تواجه جمهورية كوريا الجنوبية اختباراً وجودياً غير مسبوق في تاريخها الحديث إذ تجد نفسها عالقة بين تصعيد نووي غير مسبوق من جارتها الشمالية وبين شعور متزايد بالهجران الاستراتيجي من حليفتها التقليدية واشنطن. ففي الوقت الذي يهدد فيه الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بمحو الجارة الجنوبية بالكامل، معتبراً إياها لكيان الأكثر عدائية ومعلناً أن ترسانته النووية باتت واقعاً دائماً وغير قابل للتفاوض تتجه أنظار الولايات المتحدة نحو مسرح عمليات آخر تاركة سيول تتساءل: هل حان وقت بناء القنبلة الكورية الجنوبية؟
الحدث الجوهري الذي قلب المعادلة هو القرار الأمريكي الذي أُعلن رسمياً في السادس من اذار 2026 بنقل منظومات دفاعية حيوية من بطاريات باتريوت وغيرها من الأصول العسكرية الأمريكية المتمركزة في كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط لدعم العمليات العسكرية ضد إيران . هذا القرار الذي يأتي بعد سحب مماثل في يونيو من العام الماضي يمثل أكثر من مجرد إعادة انتشار تكتيكي؛ إنه ينسف جوهر نظرية الدفاع المشترك التي قام عليها التحالف بين البلدين منذ الحرب الكورية. بالنسبة لسيول فإن سحب هذه المنظومات التي تشكل العمود الفقري لشبكتها الدفاعية ضد صواريخ الشمال الباليستية يعني أن الدرع الأمريكي لم يعد مضموناً بل أصبح قابلاً للانتقال حسب الأولويات الأمريكية المتغيرة.
يزيد من قلق صناع القرار في سيول أن هذا الكشف العسكري يأتي في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع تصعيد خطابي وعسكري غير مسبوق من بيونغ يانغ. فبعد أن أعلن كيم جونغ أون أن بلاده ستعمل على تطوير أنظمة أسلحة متطورة لتعزيز الترسانة النووية شملت صواريخ باليستية عابرة للقارات تطلق من تحت الماء وأسلحة نووية تكتيكية موجهة خصيصاً نحو الجارة الجنوبية . هذا التهديد الوجودي المباشر في ظل غطاء جوي أمريكي مسحوب أو منقوص يضع سيول أمام معادلة صفرية: إما الرضوخ لسياسة الابتزاز النووي من الشمال أو البحث عن مخرج جذري.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تدفع واشنطن بسياساتها المتقلبة حليفتها التاريخية نحو الخيار النووي المستقل؟ إن فكرة أن تمتلك كوريا الجنوبية ترسانتها النووية الخاصة لم تعد مجرد فرضية أكاديمية بل أصبحت خياراً استراتيجياً مطروحاً بقوة في النخب السياسية والأمنية الكورية. فسيول تمتلك البنية التحتية التكنولوجية والخبرات العلمية لبناء سلاح نووي في وقت قياسي إذا ما قررت الانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي. والمنطق يقول: إذا كانت واشنطن غير قادرة على توفير صواريخ “باتريوت” للدفاع عن سيول فلماذا تثق سيول في الردع الموسع الأمريكي أي في فكرة أن الرؤوس النووية الأمريكية ستدافع عنها في اللحظة الحاسمة؟
أما السيناريو البديل والذي يتمثل في أن يعيد الرئيس دونالد ترامب نشر البطاريات الدفاعية سريعاً قبل فوات الأوان، فيبدو مرهوناً بمزاجية القرار الأمريكي وأولوياته المتشابكة. فترامب الذي أبدى انبهاراً بالأسلحة النووية وأعلن عن استئناف التجارب النووية الأمريكية بطريقة مفاجئة حتى لمستشاريه قد يكون أكثر انشغالاً بمواجهة إيران والصين من إعادة ترتيب أوراقه في شبه الجزيرة الكورية. وبينما يحاول المسؤولون الكوريون طمأنة مواطنيهم بتأكيد متانة التحالف تبقى الحقيقة المرة أن سيول باتت مكشوفة تواجه وحشاً نووياً بدرع مثقوب مما يجعل سباقها نحو امتلاك الردع الخاص بها مجرد مسألة وقت.


