدرس بمعزل عن البيئة التي ظهر فيها، وإنما تمت دراسته بوصفه أثرا ثقافيا يمكن أن يساعد ويسهم في فهم تاريخ المجتمع، وهذه جنبة مهمة. فضلا عن ذلك تزداد قيمة العمل أهمية حينما نرى أن المؤلفَين سبق لهما أن نشرا دراسة أكاديمية محكمة في الموضوع نفسه في مجلة واسط للعلوم الإنسانية، وهو ما يدل على أن الكتاب يمثل امتدادا لجهد بحثي سابق، وليس محاولة عابرة. ([13])
الأثر الحضاري للمفردة العراقية:
إذا كان الأثر المادي يحتاج إلى حفريات لكي يظهر، فإن الأثر اللغوي لا يحتاج إلى حفر الأرض لأنه يعيش في الذاكرة البشرية. فكلمة واحدة قد تحمل وراءها تاريخا طويلا من الاستعمال، وقد يكون المتكلم العراقي اليوم يستعمل كلمة في حياته اليومية دون أن يخطر بباله أن هذه الكلمة تمتلك جذرا ضاربا في أعماق التاريخ الرافديني. وهذه الخاصية الفريدة تمنح العامية العراقية قيمة أنثروبولوجية كبيرة تكاد لا تجد لها شبيها إلا ما ندر جدا. فالأنثروبولوجيا لا تدرس الإنسان من خلال البقايا المادية وحدها، وإنما تهتم أيضا بالعادات والتقاليد وأنماط التفكير وأنظمة القرابة والطقوس واللغة وغيرها من العناصر التي تكشف طريقة عيش الجماعات البشرية وتصوراتها عن العالم. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى المفردة العراقية مهما كانت بسيطة وكأنها قطعة أثرية غير مادية. فالإنسان يستطيع أن يرى إناء فخاريا عمره آلاف السنين في المتحف، لكنه قد لا ينتبه إلى أن كلمة يتداولها يوميا آلاف العراقيين يمكن أن تكون أقدم من ذلك الإناء نفسه في مسار انتقالها واستمرارها. وهذه واحدة من أهم الأفكار التي يفتح الكتاب الذي بين أيدينا الباب أمام دراستها، والتي آمل أن لا تمر دون متابعة ولاسيما من قبل المتخصصين. وأسأل هنا: هل أن هذا الاستمرار اللغوي مثلما رصده الباحثان يعني الجمود اللغوي، أم ماذا؟
وقبل الإجابة عن هذا السؤال ينبغي هنا تسجيل ملاحظة منهجية ضرورية، وهي إن القول باستمرار بعض الألفاظ من العصور السومرية والأكدية إلى الآن في العامية العراقية المحكية المعاصرة لا يعني أن اللغة بقيت ثابتة أربعة آلاف عام، فاللغات تتغير والأصوات تتبدل والدلالات تتوسع أو تضيق، والكلمات نفسها قد تدخلها تغييرات نتيجة الاحتكاك بلغات أخرى، ولاسيما في بلد مثل العراق كان مسرحا لعدة أقوام احتلوه من الفرس والأتراك والانكليز والأمريكان. لذلك فإن وجود تشابه بين لفظ قديم ولفظ عراقي معاصر لا يكفي وحده لإثبات الأصل التاريخي. وإنما تصبح المقارنة أكثر قوة عندما تجتمع عدة قرائن، منها على سبيل المثال لا الحصر:
- التشابه الصوتي المقبول وفق قوانين التطور اللغوي.
- التشابه الدلالي.
- وجود اللفظ في مصادر لغوية قديمة موثوقة.
- استمرار اللفظ في البيئة الجغرافية نفسها أو في بيئة متصلة بها.
- غياب تفسير أكثر احتمالا من لغات وسيطة.
- وجود ألفاظ أو مجموعة لغوية متقاربة تشكل ظاهرة وليست حالة منفردة.
ومن هنا فإن القيمة العلمية الحقيقية لكتاب القيسي والشويلي لا تتمثل في القول إن كل لفظ عراقي معاصر هو لفظ قديم، وإنما تتمثل في فتح باب الفحص العلمي للطبقات القديمة التي يمكن أن تكون قد بقيت في الاستعمال الشعبي، والتي هناك العديد من الدلائل على قدم أصلها.
التداخل في الأكدية والعربية واللهجات العراقية:
تمثل الأكدية موقعا مركزيا في هذه الدراسة؛ لأنها لغة سامية قديمة استعملت في العراق، وهي بذلك تدخل في نطاق المقارنة مع العربية من جهة القرابة اللغوية. وقد اهتم الباحثون العراقيون بدراسة الصلات بين الأكدية والعربية. ومن الأعمال المهمة في هذا المجال “المعجم الأكدي ـ معجم اللغة الأكدية البابلية ـ الآشورية باللغة العربية والحرف العربي” لعامر سليمان وآخرين، الصادر عن المجمع العلمي العراقي. ([14]) فضلا عن ذلك سبق للدكتور سعد سلمان الشويلي أن نشر بحثا بعنوان “ما بين العربية والأكدية تطابق في اللفظ والمعنى”، وهو بحث يكشف بوضوح أن موضوع المقارنة بين العربية والأكدية كان حاضرا في مشروعه العلمي قبل صدور الكتاب المشترك.([15])
ويُبرز هذا الاهتمام أمامنا أهمية التمييز بين مفهومين مهمين أساسيين:
الأول: هو مفهوم القرابة اللغوية، أي العلاقة التي تنشأ بين لغات تنتمي إلى أسرة لغوية واحدة. مثل الأسرة الأفروآسيوية (السامية – الحامية)، وتضم اللغة العربية والعبرية، الأمهرية والأكدية والآرامية واللغات الأمازيغية. والأسرة الهندوأوروبية، وتضم اللغة الإنجليزية والإسبانية والفارسية والكردية والهندية والروسية. والأسرة الصينو- تبتية (الصينية التبتية)، وتضم اللغة الصينية بمختلف لهجاتها كالماندرين والتبتية والبورمية.
والثاني: هو الاستمرار التاريخي للمفردة، وأقصد به بقاء لفظ بعينه أو أثر منه في لغة أو لهجة لاحقة. مثل: كُوَب / كُوبَا (Kuppu / Kūbu): في الأكدية/البابلية: لفظة تُطلق على الإناء الدائري أو الكأس المائي. وقد استرت في الاستمرار المعاصر في العامية العراقية والعربية بلفظ (كُوب) للدلالة على الإناء المخصص لشرب الماء والشوائب السائلة بنفس المعنى والتركيب الصوتي.
وكلمة إِشّاكُو / شَاكّانَاكُو (Iššakkum / Šakkanakku): في الأكدية/السومرية: تُطلق على الشخص الذي يتولى إدارة شؤون الأرض أو القرية والقيادة المحلية أو الشيخ أو المشرف الزراعي. والتي استمرت في الاستمرار المعاصر في اللهجة العراقية والخليجية بلفظ (شَيْخ / شَاكُوك) وفي كلمة (شَاكُوكِيَّة أو إِشّاك) المأخوذة في الموروث المائي والأراضي بنفس الدلالة الوظيفية للأشخاص المسؤولين عن تنظيم السقي والمزارع.
وكلمة مَاسُو / مَسَاحُ (Masû / Masāḫu): في الأكدية: الفعل الدال على قياس الأرض ورسم حدودها وتطهيرها. ونزلت في الاستمرار المعاصر إلى العربية والعامية في مصطلح (المَسَاحَة) والفعل (مَسَحَ) ومهنة (المَسَّاح) للذي يقيس الأراضي والدور بنفس المفهوم الحرفي القديم. فالاشتراك بين العربية والأكدية في بعض الألفاظ لا يعني بالضرورة أن العربية أخذتها من الأكدية أو أن الأكدية أخذتها من العربية، فقد يكون الاشتراك راجعا إلى أصل سامي أقدم. أما حينما نبحث في العامية العراقية تحديدا، فإن السؤال يصبح أكثر دقة: هل توجد ألفاظ محلية يمكن تفسير استمرارها بوجود طبقة رافدينية قديمة في المنطقة؟ وهذا هو السؤال بالذات هو الذي منح كتاب القيسي والشويلي أهميته، وقد حاولا الإجابة عنه من خلال الأمثلة الكثيرة التي أوردوها.
