ترامب في فخ الاستنزاف وإيران تعيد كتابة شروط الحرب

ترامب في فخ الاستنزاف وإيران تعيد كتابة شروط الحرب
إيران تصدّت للضربات الأولى واستعملت استراتيجية الاستنزاف، محققة التفوق التكتيكي والاقتصادي، مع تحريك الساحة السياسية لصياغة شروط وقف النار، مضبوطة ميزان القوى، ومؤثرة على التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، متحكمة بمواردها العسكرية والموقع الجغرافي الحيوي....

حين يشعل أحمق نارا لا يمكنه إطفاءها، فهو لا يستطيع أن يتفاخر بعود الثقاب الذي أشعلها به.

هذه هي معادلة الحرب التي أطلقها ترامب ونتنياهو في 28 فبراير 2026، ظنا منهما أن بضعة أيام من القصف الجوي ستحسم الامر.

فإيران الجمهورية الاسلامية لم تنهار، بل فعلت ما أتقنته منذ عقود:

امتصّت الضربة، وفتحت أبواب الجحيم على الجميع وفي كل اتجاه.

في الحروب الكبرى، لا تقاس النتائج بعدد الصواريخ التي تطلق او الدمار الذي يتحقق، بل بميزان الإرادة والصمود الذي تفرزه المعركة.

وما يجري الان ليس حربا كلاسيكية، بل هو سباق استنزاف تتقنه طهران وتهابه واشنطن.

فمن الواضح جدا أن إيران احتوت الضربة وانتقلت إلى مرحلة الرد الاستراتيجي بسرعة عبر تدمير القواعد الأمريكية في الخليج ودك العمق الإسرائيلي، وتمكنت حتى الان من تحويل ميزان الحرب من معركة عسكرية إلى معركة شروط سياسية لوقف إطلاق النار.

وفي مثل هذا المشهد، لن يكون السؤال: من يوقف الحرب؟ بل بأي شروط ستتوقف.

  • الأرقام لا تكذب: استنزاف بالجملة

إنها حرب أرقام واقتصاد بما للكلمة من معنى، ففي أول مئة ساعة فقط من العمليات، كشف مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن التكلفة الأمريكية بلغت 3.7 مليار دولار، ويقدّر نموذج (Penn Wharton) الاقتصادي أن حربا تمتد شهرين قد تكلّف بين 40 و95 مليار دولار مباشرة، مع تأثير اقتصادي يتخطى 210 مليارات، وقد قدر تقرير وزارة الحرب الأمريكية التكلفة اليومية بمليار دولار، فيما يتصاعد عداد الإنفاق بمعدل 2315 دولارا في الثانية.

فمقابل كل طائرة مسيّرة إيرانية تكلّف بضعة آلاف من الدولارات، أنفقت الولايات المتحدة صواريخ اعتراضية بتكلفة تتراوح بين 1.2 و3.7 مليار دولار في أول مئة ساعة فقط حيث كانت نسبة التكلفة، 106 إلى 1 لصالح إيران.

أما على صعيد الطاقة، فقد أغلقت إيران مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من إمدادات النفط العالمية يوميا، وهو ما أسفر عن القفزة الأسرع في أسعار الوقود منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، الامر الذي دفع ذلك أسواق الأسهم العالمية نحو الاضطراب، وأشعل موجة تضخم باتت تقلق البيت الأبيض أكثر من أي صاروخ إيراني.

  • الفخ العسكري: حين تنفد الصواريخ

إيران لم تطلق أفضل ما لديها، وهي تطلق موجات من الطائرات المسيّرة والصواريخ الأقل تطورا، مجبرة الأمريكيين والإسرائيليين على استنزاف مخزونهم المحدود من منظومات الاعتراض كصواريخ باتريوت وثاد، وحين تنفد هذه المنظومات الدفاعية، تصبح المدن والبنية التحتية عرضة لصواريخ إيران الأكثر دقة وفتكا، والتي تحتفظ بها طهران لمرحلة لاحقة.

تقول الخبيرة في شؤون الدفاع (جينيفر كافانا) من مؤسسة (Defense Priorities):

ان الولايات المتحدة أنفقت ما يزيد على 10 مليارات دولار على منظومات الدفاع الجوي في أول 48 ساعة، وبينما تطلق واشنطن صواريخ توماهوك بتكلفة 3.6 مليون دولار للقطعة، تطلق إيران طائراتها المسيّرة بكسور من هذا الثمن، وهي معادلة استنزاف مثالية.

