البنية الخفية لفكرة الوصاية في حديث المنزلة

البنية الخفية لفكرة الوصاية في حديث المنزلة
يتناول النص البنية اللغوية والتداولية لحديث المنزلة، ولا سيما عبارة «أما ترضى»، بوصفها مؤشراً على استحضار منزلة سابقة لعلي، لا إنشاء منزلة جديدة، ويربط ذلك بتدرج الخطاب النبوي في بيان مكانته الدينية والقيادية...

إن القول المتداول المنسوب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله): “أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي” واحد من أكثر الأحاديث الإسلامية حضورا في الجدل الكلامي والفلسفي والسياسي بين المدارس الفقهية والتاريخية الإسلامية لا فقط لما يحمله من أبعاد تجاوزت البعد العاطفي، وتعدت البعد الفضائلي إلى فضاءات غاية في العمق، تتعلق أصلا بمفهوم السلطة والنيابة الشرعية والقرابة الروحية وبنية القيادة بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وإنما حتى من حيث الصياغة اللغوية التي أثر سياقها على مضمون الحديث بشكل كبير. ولهذا السبب ورد الحديث بصيغ متعددة أشهرها وأصحها وأكثرها قربا للواقع والحقيقة، قوله (صلى الله عليه وآله) لعلي بن أبي طالب (عليه السلام): “أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي”(1).

ولأن الحديث يرتبط بشخصيتين محوريتين مهمتين جدا في الوعي الديني هما الإمام علي (عليه السلام) والنبي موسى (عليه السلام)، فقد تَحوّل إلى نصّ تأسيسي في التفكير الإسلامي حول طبيعة العلاقة لا بين النبوة والولاية فقط، وإنما حتى بين الرسالة والإدارة، والقيادة الدينية والسياسية أيضا، وهي الأبعاد الرئيسة في النظام الإسلامي.

وبعيدا عن نغوص في العمق الفلسفي والدلالي للحديث مع أهمية ذلك، إلا أنه من الضرورة بمكان التوقف عند جملة (أما ترضى)، هذا القول الذي يُستشف منه تلقائيا أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان قد أخبر الإمام (عليه السلام) من قبل بهذه المنزلة، ثم كرر القول هنا وكأنه يعاتبه، أي أن القول ليس وليد ساعته وإنما جاء للتذكر، وهذا يؤكد أن أمر المنزلة كان تبليغا إلهيا بلَّغه النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) من قبل، ثم ذكره به في هذه الواقعة.

أي أني أريد الانتقال بداية من ظاهر النص إلى بنية خطاب النص نفسها، أي إلى الطريقة التي صيغ بها القول النبوي، لا إلى مضمون الحديث فقط. وهي زاوية قلّما تناولها الباحثون التقليديون. فقول النبي (صلى الله عليه وآله): “أما ترضى” لا يبدو ـ من الناحية اللغوية ـ إنشاءً أوليا لمعلومة جديدة لم يسبق قولها، بقدر ما يحمل إيحاءً مركزيا بالتذكير أو إعادة استحضار معنى سابق معلوم بين الطرفين. فكلمة (أما ترضى) تفترض وجود معرفة سابقة أو توقع نفسي سابق، وكأن النبي (صلى الله عليه وآله) أراد أن يقول لعلي: كيف تحزن أو تتأثر وأنت تعلم منزلتك عندي؟ وتعلم ما أخبرتك به عن الله تعالى بأنك وصيي مثلما هو هارون لموسى؟ من هنا يمكن بناء قراءة فلسفية تقوم على أن الحديث ليس مجرد إعلان لحظي مرتبط بغزوة تبوك مثلما أراد بعضهم ان يصوره، وإنما هو كشف متكرر عن موقع وجودي وروحي كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد مهّد له من قبل، وأكد عليه في هذه الواقعة.!

تجدر الإشارة إلى أن هذا التحليل ينسجم كليا مع طبيعة الخطاب النبوي في مواضع عديدة أخرى، حيث كان يعيد تأكيد بعض الحقائق المفصلية بصيغ مختلفة بحسب الظرف النفسي أو السياسي للشخص أو المجموعة أو المجتمع كله. بمعنى أن الخطاب هنا ليس خطاب تأسيس مثلما أرادوا له أن يبدو، وإنما هو خطاب تثبيت وترسيخ لحدث سابق معروف.

وهذا ما يؤكده البعد التداولي للنص، إذ يرى “جون أوستن” في نظريته الخاصة بأفعال الكلام أن اللغة لا تُستخدم لنقل المعلومات فقط، وذلك لأنها تستخدم أيضا لإنجاز أفعال اجتماعية ونفسية ورمزية، ولهذا ميّز بين الأقوال الخبرية والأقوال الإنجازية التي يتحقق بها فعل معين بمجرد التلفظ بها. (2)

ولأهمية هذا التصور قام “جون سيرل” بتطويره، فذهب إلى أن الخطاب يتضمن مستويات متعددة من القصد والدلالة، وأن بعض العبارات لا تؤدي وظيفة الإخبار وحدها، وإنما نرى أنها تُحدث أثرا تداوليا في المتلقي، كالتثبيت أو الوعد أو التوجيه أو إعادة تشكيل العلاقة بين المتخاطبين (3).