من هنا أرى أنه لا يمكن قراءة كتابهما هذا بمعزل عن التراث العلمي العراقي في دراسة اللغة القديمة. فقد سبقهما طه باقر إلى التنبيه إلى وجود مفردات من اللغات العراقية القديمة في الاستعمالات العربية الدارجة، وقد خصص في كتابه “من تراثنا اللغوي القديم” مساحة واسعة لدراسة هذه المسألة. ([16]) فضلا عن ذلك هنالك أعمال أخرى تدعم هذا المسار، ومنها دراسة جواد مطر الموسوي “من أسماء الأعلام الأكدية القديمة وعلاقتها بالعامية العراقية”، المنشورة في مجلة لارك سنة 2009، والتي قارنت عددا من الألفاظ والمصطلحات بما ورد في المصادر الأكدية، واستعانت بالمعجم الأكدي وبأعمال سامي سعيد الأحمد وبمعجم جلال الحنفي وغيرها.([17])
هذا يعني أن كتاب القيسي والشويلي ليس بداية البحث في الموضوع، ولكنه يمثل مرحلة جديدة في سلسلة من الجهود العراقية التي سعت وتسعى لإعادة اكتشاف العلاقة بين اللغة القديمة والاستعمال العراقي الحديث والمعاصر. وبرأيي أن تلك الاستمرارية العلمية مهمة جدا بحد ذاتها لأنها تدل على أن المسألة لم تعد مجرد ملاحظة شعبية، وإنما أصبحت موضوعا قابلا للبحث الأكاديمي.
العامية العراقية أرشيف الذاكرة الشعبية:
تنبع أهمية اللغة العامية العراقية من كونها لغة الحياة اليومية، وإذا ما كانت اللغة الفصحى قد حافظت على جانب مهم من الذاكرة المكتوبة، فإن اللهجة العراقية حافظت على تفاصيل الحياة التي لا تصل دائما إلى الكتب. فالكلمات التي تتصل بالطعام والزراعة والماء والبيئة والأدوات والعمل والأسرة والحيوان والنبات والمهن وغيرها، قد تكون أكثر قدرة على حفظ تفاصيل الحياة اليومية من النصوص الرسمية. ولهذا فإن دراسة المفردة الشعبية يمكن أن تساعد وتسهم في إعادة بناء جوانب من تاريخ المجتمع. وهنا يمكن الإفادة من معجم جلال الحنفي “معجم اللغة العامية البغدادية”، الذي يمثل واحدا من أهم الأعمال العراقية في تسجيل المفردات والتعبيرات الشعبية. وتثبت الفهارس العراقية أن المعجم صدر في أجزاء متعددة خلال عقود مختلفة، وأنه خصص لرصد اللغة العامية البغدادية ومعاني مفرداتها واستعمالاتها.([18]) وإذا اجتمع هذا النوع من المعاجم مع معاجم الأكدية والنصوص المسمارية، سيصبح بالإمكان بناء مشروع أوسع للمقارنة بين الماضي والحاضر. وهذا ما دعاني لأعد كتاب القيسي والشويلي هو حلقة وسطى بين النص المسماري القديم والمعجم التاريخي واللهجة العراقية الحديثة، وهذه الحلقة بالغة الأهمية لأنها تحاول الانتقال من المادة الأثرية إلى المادة الحية.
القيمة الأنثروبولوجية للكتاب:
إن كتاب القيسي والشويلي في جوهره كتاب لغوي، ولكنه يفتح الباب أمام أسئلة أنثروبولوجية واسعة، ويثير أسئلة غاية في الأهمية، ربما لم تطرح من قبل، وهو يحاول فك معضلة إذا ما بقيت بعض الألفاظ آلاف السنين، فلماذا بقيت، ومن حافظ عليها، وفي أي بيئة استمرت، وهل ارتبط استمرارها باستمرار نشاط اقتصادي أو اجتماعي معين، وهل الكلمات التي بقيت مرتبطة بالماء والزراعة مثلا تظهر بصورة أكبر في البيئات التي حافظت على نمط حياة مائي أو زراعي، وهل تختلف المفردات القديمة الباقية في بغداد عنها في واسط أو الجنوب أو مناطق الأهوار أو باقي الجغرافية العراقية، وهل تكشف دراسة المفردات عن طبقات اجتماعية أو مهنية احتفظت بمصطلحاتها القديمة أكثر من غيرها؟
وأنا في واقع الأمر حاولت من خلال طرح هذه الأسئلة نقل الموضوع من علم اللغة إلى الأنثروبولوجيا اللغوية، وإلى التاريخ الاجتماعي والثقافي. فمن خلال هذا الانتقال يمكن أن يتحول كتاب واحد إلى نواة لمشروع بحثي عراقي واسع ينال شهرة علمية وأكاديمية.
العراق مختبر التراكم اللغوي:
تجدر الإشارة هنا إلى أن خصوصية العراق التاريخية تجعله مجالا استثنائيا لدراسة التراكم اللغوي. فالمجتمع العراقي تشكل عبر طبقات حضارية متتابعة: هي السومرية والأكدية والبابلية والآشورية، ثم تشكل عبر مراحل لاحقة شهدت حضور الآرامية والفارسية والعربية والتركية وغيرها، وقد ترك هذا التاريخ الطويل آثارا بارزة في الثقافة واللغة العراقية. ولذلك يمكن النظر إلى اللهجة العراقية المعاصرة باعتبارها ناتجا تاريخيا لتفاعل طبقات متعددة، لا باعتبارها ظاهرة لغوية نشأت في العصر الحديث.
وهنا بالذات تتضح أهمية العنوان الذي اختاره المؤلفان لكتابهما القيم، فإضافة (في العراق) ليست تفصيلا جغرافيا عابرا، بقدر ما هي جوهر القضية، فالمكان هنا جزء من الدليل. وحينما نبحث عن أثر لغة قديمة في لهجة محلية حديثة، يصبح استمرار الجماعة البشرية في الإقليم نفسه عاملا يستحق الدراسة، وإن كان لا يكفي وحده لإثبات الأصل.
وفق هذه المعطيات أرى أن أهمية الكتاب تتجاوز حدود اللغة إلى سؤال الهوية. فحينما يكتشف العراقي المعاصر أن بعض الكلمات التي يستعملها في حياته اليومية يمكن أن تكون ذات جذور رافدينية قديمة تعود لآلاف السنين، فإنه في واقع الأمر يكتشف أن علاقته بالماضي ليست مجرد علاقة متحفية، فالماضي ليس آثارا محفوظة في المتاحف أو أطلالا في المدن القديمة فحسب أو لقى معمولة (أرتيفاكت)([19]) إذ قد يكون الماضي موجودا في كلمة يقولها الإنسان في البيت والسوق والعمل، ويرددها الناس آلاف المرات يوميا دون ان ينتبهو لمصدرها الغائر في عمق التاريخ. وهذا يمنح التراث معنى جديدا، فالتراث ليس ما بقي في الحجر فقط، وإنما هو ما بقي في الذاكرة أيضا.
من هنا يمكن القول إن الكتاب الذي بين أيدينا يسهم بصورة غير مباشرة في إعادة تعريف التراث العراقي، إذ نقله بمضمونه ومحتواه من مفهوم (الآثار القديمة) إلى مفهوم أوسع يشمل الاستمرار الثقافي واللغوي. وهذه نقطة ذات قيمة كبيرة في الدراسات المعاصرة للهوية، لأن الهوية لا تتكون من الماضي وحده، وإنما تكون غالبا من الطريقة التي يستمر بها الماضي فاعلا ومؤثرا داخل الحاضر.
حدود الكتاب وأهمية النقد العلمي:
إن الإعجاب الشديد بهذا العمل لا يمنع من ضرورة إخضاع نتائجه للنقد العلمي. وانا رغم بُعدي عن مجال تخصص الدكتورين، إلا أني أرى أن التشابه بين لفظين في لغتين مختلفتين قد يكون مصادفة، أو قد يكون نتيجة قرابة لغوية، أو قد يكون نتيجة اقتراض لغوي، أو قد يكون نتيجة تطور مستقل، لذا ينبغي ألا يكون التشابه الصوتي وحده معيارا للحكم. أقول هذا مع يقيني أن ذلك لم يحدث في هذا الكتاب بالذات بسبب غزارة المادة التي أثبتت التشابه، لكن ذلك لا يمنع أن تكون بعض تلك المفردات من هذا النوع.
فضلا عن ذلك أرى أنه ينبغي التفريق بين التشابه في اللفظ والتشابه في اللفظ والمعنى، والتشابه المصحوب بسلسلة تاريخية تثبت الانتقال، فهذه الدرجات ليست متساوية في القوة، ومن المفيد مستقبلا أن تتجه الدراسات اللاحقة إلى بناء قاعدة بيانات تجمع لكل لفظ يُدرس ويُناقش بعض المواد ذات العلاقة، مثل: اللفظ العراقي المعاصر، ومعناه الحالي، ومناطق استعماله، وأقدم شاهد عراقي عليه، ومقابله السومري أو الأكدي، والمعنى القديم، والتطور الصوتي المحتمل، والتطور الدلالي المحتمل، وأقدم مصدر لغوي، وأخيرا درجة قوة الصلة.
