في خطابه الموسع الذي ألقاه اليوم رسم السيد مجتبى الخامنئي خريطة طريق شاملة للمرحلة المقبلة من الحرب وكشف عن استراتيجية متكاملة تهدف إلى قلب الموازين رأساً على عقب. فما صدر عن القائد الإيراني لم يكن مجرد تصريحات نارية عابرة بل هو بيان عقائدي وعسكري وسياسي بامتياز يضع النقاط على الحروف ويعلن للعالم أن إيران انتقلت من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم الشامل وأن قواعد الاشتباك القديمة أُحرقت بالكامل.
الرسالة الأبرز في الخطاب تمثلت في إعلان صريح لا لبس فيه بأن استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة لم يعد خياراً تكتيكياً بل ضرورة استراتيجية ملحة. فبقوله (نحن مجبرون على الرد )انطلاقاً من هذه القواعد نقل خامنئي المعركة من مربع الدفاع عن النفس إلى مربع المعاقبة الجماعية محملاً واشنطن مسؤولية كل قطرة دم إيراني ومبرراً ضرب القواعد الأمريكية أينما وجدت في الشرق الأوسط. هذا التحول اللغوي من الدفاع إلى الرد المجبر يمنح طهران شرعية ذاتية ودولية لمواصلة التصعيد خاصة بعد مجزرة مدرسة ميناب التي جعلت من الانتقام واجباً مقدساً.
أما فيما يخص دول الجوار فقد وجه خامنئي إنذاراً قاسياً مغطى بنصيحة عندما طالبها بـتحديد موقفها من المعتدين ومن قتلة أبناء الشعب الايراني واضعاً إياها أمام خيارين لا ثالث لهما إما إغلاق القواعد الأمريكية وطرد المحتل أو تحمل تبعات استمرار استخدام أراضيها منصة لقتل الإيرانيين. هذا الموقف لم يعد تهديداً عابراً بل تحول إلى خريطة عملية حين أمر بـالاستفادة من جميع الإمكانات لإغلاق مضيق هرمز ما يعني أن لعبة النفط العالمية أصبحت ورقة ضغط إيرانية بامتياز قادرة على إشعال أزمة اقتصادية دولية تطيح باقتصادات كبرى.
الخطاب حمل أيضاً رسائل داخلية بالغة الأهمية حيث طالب الأجهزة الخدمية بعدم التهاون داعياً الشعب للحضور القوي في كل الميادين ليحول المجتمع الإيراني إلى كتلة صلبة موحدة خلف قيادته. لكن أكثر ما يثير الرعب في تل أبيب وواشنطن كان الإعلان الضمني عن وجود جبهات جديدة لا يملك العدو فيها خبرة وهي عبارة غامضة ومفتوحة على كل الاحتمالات قد تعني فتح جبهات غير مسبوقة أو استهداف مصالح أمريكية في أماكن لم تكن في الحسبان أو حتى تفعيل خلايا نائمة في اماكن اخرى من العالم لمهاجمة المصالح الامريكية.
بهذا البيان لم يعد السيد مجتبى الخامنئي الابن مجرد خليفة لأبيه بل أثبت أنه قائد حرب يمتلك رؤية استراتيجية تهدف إلى طرد أمريكا من المنطقة نهائياً وجعل ثمن بقائها باهظاً لدرجة الانهيار.


