الإنزال الاقتصادي وبداية مرحلة جديدة ضد طهران
في خطاب حمل نبرة تاريخية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن بدء أكبر عملية اقتصادية تدميرية ضد إيران، واصفاً إياها بأنها «إنزال نورماندي اقتصادي». وجاء هذا الوصف في إشارة إلى المعركة الفاصلة في الحرب العالمية الثانية. ويأتي هذا الإنزال الاقتصادي مع انتهاء المهلة التي منحها ترامب لإيران للتفاوض، ليدخل الملف الإيراني مرحلة جديدة من المواجهة الشاملة.
وتهدف هذه المواجهة إلى عزل طهران اقتصادياً، وقطع كافة شرايين حياتها المالية، مع تحذيرات صريحة للمجتمع الدولي من مغبة التعامل معها.
طبيعة الحصار الاقتصادي الشامل
يتجاوز هذا الحصار كونه مجرد عقوبات تقليدية. فهو يمثل محاولة لخنق الاقتصاد الإيراني عبر استهداف جميع منافذ الدخل والتمويل. وتشمل قائمة الاستهدافات المعلنة تهريب النفط، والمقايضات التجارية، والتحويلات النقدية، وشركات الصرافة، وحسابات السفن، والشركات الوهمية.
وقد صرح ترامب بأن أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها بتقديم أي شكل من أشكال الدعم لإيران ستواجه عواقب اقتصادية هائلة.
هذا النهج يهدف إلى تجفيف مصادر العملة الصعبة التي تعتمد عليها إيران لاستيراد السلع الأساسية. وهو ما يفسر إصرار الإدارة الأمريكية على إشراك أكبر عدد ممكن من الدول في هذا الحصار.
ردود الفعل الخليجية والإيرانية
على الصعيد الخليجي، كانت الإمارات العربية المتحدة أول المبادرين بالتجاوب مع الضغوط الأمريكية، معلقة جميع علاقاتها المالية مع إيران بعد اتهامها بقصف إسرائيلي، وهو ما نفته طهران.
يعكس هذا الموقف تخوفات دول الخليج من التصعيد العسكري، ورغبتها في تجنب تبعات العقوبات الأمريكية الثانوية.
أما إيران، فلم تكن ردود فعلها أقل حدة. فقد وصف وزير الخارجية عباس عراقجي هذا الإنزال الاقتصادي بأنه تضليل لأزمة أمريكا الداخلية المتمثلة في ديونها القياسية. كما اعتبر أن «الإرهاب الاقتصادي الأمريكي يهدد الاقتصاد العالمي وسيادة الدول».
وأكدت طهران امتلاكها احتياطيات كافية من العملة الصعبة لتأمين احتياجاتها من السلع الحيوية والأدوية، في محاولة لامتصاص الصدمة وطمأنة السوق المحلية.
قدرة إيران على التهرب والمواجهة
تمتلك إيران خبرة طويلة في الإفلات من شبكات العقوبات، وتلوح حالياً بأوراق ضغط قوية لمواجهة الحصار. فالسيطرة الكاملة على مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من النفط العالمي، تشكل ورقة ضغط رئيسية يمكن أن تعطل إمدادات الطاقة العالمية.
وقد يؤدي ذلك إلى رفع أسعار النفط، والضغط على الاقتصاد العالمي، وتقليص فعالية العقوبات.
بالإضافة إلى ذلك، فإن قدرة الحوثيين في اليمن، حلفاء إيران، على استهداف الملاحة في باب المندب، تضاعف المخاطر الأمنية في الممرات المائية الحيوية. كما ترفع تكاليف التأمين والشحن، وتزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي.
أوراق القوة المائية والجيواقتصادية
تكمن خطورة المواجهة في أن الإنزال الاقتصادي لا يستهدف اقتصاداً معزولاً تماماً عن محيطه، بل يستهدف دولة تمتلك أدوات ضغط جغرافية ومائية وجيواقتصادية. فإيران لا تعتمد فقط على آليات مالية تقليدية، بل تستند أيضاً إلى موقعها في معادلات الطاقة والممرات البحرية.
ومن هنا، فإن مضيق هرمز وباب المندب لا يظهران في هذه المعادلة بوصفهما مجرد ممرين للملاحة، بل بوصفهما نقطتين حساستين في الاقتصاد العالمي. وكل تصعيد فيهما يمكن أن ينعكس على أسعار الطاقة، وتكاليف النقل، واستقرار الأسواق.
تحليل فرص النجاح أو الفشل
يقف هذا الحصار أمام تحديات جسيمة تهدد نجاحه.
أولاً: الموقف الصيني الحاسم يضع عقبة كأداء أمام الطموحات الأمريكية. فقد أعلنت بكين صراحة أن «العقوبات والضغوط لن تساعد في حل المشكلة»، ودعت إلى الحوار. وهذا يشير إلى أنها قد لا تلتزم بالحصار، خاصة أن المصافي الصينية الصغيرة تمثل شرياناً حيوياً لصادرات النفط الإيرانية.
ثانياً: إمكانية التهرب البري عبر الحدود مع تركيا والعراق وآسيا الوسطى تجعل من المستحيل عملياً مراقبة كل التدفقات التجارية. كما أن إيران أثبتت قدرتها على الصمود خلال سنوات العقوبات السابقة، وطورت آليات معقدة للالتفاف عليها.
ولو أن الإدارة الأمريكية كانت قادرة على اتخاذ هذه الخطوات الأكثر تطرفاً من دون مخاطر كبيرة، لاتخذتها سابقاً. لكن هذه الخطوات تحمل مخاطر قد تفوق فوائدها، خاصة فيما يتعلق باحتمال مواجهة مباشرة مع الصين.
الخاتمة: هل ينجح الإنزال الاقتصادي؟
في الختام، قد يؤدي الإنزال الاقتصادي إلى تفاقم معاناة الشعب الإيراني وزيادة العزلة. لكن نجاحه في إسقاط النظام أو إجباره على الاستسلام الكامل يظل أمراً مشكوكاً فيه، في ظل قدرة إيران على تعقيد المعادلة إقليمياً وعالمياً، واستمرار دعم حلفائها.
والمفارقة أن تشبيه ترامب بالإنزال النورماندي قد يكون مبكراً. فبينما كان الحلفاء يمتلكون التفوق الجوي والبري في الحرب العالمية الثانية عام 1944، تواجه واشنطن اليوم خصماً يمتلك أوراق ضغط مائية واستراتيجية، قد تحول هذا الإنزال إلى مستنقع إقليمي جديد.


