الحلول المقترحة والتحديات الواقعية
الإجابة على سؤال “هل يستطيع الاقتصاد العراقي امتصاص هذه الأزمة؟” ام رصاصة الرحمة على الاقتصاد الريعي تتطلب تفكيك آليات الاستجابة المالية والنقدية وتأثيرها على المؤشرات الكلية. أدناه تحليل اقتصادي دقيق للمحاور الأساسية المطروحة والتحديات والحلول المقترحة.
أولاً:_ التحليل الاقتصادي للمحاور الهيكلية
1_الإصدار النقدي والسياسة النقدية
يلجأ البنك المركزي العراقي أحياناً، بضغط من السياسة المالية، إلى آلية “التمويل بالعجز” أو تحويل السندات الحكومية إلى سيولة (Monetization of Debt)، وهو ما يُعرف اقتصادياً بالإصدار النقدي الجديد دون غطاء إنتاجي موازي.
التأثير:_ زيادة الكتلة النقدية (M1) في السوق دون زيادة في المعروض من السلع والخدمات تؤدي مباشرة إلى ضغوط تضخمية (Inflationary Pressures) وانخفاض القوة الشرائية للدينار.
الامتصاص:_ قدرة الاقتصاد على امتصاص هذا الإجراء محدودة جداً، لأن الهيكل الإنتاجي العراقي معطل (زراعياً وصناعياً)، وبالتالي فإن الأموال المصدرة تتحول فوراً إلى طلب على الاستيراد، مما يضغط على معروض العملة الأجنبية.
2_ الدين الداخلي وتزاحم الائتمان
ارتفع الدين الداخلي العراقي بشكل ملحوظ عبر قيام وزارة المالية بالاقتراض من المصارف الحكومية (الرافدين، الرشيد، والمصرف العراقي للتجارة TBI) وإعادة خصم السندات لدى البنك المركزي.
التأثير:_هذا النمط من الاقتراض يؤدي إلى ظاهرة “التزاحم الاقتصادي” (Crowding Out)، حيث تستنزف الحكومة السيولة المتاحة لدى الجهاز المصرفي لتمويل النفقات الاستهلاكية (الرواتب)، مما يحرم القطاع الخاص من التسهيلات الائتمانية اللازمة للمشاريع الاستثمارية.
الامتصاص:_ يمثل الدين الداخلي قنبلة موقوتة، لأن استمرار الاقتراض لتغطية العجز التشغيلي يضعف الملاءة المالية للمصارف الحكومية ويقوض استقرار النظام المالي.
3_الدين الخارجي وعبء خدمة الدين
على الرغم من أن جزءاً كبيراً من ديون العراق السابقة تمت تسويتها بموجب اتفاقية نادي باريس (2004)، إلا أن القروض الخارجية الجديدة (من صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، والقروض الثنائية) ارتفعت لتغطية فجوات العجز السابقة.
التأثير:_ تكمن خطورة الدين الخارجي في “خدمة الدين” (الأقساط والفوائد) التي يجب دفعها بالعملة الأجنبية. في أوقات الأزمات وانخفاض أسعار النفط، تصبح هذه المدفوعات عبئاً ثقيلاً يقتطع من صافي الإيرادات الدولارية للبلد.
الامتصاص:_ طالما بقيت معدلات الدين الخارجي ضمن الحدود الآمنة بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي (GDP)، فإن المشكلة ليست في أصل الدين، بل في انخفاض مرونة الإيرادات العامة الموجهة للسداد.
4_نفاذ احتياطي البنوك الحكومية وانحسار الاحتياطي الأجنبي
تُعد المصارف الحكومية المخزن الأساسي لسيولة الدولة، بينما يمثل الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي خط الدفاع الأول للاستقرار النقدي وحماية قيمة الدينار.
التأثير:_ إن الضغط المستمر على المصارف الحكومية لتمويل العجز المالي يؤدي إلى تراجع “مصداتها الحمائية” من السيولة. بالتوازي مع ذلك، فإن تشديد الرقابة الدولية على نافذة بيع العملة للحد من غسيل الأموال وتهريبها أدى في فترات معينة إلى انحسار نسبي في المعروض الدولاري الفعلي المشغل للاقتصاد، على الرغم من امتلاك المركزي لغطاء قانوني جيد من العملات الأجنبية والذهب.
الامتصاص:_ انحسار أو تجميد مرونة الاحتياطي الأجنبي يهدد مباشرة استقرار سعر الصرف، مما قد يخلق فجوة كبيرة بين السعر الرسمي والموازي، ويدفع باتجاه الركود التضخمي.
ثانياً: التحديات الواقعية أمام الامتصاص
تتمثل الصدمة الأساسية في عدم قدرة الهيكل المالي الحالي على المناورة بسبب القيود التالية:
جمود النفقات العامة:
أكثر من 75% من الموازنة يذهب كـ “نفقات حاكمة” (رواتب موظفين، متقاعدين، شبكة حماية اجتماعية، ودعم عيني). هذه النفقات غير قابلة للخفض السياسي أو الاجتماعي، مما يجعل أي تراجع في الإيرادات النفطية يترجم فوراً إلى أزمة سيولة حادة.
ضعف الإيرادات غير النفطية:
فشل المؤسسات المالية (الضرائب، الجمارك، والمنافذ الحدودية) في تحصيل إيرادات حقيقية تدعم الموازنة، حيث لا تشكل الإيرادات غير النفطية سوى نسبة ضئيلة لا تتعدى 8-10% في أفضل أحوالها بسبب الفساد والتهرب الضريبي.
ثالثاً:_ الحلول المقترحة (خارطة طريق للإصلاح الهيكلي)
لتمكين الاقتصاد العراقي من امتصاص الأزمة الرابعة وتجنب انهيار مالي مستقبلي، يجب الانتقال من الحلول الترقيعية (المالية والنقدية المؤقتة) `
١_حلول السياسة المالية
إعادة هيكلة الموازنة
تحويل الموازنة التكرارية (البنود) إلى موازنة “برامج وأداء” للسيطرة على الهدر المالي.
تعظيم الإيرادات غير النفطية:
أتمتة النظام الجمركي والضريبي بالكامل لتقليل التدخل البشري والحد من الفساد، وتفعيل جباية الخدمات الأساسية (الكهرباء، الماء، الاتصالات).
تأسيس صندوق سيادي حقيقي
“صندوق الأجيال” أو صندوق التحوط الإستراتيجي، بحيث يتم استقطاع نسبة ثابتة من مبيعات النفط عندما تكون الأسعار مرتفعة، ولا يجوز سحبها إلا عند انخفاض الأسعار دون مستويات حرجة (مثلاً دون 50 دولاراً للبرميل).
إعادة هيكلة رواتب الدرجات الخاصة والبرلمانين والوزراء
إعادة ضبط نظام التخصصات في بعض الوزرات والهياة الغير مرتبطة بوزارة
توجية عمل مجلس الخدمة الاتحادي العمل على تعيين وفقا للحاجة الفعلية وليس حسب القاعدة الحزبية والشعبية
يداع كافة إيرادات الوزارات وتحت جميع المسميات من صناديق داخلية للخزينة
2_ حلول السياسة النقدية
إيقاف التمويل التضخمي
حظر استخدام الآليات النقدية (الإصدار النقدي الجديد) لتمويل رواتب الموظفين، والاعتماد بدلاً من ذلك على أدوات الدين الحكومي المقبولة في الأسواق الحرة (سندات موجهة للجمهور بفوائد جاذبة).
تعميق الشمول المالي
تسريع الانتقال نحو الدفع الإلكتروني (POS) لتقليل حجم الحجم النقد المكتنز في المنازل (والذي يقدر بقرابة 70-80% من الكتلة النقدية المصدرة)، مما يعيد السيولة إلى النظام المصرفي ويسمح بإعادة تدويرها تنموياً.
3_الإصلاحات الاقتصادية
إصلاح البيئة الاستثمارية: تعديل القوانين لتبسيط تأسيس الشركات وحماية المستثمر الأجنبي والمحلي، والتركيز على قطاعين إستراتيجيين: البتروكيماويات والغاز المصاحب (لإيقاف استيراد الغاز والطاقة الذي يستنزف مليارات الدولارات سنوياً)، والقطاع الزراعي التقني.
خلاصة التحليل: الاقتصاد العراقي بوضعه الحالي “لا يمتلك” القدرة الذاتية على امتصاص الصدمة الرابعة دون كلفة اجتماعية واقتصادية باهظة (مثل خفض قيمة العملة أو العجز عن دفع الالتزامات الاستثمارية). الامتصاص الحقيقي يتوقف على تحويل الإرادة السياسية إلى إجراءات تنفيذية تطبق ورقة الإصلاح الاقتصادي، والانتقال من عقلية “إدارة الأزمة النقدية اليومية” إلى “التخطيط المالي الإستراتيجي”.