لقد أطلقت إيران حتى الان 2000 طائرة مسيّرة و500 صاروخ باليستي خلال الأيام الأولى من المعركة فقط، حسب مركز (CSIS).

  • إذا وصلت واشنطن إلى حافة الانسحاب… هذه شروط طهران

إذا وصلت واشنطن وتل أبيب إلى قناعة بأن استمرار الحرب سيكلفهما أكثر مما يحتملان، فإن الطريق الوحيد للخروج سيكون عبر صفقة سياسية كبرى، وهنا تبرز الشروط التي يمكن أن تطرحها طهران، خصوصا، وهي الان تمسك بزمام المبادرة.

–  أولا: وقف كامل وفوري لكل العمليات العدائية ضد إيران، مقرونا بتعهدات واضحة بعدم استهدافها مستقبلا، فالحروب بالنسبة للدول الكبرى لا تنتهي فقط بوقف إطلاق النار، بل بضمانات تمنع تكرارها.

– ثانيا: إعادة ترتيب الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، فمن غير المنطقي من وجهة نظر طهران أن تتوقف الحرب بينما تبقى القواعد التي انطلقت منها الهجمات كقاعدة العديد الجوية وقيادة الأسطول الخامس في البحرين دون تغيير، وقد دمرت إيران فعلا مقر الأسطول الخامس في الجفير والكثير من القواعد الأخرى في الخليج.

– ثالثا: رفع العقوبات الكاملة والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج وإعادة دمج إيران في النظام المالي الدولي، وفي الملف النووي، تثبيت حق إيران الكامل في التخصيب دون قيود سياسية خارجية، مع الاعتراف ببرنامجها الصاروخي باعتباره ركيزة دفاعية سيادية.

– رابعا: فيما يخص إسرائيل، وقف الهجمات على حلفاء إيران في المنطقة، وفتح الباب أمام تسويات في العراق وسوريا ولبنان واليمن بما يخدم الحلفاء.

  • ترامب ونتنياهو: حلفاء يتآكلون

المفارقة الكبرى في هذه الحرب أنها كشفت عن تصدع داخل المحور الأمريكي الإسرائيلي ذاته، ترامب الذي يعلن عن رغبته بأنهاء الحرب على استحياء، سيجد نفسه أمام حائط مسدود حينما ترفع سقوف الشروط الإيرانية، أما نتنياهو، فهو يدرك أن أي وقف لإطلاق النار دون إنجاز استراتيجي واضح سيقوّض موقفه سياسيا في الداخل.

وفق تحليل Foreign Affairs، فإن ترامب تبنّى ثلاث استراتيجيات متناقضة في آنٍ واحد:

–  يريد الصفقة، ويريد الانتصار، ويريد الانسحاب.

وهذا التناقض هو بالضبط ما تراهن عليه طهران، إسرائيل تسرّع ضرباتها لإنجاز أكبر قدر من الأهداف قبل أن يقرر ترامب الخروج، بينما تتمسك إيران بعقيدة “الاستنزاف حتى الاختناق”.

  • اخيرا: مَن يكتب شروط الجولة الأخيرة؟

بعد أن ظنّ البعض أن قصف واغتيال القيادة الإيرانية سينهي المعركة، فعلت إيران العكس:

فتحت جبهات لم تحسبها واشنطن، وأغرقت الخليج في موجة صواريخ ومسيّرات، واستهدفت جبهات متعددة في وقت واحد، وأغلقت مضيق هرمز، وصار السؤال الحقيقي:

كم من الوقت يستطيع ترامب تحمّل فاتورة مليار دولار يوميا وهو يحضّر نفسه للانتخابات النصفية؟

الشروط الإيرانية المفترضة قد تبدو في أقصى سقفها تعجيزية، لكنها في عالم السياسة ليست سوى نقطة بداية للتفاوض، والحروب الكبرى غالبا ما تنتهي بصفقات تعكس ميزان القوى الذي تشكّل على أرض المعركة، ومن يصمد في الجولة الأولى هو الذي يكتب شروط الجولة الأخيرة.

وإذا كان التاريخ قد علّمنا شيئا واحدا، فهو أن أمريكا لم تنتصر في أي حرب استنزاف طويلة، لا فيتنام، لا أفغانستان، ولا العراق، فهل ستكون إيران الاستثناء! أم ستكون الفصل الأكثر مرارة في كتاب الهزائم الأمريكية المتكررة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *