تقود الثورة الصناعية الرابعة اليوم جميع التحولات الهيكيلة في الاقتصاد العالمي والمقصود هنا بالثورة الرابعة هو تسيّد الذكاء الاصطناعي الذي لم يعد مجرد اداة تكنولوجية تامة تنتظر تدخل اليد البشرية لتوجيها بل تحول الى توربينات اساسية للنمو الاقتصادي وفيصل جديد بين معادلات القوى الاقتصادية والسياسية بين مختلف الدول المتقدمة في الوقت الذي تعاني فيه العديد من الدول النامية من التراجع المستمر في مستويات الانتاجية فضلا عن التضخم في القطاعات غير المنتجة فيها، ولردم هذه الفجوة لابد من اتخاذ منهج الذكاء الاصطناعي كخيار استراتيجي لتعزيز الحلول التي تروم الاقتصادات النامية اتخاذها لتحسين مستوى تنافسيتها، وللبيئة العراقية الدور الاكبر في مقالاتي الاقتصادية لاسيما الرقمية منها كون العراق في موقف جاهز لاقتناص تطبيق الفرص الرقمية لاسباب عدة، لذا فيما يخص ردم الفجوة الانتاجية في العراق عبر الفرص والكفاءة الرقمية فان اتمتة العمليات المعقدة التي يتجاوزها الذكاء الاصطناعي يسهم في التقليل من الهدر الزمني والبشري ويتجاوز الاتمتة التقليدية نحو معالجة البيانات الضخمة لاتخاذ القرارات التنبؤية ثم تعزيز الكفاءة وتخصيصها عبر خوارزميات التعلم الالي التي يمكن من خلالها التنبؤ بحجم الطلب في السوق العراقي لمختلف السلع لادارة المخزون منها بدقة متناهية لرفع كفاءة راس المال المستمثر في هذه المجالات ثم تحويل البيانات الى اصول معرفية لتساعد صناع القرار في منحهم رؤية اعمق واكبر لتطوير السياسات المالية والنقدية لتقليل او ردم الفجوة بين الاداء الاقتصادي المستهدف والفعلي.
من جهته يختل سوق العمل كلما توسعت الاستخدامات التكنولوجية في القطاعات الانتاجية لاثارتها المخاوف المشروعة لدى الطبقة العاملة ويمكن تلخيص اثر العلاقة بين الذكاء الاصطناعي وسوق العمل عبر اتجاهين متوازيين وهما الاحلال والانتاجية، حيث تتأثر اغلب الوظائف النمطية بالاتمتة كما اشارت لذلك اغلب التقارير الدولية لتتولد نتيجة لذلك البطالة التكنولوجية التي ينبغي على الدولة ان تدرك خطورتها على الطبقة العاملة لتتخذ الوسائل التي من شأنها مواكبة سياسات اعادة تاهيل الطبقة العاملة في البلد، بينما من جهته يعمل الذكاء الاصطناعي على خلق وظائف جديدة كليا يتطلب اشغالها مهارات عالية في التكنولوجية وتحليل البيانات ومنها (اخصائيي الامن السيبراني، ومهندسي البيانات ومطوري خوارزميات الذكاء الصطناعي) ولابد من استغلال دوره في رفع انتاجية الموظف الحالي وجعله مساعدا ذكيا له للتركيز على الجوانب الابداعية للموظف، وعليه فإن للعراق فرصة كبيرة مقارنة بغيرها من الدول لتخطي جكيع المراحل التقليدية في عملية التنمية الا انه يصطدم بمعرقلات وتحديات هيكيلية معقدة على الرغم من امكانية استفادة بعض القطاعات بصورة مباشرة من التدخل التكنولوجي لاسيما القطاعات المالية والتي يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع اتمتة الخدمات المصرفية وتحسين انظمة الدفع الرقمية ومراقبة التدفقات المالية فضلا عن مكافحة غسيل الاموال لتتعزز بذلك ثقة المواطن بالنظام المصرفي والتي تعتبر من ابرز تحديات التحول الرقمي المالي، كذلك ايضا يمكن للذكاء الاصطناعي من رفع العوائد الصافية للمورد الريعي الاساسي في البلد عبر تقليل كلف الانتاج واستخدام تقنيات الذكاء التنبؤية لتحسين عمليات الاستخراج بصورة مثلى، ويعمل الذكاء الاصطناعي على تقليص منافذ الفساد الاداري عبر تطبيق برامج الحوكمة الالكترونية للحد من البيروقراطية المقيتة في الجهاز الاداري الذي يعاني من تضخم وظيفي يعرقل مراحل الاستثمار ويزيد من الاجراءات الرسمية للموافقات الاستثمارية في الدولة وبذلك وعند الانتقال الى مناهج الذكاء الاصطناعي ستزداد وتيرة الاستثمارات بسرعة اكبر مما كانت عليه في الانظمة الادارية التقليدية في الدولة الا ان كل ذلك يواجه تحديات ومعرقلات هيكيلة في النظام العراقي كما ذكرنا تتمثل في افتقار البيئة العراقية الى شبكات اتصال فائقة السرعة ومراكز بيانات ضخمة التي نأمل ان تتخذ الحكومة الجديدة والسيد وزير الاتصالات دور كبير في تعزيز مثل هذه المراكز في العراق لما لها من اهمية مالية كبيرة للبلد فضلا عن دورها في تحسين مستويات الانتاجية ايضا، ومن التحديات الكبيرة في العراق هو الحاجة الماسة للدورات التي تعمل على رفع المستوى المهاري للفرد عبر برامج نوعية متخصصة في التحول الرقمي والاقتصاد المعرفي لردم الفجوة المهارية بين العاملين في القطاعات الانتاجية كافة وتعزيز المناهج التعليمية المتأخرة في البلد ولا يتم ذلك الا عبر تأسيس بيئة تشريعية واطر قانونية تنظم عمل حوكمة البيانات وحقوق الملكية وامن العراق السيبراني، لذلك يعتبر الذكاء الاصطناعي اداة سياسية تعيد تشكيل الهياكل الاقتصادية في البلاد ولابد للعراق ان يتبنى استراتيجية وطنية واضحة لتعزيز الاستثمار في البنى التحتية التكنولوجية فضلا عن اصلاح المنظومة التعليمية والتركيز على التخصصات التكنولوجية والاقتصاد الرقمي وتوسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتبني حلول ذكية وتقديم التسهيلات التشريعية والمصرفية للمتخصصين في ريادة الاعمال في المجالات الرقمية بصورة خاصة.