من هنا أرى أن القول لا ينقل معلومة فحسب، بقدر ما يؤدي وظيفة نفسية ورمزية؛ فالغاية منه إنه أراد أن يهدئ ويثبت ويعيد تعريف الموقف. ولو كان الإمام (عليه السلام) يسمع الفكرة لأول مرة، لكان التركيب الأقرب والأعقل الذي يتوافق مع المنهج النبوي هو قوله: “أنت مني بمنزلة هارون”، وهذا ما انتبه له وتبناه بعضهم وعمل بموجبه ليحرف الحديث عن دلالته العظمى. أما وجود جملة (أما ترضى) فيشير بوضوح تام إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله) أراد أن يتعامل مع معنى حاضرا مسبقا في الوعي المشترك بينه وبين علي (عليه السلام).

ومن حيث البعد النفسي والوجداني أفادت روايات المدرستين أن الإمام تأثر من بقائه في المدينة أثناء خروج النبي إلى تبوك، وربما خشي أن يفسر الناس ذلك على أنه إبعاد له عن مركز الحدث. فجاء الخطاب بصيغة تحمل عتابا محبا وطمأنة روحية. وهنا ظهرت عبقرية التعبير النبوي؛ فهو لم يقل له فقط (ابقَ هنا) وإنما أعاد ربط البقاء بنموذج هارون، أي بالشريك الرسالي لا بالمتخلّف عن المعركة.

من هنا أرى أن هذه الفكرة تفتح بابا مهما، وهو أن حديث المنزلة ربما لم يكن حادثة منفصلة مثلما هو في الظاهر المتداول، بقدر ما كان حلقة ضمن سلسلة تبليغات متدرجة حول موقع الإمام علي، تلك السلسلة التي ابتدأت بحديث الدار، ومرت بحديث الراية، ووصلت إلى حديث المنزلة، ومهرت رسميا بحديث الغدير، وأعلنت جهارا يوم رزية الخميس. أي إن ثمة بناءً تدريجيا للصورة الرمزية لعلي داخل الوعي الإسلامي المبكر مر بعدة مراحل تأسيسية مهمة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يدل ذلك على تبليغ سماوي؟

وهو سؤال يقود التحليل العام ليدخله في الحقل العقدي. فمن الناحية الفلسفية يمكن القول: إن تكرار رسول الله لمثل هذه الصيغ الاستثنائية، وربطها بشخصية قرآنية كنموذج هارون، أخرج الخطاب من حدود المجاملة الشخصية إلى مستوى التعيين الرسالي، لأن التشبيه هنا لم يكن عاطفيا مجردا، بقدر ما كان استدعاءً لنموذج قرآني ارتبط بالمشاركة في حمل الرسالة والقيام بوظائفها بعد موت النبي.

وهنا نستحضر الآراء بحياد تام ذلك لأن الجزم بأنه (تبليغ سماوي) أمرا غير متفق عليه، إذ ترى مدرسة آل البيت أنه نص ذا منشأ إلهي. بينما رأته المدارس الأخرى مجرد فضيلة دون لزوم النص على الإمامة. ورآه بعض الباحثين المعاصرين تأسيسا رمزيا لمكانة الإمام علي الروحية والسياسية. لكن من حيث التحليل البنيوي للغة، فإن ملاحظتنا مهمة جدا وقوية جدا؛ لأن صيغة (أما ترضى) تحمل فعل تذكير أكثر من فعل إنشاء، وكأنها تشير إلى حقيقة سابقة أعيد استدعاؤها في ظرف معين.

وهذا يعني بالنسبة للمتخصصين بعلوم اللغة أن البنية اللغوية لحديث المنزلة، ولا سيما افتتاحه بصيغة (أما ترضى)، توحي بأن النبي لم يكن بصدد إنشاء منزلة جديدة لعلي، وإنما أراد أن يذكّره بمنزلة سبق تقريرها في الوعي الرسالي بينهما، الأمر الذي يفتح المجال لقراءة الحديث بوصفه إعادة تأكيد لوظيفة دينية روحية وقيادية ذات امتداد سابق، لا مجرد موقف عابر ارتبط بغزوة تبوك.

الهوامش

(1)صحيح البخاري، تحقيق: محمد زهير الناصر، دار طوق النجاة، بيروت، ج5، ص129.

(2)كيف ننجز الأشياء بالكلمات، ترجمة: عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1991م، ص 14 وما بعدها.

(3)الأفعال الكلامية: بحث في فلسفة اللغة، ترجمة: عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1996م، ص 27.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *