– مبررات دينية ؟أم انقلاب اجتماعي ؟؟
ا- لآثار الاجتماعية والسلوكية للانحراف (جهاد النكاح مثالا) .
– المشاعية البدائية وطبيعة الولاء .
– تهديم الأسرة بدأ منذ زمن بعيد .
منذ بدء تشكيل الدولة ، التي اعتبرت الاكتشاف الأهم في حياة المجتمعات ،حيث مثلت الحدّ الفاصل بين حياة الجماعات والمشاعيات في الكهوف ، ووسائل العيش المعتمدة على الصيد،وبين المجتمع الزراعي وبناء المدن ووضع القوانين والتشريعات،كان احتكار العنف لتطبيق القانون أو ماتراه مناسباً لأشكال حكمها ،هو الشغل الشاغل لمفهوم الدولة بكل أشكالها ،سواء في بداية تكوينها كدولة المدينة ،أو بعد توحيد المدن وقيام الممالك والإمبراطوريات.
لادولة دون جيش ،تلك هي المقولة التي تصدرت مهمات الدولة ،مادامت الدولة تعني سيادة على أرض وحفظاً للأمن وتطبيقاً للقانون ، بما فيه ردع المخالفين ومعاقبة الجريمة ،من هنا تركز الاهتمام على كيفية اختيار شباب يتمتعون بالصحة والقدرة ،لتدريبهم وتهيئتهم ، ليكونوا محاربين أشداء ، للدفاع عن الدولة أو صدّ العدوان على سيادتها .
مسألة بناء الجيوش ،أخذ ت حيزاً واسعاً من نظريات العلماء والفلاسفة عبر العصور ،انطلاقاً من السؤال : كيف يُبنى (حراس الدولة)؟أي أولئك الصنف من المقاتلين الذين يُعدّون للقيام بمهام شرسة ، خاصة في دولة تهدف للتوسع؟؟ علماً بأن التوسع ،كان السمة العامّة التي رافقت سيرورة الدولة عبر عصور طويلة من التاريخ البشري ،وليس سوى في العقود الأخيرة بعد انبثاق مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتحدة ،بعد الحرب العالمية الثانية ،استقرت الدول نسبيا ً بحدودها القائمة المعترف بها .
كان الفيلسوف اليوناني أفلاطون في كتابه (الجمهورية) أول من أشار إلى أن تقوم الدولة بفصل الأطفال عن ذويهم في سن مبكرة ،لتنشئتهم في مدارس ومعسكرات خاصة ،يتعلمون فيها الولاء للدولة ، ويتدربون على الطاعة والسلوك المحارب ، الذي لايتأثر بالعواطف والأهواء والنزعات ، مما قد تعيقه أو تحرفه عن أداء واجبه .
ورغم ان أفلاطون لم يجد فرصاً لتطبيق تعاليمه ،وبقيت (الجمهورية)مجرد تجريد فلسفي ،الا أن تلك النظرية ، وجدت سبيلها للتطبيق بعد قرون ، وفي أزمنة وأمكنة لاتبعد كثيرا عن أرض اليونان القديمة .
لقد رأى السلاطين العثمانيون ، إن أخذ الأطفال الصغار من البلدان المغزوة ، وفصلهم عن ذويهم ،لتقوم الدولة بتربيتهم على سلوكيات خاصة قتالية وولائية ،هي وسيلة مثلى لتكوين جند أشداء قتالياً ، ومضموني الولاء للسلطان ،وهم ماعرف لاحقاً ب(الإنكشارية) الذين كانوا عماد الجيوش العثمانية – خاصة في عهد السلاطين الأوائل -.
المكاسب التي تحققت للعثمانيين ، والانتصارات التي أحرزوها ،كان للانكشارية دور بارز فيها ، وقد انتقل مايشابهها الى بعض بلدان أوروبا ، خاصة تلك التي آمنت بالقوة وحكمتها أحزاب ، نادت بالتوسع على حساب الشعوب الأخرى .
النازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا ،اتبعتا المنهاج ذاته ،فقد كونت النازية فرقاً خاصة سميت ب(الشبيبة الهتلرية)فيما أطلقت الفاشية على هذا النوع من التشكيلات (الشباب الفاشي ) وكانت في الحالتين تضم مجاميع من الشباب ، شديدي الحماسة لما زرعه الحزبين المذكورين ،وقد بقي أولئك يشكلون قلقاً كبيراً لمجتمعاتهم ،حتى بعد انهيار النازية والفاشية وزوال حكمهما .
عند العرب ،طبقت تلك التجربة في بلدين عربيين هما العراق وسوريا ،فحزب البعث في تجربة (الطلائع) حاول ان يسلك مايشابه التجربة النازية في إنشاء جيل عقائدي يرتبط بالدولة ممثلة ب(الحزب القائد) ، وقد نجح في ذلك درجة ان بعضهم مازال على ولائه وقيامه بعمليات انتقامية ، رغم زوال حكم البعث في العراق ،وربما لولا التدخل العسكري الخارجي ،لبقي نظام البعث ،عقوداً طويلة في الحكم ، من دون ان تتمكن قوى داخلية على إزاحته ،وهو ماحدث في تجربتي المانيا وايطاليا ،التي سقط الحكم فيهما بتدخل خارجي املته الحرب ،.
أما في سوريا ،فقد لعبت التشكيلات الطلائعية أو (شبيبة الثورة) دوراً بارزاً في مهمات الدفاع عن النظام السوري وساهمت سنوات طويلة ، في عدم انهياره بأيد الحركات المسلحة المناهضة لحكمة ، الى أن حصل ذلك بيد التنظيمات الارهابية وبدعم خارجي كذلك .
المنظمات الإرهابية ممثلة بداعش وقبلها القاعدة ،لم تغب عنها تجارب كهذه ، لكنها مارست سلوكاً تجاوز التجارب السابقة بكثير، فقد استندت تلك المنظمات إلى دعاوى دينية وفتاوى فقهية فريدة من نوعها ،فإذا كانت الحركات السابقة من نازية وفاشية وبعثية ،قد اشترطت في شبيبتها عدم الزواج الا بعد موافقتها وإشرافها ، مايضمن انشاء جيل من المقاتلين الأصحاء بدناً و(عقيدة) فإن المنظمات (الجهادية ) أطلقت مايسمى ب(جهاد النكاح) حيث تلزم فيه النساء المسلمات الواقعات تحت سيطرتها،بممارسة الجنس مع مجاميع من (المجاهدين) بحيث لايعرف الوالد الحصري من حمل المرأة ،لذا يتربى الطفل تربية خاصة على القسوة ، المتخلية عن أية روابط قيمية أو أخلاقية ،فهو من أم فقدت قيمة الخجل والارتباط الاجتماعي ، لانتقالها من شخص إلى آخر ،وبالتالي فقدت حصانتها الجسدية والأخلاقية على السواء ،باعتبارها قد تحولت إلى مجرد أداة جنسية لإنتاج المواليد ولمهمات محددة ،وهكذا في بضع سنوات ،يكون قد دخل الساحة الإرهابية الاف من اليافعين ، المستعدين للانتحار، أو القيام بأية مهمات يكلفون بها .
قبل سنوات طرحت مشكلة العشرات من الأطفال المولودين من (جهاد النكاح) حيث لاتعرف أمهاتهم من هو الأب فعلاً ،وقد طلبن ان يمنحوا الجنسية العراقية لأولادهن تحت تسمية (مجهول النسب) لكن المسألة في شيوع هذه السلوكيات(جهاد النكاح) تكمن في إزالة أهم المباني الاجتماعية في المنظومة القيمية من المجتمع كاملاً ،إنها عودة إلى المشاعية البدائية ، التي تحدث عنها فريدريك انجلز في كتابه (أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة )حيث يقوم المجتمع البدائي على قاعدة (كل امرأة لكل رجل) ولما كان من أهم أسباب قيام الزواج الأحادي وبناء الأسرة ، قد نشأ عن حاجة الرجل إلى معرفة نسله ، كي يورثه مايملك ، بعد تحول الجماعات الى مجتمعات تنتظم في دولة ،لذا فتهديم هذه القاعدة ،سيجعل من المجتمع (أسرة واحدة) تدين بالولاء للدولة وحسب ،ومن ثم للخليفة الممسك بزمام الأمور .
لكن في وقت كانت الشعوب البدائية قد اعتمدت على حالتها المعيشية وبيئتها، التي عرفت هذه النوع من الشيوع ،ثم انحسر وتلاشى ، بعد تطورها وانتقالها الى مراحل أخرى في طرائق حياتها ،فإن المنظمات الإرهابية أدخلت (المقدس) الديني في إشاعة هذا النوع من الفوضى الجنسية ، وبشكل متعمد ومعد سلفاً ،ما يجعله أكثر خطورة بما يتجاوز كافة التجارب التي شهدتها البشرية عبر تاريخها ، خاصة انها تعتمد كذلك على فقه وفتاوى دينية ، تجيز هذا النوع من السلوك .