فبمثل هذا الاتجاه مع وجود قاعدة البيانات هذه ممكن أن يتحول البحث من جمع للمفردات إلى معجم تاريخي تطبيقي للهجة العراقية لا سابق له. فأنا على يقين أن هذا الكتاب هو في واقع الأمر مشروع واعد للمعجم التاريخي للعراق. وهذا المشروع الريادي ربما تكون أكبر قيمة مستقبلية له أن هذا الكتاب يمكن أن يكون النواة والخطوة الأولى في مشروع أوسع كثيرا. فالعراق يحتاج إلى مشروع علمي يجمع الطبقات اللغوية التي مرت به، ويرصد انتقال المفردات من مرحلة إلى أخرى، ويمكن أن يسمى هذا المشروع، مثلا: “المعجم التاريخي للمفردة العراقية”، ليضم المفردة القديمة، ومراحل تحولها، واستعمالها في النصوص العربية الوسيطة، ثم حضورها في المعاجم العراقية الحديثة، وصولا إلى استعمالها المعاصر.
وفي مثل هذا المشروع المستقبلي الواعد لن تكون العامية التي يأنف بعضهم عن استخدامها لغة هامشية، وإنما ستصبح مصدرا مهما لدراسة التاريخ الثقافي والاجتماعي العراقي، وربما تقلدنا الأمم الأخرى وتقتبس هذه الفكرة التي أسس لها كتاب القيسي والشويلي. إذ أثبتت التجربة العراقية السابقة أن الإمكان العلمي موجود فوجود المعجم الأكدي لعامر سليمان وآخرين، وكتاب طه باقر، وأعمال جلال الحنفي، فضلا عن الدراسات الحديثة للمؤلفين العرب والمستشرقين، وفرت مادة أولية مهمة لبناء مثل هذا المشروع. فالدكتور طه باقر، قدم كتابا مرجعيا تناول الجذور الأكدية والسومرية والآرامية للألفاظ المفردة والمصطلحات المستعملة في العربية والعامية. والدكتور عامر سليمان وشركاه قدموا معجما موسوعيا حصر المفردات الأكدية (البابلية والآشورية) وقابلها بمعانيها وجذورها في العربية. والشيخ جلال الحنفي البغدادي قدم موسوعة لغوية وفولكلورية ترصد مفردات اللهجة البغدادية وأصولها التاريخية القديمة. والدكتور سعد سلمان فهد الشويلي في بحثه المحكّم قدم دراسة مقارنة بين معجم اللفظ الأكدي والأصول العربية الفصيحة والدارجة. والدكتور جواد مطر الموسوي تتبع الأصول الأكدية لأسماء الأشخاص والأماكن والمظاهر الجغرافية المستعملة في اللهجات العراقية المعاصرة. الدكتور فوزي رشيد قدم دراسات متعددة في اللغتين السومرية والأكدية وأثرهما في الموروث اللغوي الشعبي. والدكتور علي ياسين الجبوري صاحب قاموس اللغة الأكدية – العربية له أبحاث مستفيضة في المقارنات اللغوية. والدكتور نائل حنون أسهم من خلال كتبه مثل شريعة حمورابي والمعجم المسماري ودراساته المقارنة في إضافات مهمة. والدكتورة بهيجة خليل إسماعيل قدمت أبحاثا في النصوص المسمارية والألفاظ الأكدية الممتدة. والأب رفائيل نخلة يسوع أفاد من خلال دراساته المبكرة عن الأصول الآرامية والأكدية لألفاظ العامية العراقية. والأستاذ علاء اللامي تحدث في كتابه عن اللغة العربية وعلاقتها باللغات الرافدينية القديمة. وللدكتور حكيم الهلالي أبحاث في أصول الألفاظ العامية وجذورها السامية القديمة.
فضلا عن ذلك أسهم الباحثون العرب في الكتابة ضمن هذا السياق، ومنهم: الدكتور خليل يحيى نامي من مصر، وهو من أوائل من كتبوا في الدراسات السامية والمقارنة بين الأكدية والعربية. والدكتور رمزي بعلبكي من لبنان في دراساته المقارنة للفصائل اللغوية السامية ونصوصها. والدكتور يوسف حتي من لبنان أيضا، فهو تناوَل أثر التجميع اللغوي الآرامي والأكدي في لهجات المشرق العربي. والدكتور سلطان المعاني من الأردن وله أبحاث في النقوش واللغات السامية القديمة وعلاقتها بالمعاجم العربية.
أما بالنسبة للمستشرقين الذين تُرجِمَت أعمالهم إلى العربية أو كتبوا بها، فمنهم: أوليفيو سارجنت وغوستاف خنزر اللذين ترجمت دراساتهم حول فقه اللغات الرافدينية. وإدوارد كييرا في كتابه المترجم “كتبوا على الطين” الذي ترجمه محمود حسين الأمين، والذي استعرض الاستمرارية الحضارية واللغوية. وس. ن. كرامر، فهو رغم تركيزه على السومريات إلا أن ترجمات طه باقر وأحمد سوسة لأعماله أبرزت التقاطعات اللغوية مع العربية. وكارل بروكلمان في موسوعته “فقـه اللغات السامية” التي ترجمها الدكتور رمضان عبد التواب، وهو العمدة في التناظر بين الأكدية والعربية. موسكاتي في كتابه “مدخل إلى نحو اللغات السامية المقارن” الذي ترجمه الدكتور مهدي المخزومي وآخرين. وقد جاء “الأصول السومرية والأكدية للألفاظ العامية في العراق” للباحثين الدكتور محمد فهد القيسي والدكتور سعد سلمان الشويلي ليضع حجرا ممهورا بنقوش سومرية بابلية أكدية في هذا الصرح البحثي التراثي، وليكون القوة المحركة للعمل على تطوير هذا المشروع الكبير.
من هنا أرى وكلي يقين أن أعمق ما يمكن أن نتعلمه من هذا الكتاب أن دراسة اللغة ليست دراسة للكلمات وحدها، فالإنسان هو الذي يحمل الكلمة، وإذا بقيت الكلمة كل هذه السنين فإن وراءها جماعة بشرية حملتها عبر الزمن. ومن هنا يصبح السؤال عن أصل الكلمة سؤالا عن الإنسان الذي حافظ عليها، وهذا يفسر العلاقة العميقة بين اللغة والأنثروبولوجيا، فمجرد كلمة متعلقة بالزراعة قد تخبرنا عن البيئة الزراعية، ومجرد كلمة واحدة متعلقة بالماء قد تكشف لنا عن أهمية الأنهار، وكلمة بسيطة مرتبطة بالحيوان قد تكشف عن نمط اقتصادي، وربما كلمة تتصل بطقس اجتماعي قد تحفظ لنا أثرا من معتقد قديم. وهكذا يمكن أن تتحول المفردات إلى وحدات صغيرة لإعادة بناء التاريخ الاجتماعي.
الكتاب وأهمية الدراسات البينية:
أقول بثقة، لا محاباة فيها: إن الموضوع الذي عالجه كتاب القيسي والشويلي لا ينبغي أن يبقى محصورا في قسم اللغة أو الآثار، فهو برأيي وقناعتي يحتاج إلى تعاون حقيقي بين علم اللغة التاريخي وعلم اللهجات وعلم الآثار والتاريخ القديم والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والدراسات الشعبية والفولكلورية وعلم المعاجم والدراسات المسمارية. وهذا التعاون بالذات هو الذي يستطيع أن يميز بين الاستمرار الحقيقي والمصادفة، وبين الاقتراض والقرابة، وبين التشابه الصوتي والتوارث التاريخي، ومن هنا فإن الكتاب قدم مادة صالحة لتأسيس مجال بحثي عراقي أكثر اتساعا وشمولا ونفعا.
وآخر ما أود قوله عن كتاب “الأصول السومرية والأكدية للألفاظ العامية في العراق” للأستاذ الدكتور سعد سلمان فهد الشويلي والأستاذ الدكتور محمد فهد القيسي أنه يمثل محاولة مهمة لإعادة وصل حاضر اللغة العراقية بماضيها الرافديني. وتكمن أهميته الأولى في أنه لفت الانتباه إلى حقيقة كثيرا ما غابت عن وعينا المعاصر، وهي أن الحضارات لا تختفي حينما تسقط دولها أو تتوقف لغاتها عن الاستعمال الرسمي، إذ قد تبقى بعض عناصرها في الذاكرة الاجتماعية، وقد تكون اللغة واحدة من أكثر هذه العناصر قدرة على البقاء.
فضلا عن ذلك أرى أن قيمة الكتاب لا تنحصر في إثبات أصل هذه الكلمة أو تلك، وإنما في تحويل العامية العراقية إلى مادة تستحق البحث التاريخي والأنثروبولوجي، فالكلمة العراقية المعاصرة قد تكون أحيانا أكثر من مجرد أداة للتخاطب، وهي ربما تكون شاهدا صغيرا على تاريخ طويل.
ومع ذلك أعود وأكرر القول إن المنهج العلمي يقتضي عدم تحويل كل تشابه لغوي نعثر عليه إلى دليل قطعي على الاستمرار، إذ لابد من الاستناد إلى القرائن الصوتية والدلالية والتاريخية والجغرافية ومقارنة الشواهد القديمة والوسيطة والحديثة قبل الجزم. ومن هنا يمكنني القول بثقة: إن الكتاب بهيئته ومنهجيته هذه لا يقدم خاتمة للبحث في هذا الموضوع، وإنما فتح بابا واسعا أمام ذوي الاختصاص والأكاديميين والدراسات العليا. ولعل القيمة الكبرى التي يمكن أن تترتب على هذا العمل الكبير والماتع والمفيد هي أنه من الممكن أن يدفع الباحثين العراقيين إلى مشروع أكبر، هو كتابة التاريخ اللغوي للمفردة العراقية، بحيث لا تدرس الكلمة باعتبارها وحدة لغوية فقط، وإنما تدرس باعتبارها أثرا من آثار الإنسان العراقي، يحمل في بنيته شيئا من البيئة والاقتصاد والعادات والذاكرة والحضارة. وحينها لا تعود العامية العراقية مجرد لغة يومية محلية فحسب، وإنما تصبح أرشيفا حيا للحضارة الرافدينية. وإذا ما كان علماء الآثار ينقبون في طبقات الأرض بحثا عن آثار الإنسان القديم، فإن علماء اللغة يستطيعون أن ينقبوا في طبقات الكلام بحثا عن آثاره، ولذلك يمكن النظر إلى تجربة المؤلفين بوصفها نوعا من التنقيب اللغوي في الذاكرة الرافدينية؛ تنقيب لا يستخرج تماثيل أو ألواحا طينية، وإنما يستخرج كلمات ما زالت تتحرك على ألسنة العراقيين، وهنا تحديدا تكمن دهشة هذا الكتاب وقيمته العلمية.
هذا وقد صدر الكتاب في دمشق عن دار تموزـ ديموزي للطباعة والنشر والتوزيع سنة 2025، في 160 صفحة، وأعتقد أنهما طورا بحثهما الموسوم “الأصول السومرية والأكدية لبعض الألفاظ العامية في العراق ـ حروف (أ، ب، ت)”، الذي سبق لهما أن نشراه في مجلة واسط للعلوم الإنسانية سنة 2022، ليؤلفا هذا الكتاب القيم. وهذه حسنة تحسب لهما، وتؤكد لي أن باستطاعتهما انجاز مشروع المعجم الذي تكلمنا عنه.
مصادر البحث
باقر، طه. (1980). من تراثنا اللغوي القديم: ما يسمى في العربية بالدخيل. المجمع العلمي العراقي.
باقر، طه. (2009). مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة (ج 1). دار الشؤون الثقافية العامة.
الحنفي البغدادي، جلال. (د.ت.). معجم اللغة العامية البغدادية. دار الشؤون الثقافية العامة / دار الحرية للطباعة.
رشيد، فوزي. (1989). اللغة السومرية: دراسة في القواعد والنصوص. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليكسو) – معهد البحوث والدراسات العربية.
سليمان، عامر. (1985). القراءة بالخط المسماري. دار الكتب للطباعة والنشر – جامعة الموصل.
سليمان، عامر، وآخرون. (1999). المعجم الأكدي: معجم اللغة الأكدية (البابلية – الآشورية) باللغة العربية والحرف العربي (ج 1). المجمع العلمي العراقي.
الشويلي، سعد سلمان فهد. (2013). ما بين العربية والأكدية تطابق في اللفظ والمعنى. مجلة القادسية للعلوم الإنسانية، مج 16، ع 4، ص 487–504.
القيسي، محمد فهد، وفهد، سعد سلمان. (2022). الأصول السومرية والأكدية لبعض الألفاظ العامية في العراق: حروف (أ، ب، ت). مجلة واسط للعلوم الإنسانية، مج 18، ع 4.
الموسوي، جواد مطر. (2009). من أسماء الأعلام الأكدية القديمة وعلاقتها بالعامية العراقية. مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الإجتماعية، مج 1، ع 1، ص 5–12.
موقع كلية الآداب – جامعة بغداد. (2025، 5 أغسطس). [الموقع الرسمي].
([1]) سعد سلمان فهد، محمد فهد القيسي، “الأصول السومرية والأكدية لبعض الألفاظ العامية في العراق: حروف (أ، ب، ت)”، مجلة واسط للعلوم الإنسانية، مج18، العدد 4، 2022.
([2]) ينظر: عامر سليمان وآخرون، المعجم الأكدي: معجم اللغة الأكدية (البابلية ـ الآشورية) باللغة العربية والحرف العربي، ج1، بغداد، المجمع العلمي العراقي، 1999.
([3]) ينظر: طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ج1، ص 73 – 82. ود. عامر سليمان، القراءة بالخط المسماري، دار الكتب للطباعة والنشر – جامعة الموصل، الموصل، 1895م /1405هـ، ص 25 – 39، إذ تناول في هذا الفصل تاريخ الاكتشافات والأبحاث الآثارية بالخط المسماري، مع شرح تفصيلي لمراحل فك رموز الخط المسماري ودور العلماء غروتفند، راولنسون، هينكس، وأوبير في التوصل إلى القراءة المقطعية للغتين الأكدية والسومرية.
([4]) طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ج1، ص 73 – 82)
([5]) طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ج1، ص 73 وما بعدها؛ د. عامر سليمان، القراءة بالخط المسماري، ص 25 وما بعدها.
([6]) د. عامر سليمان، القراءة بالخط المسماري، ص 25 – 39.
([8]) د. فوزي رشيد، اللغة السومرية (دراسة في القواعد والنصوص)، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليكسو) – معهد البحوث والدراسات العربية، بغداد، 1989م، ص 15 – 22.
([10]) طه باقر، من تراثنا اللغوي القديم: ما يسمى في العربية بالدخيل، بغداد، مطبوعات المجمع العلمي العراقي، 1980.
([11]) المصدر نفسه، ولا سيما ما يتصل بالألفاظ الأكدية والسومرية التي بقيت في العربية والاستعمالات الدارجة.
([12]) ينظر: خبر مساهمة تدريسي من كلية الآداب: إصدار كتاب جديد عن الأصول السومرية والأكدية للألفاظ العامية في العراق، الموقع الرسمي لكلية الآداب ـ جامعة بغداد، 5 آب 2025م. وللأسف الشديد لم تنشر جامعة واسط عبر موقعها الرسمي أو منصاتها خبرا رسميا مشابها يُغطي إصدار هذا الكتاب باسم الأستاذ الدكتور محمد فهد القيسي.
([13]) ينظر: سعد سلمان فهد، محمد فهد القيسي، «الأصول السومرية والأكدية لبعض الألفاظ العامية في العراق: حروف (أ، ب، ت)»، مجلة واسط للعلوم الإنسانية، مج18، ع4، 2022.
([14]) عامر سليمان وآخرون، المعجم الأكدي، المجمع العلمي العراقي، بغداد، 1999.
([15]) سعد سلمان فهد الشويلي، ما بين العربية والأكدية تطابق في اللفظ والمعنى، مجلة القادسية للعلوم الإنسانية، مج16، العدد4، 2013، ص487–504.
([16]) طه باقر، من تراثنا اللغوي القديم: ما يسمى في العربية بالدخيل، بغداد، المجمع العلمي العراقي، 1980.
([17]) ينظر: جواد مطر الموسوي، من أسماء الأعلام الأكدية القديمة وعلاقتها بالعامية العراقية، لارك، مج1، ع1، 2009، ص 5 ـ12.
([18]) جلال الحنفي البغدادي، معجم اللغة العامية البغدادية، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة/دار الحرية للطباعة.
([19]) أرتيفاكت: مصطلح شائع في الأوساط البحثية، ويُقصد به تحديدا القطع المصنوعة أو المعدلة بفضل اليد البشرية.


