منذ عام ٢٠٠٣ لم يعد الصراع في العراق محصورًا بالإطارين السياسي أو الأمني، بل انتقل تدريجيًا إلى مستوى أكثر خطورة وتعقيدًا، يتمثل بما يُعرف بـ«الحرب الإدراكية»؛ تلك الحرب التي لا تستهدف احتلال الأرض بقدر ما تستهدف السيطرة على الوعي، ولا تعمل على إسقاط المدن بقدر ما تسعى إلى إسقاط الثقة، وتشويه الهوية، وتفكيك الانتماء، وضرب الشرعية الاجتماعية والسياسية للمجتمعات والدول.
لقد أدركت القوى الدولية والإقليمية، ومعها المنظومات الإعلامية المرتبطة بالمشاريع الخارجية، أن إسقاط العراق عسكريًا لم يعد كافيًا لتحقيق أهداف بعيدة المدى، وأن الطريق الأكثر فاعلية وتأثيرًا يمر عبر إعادة تشكيل وعي العراقيين تجاه أنفسهم، وتجاه تاريخهم ومكوّناتهم ورموزهم، وخصوصًا تجاه الأغلبية الشيعية والتيارات الإسلامية السياسية التي تصدّرت المشهد بعد سقوط نظام البعث.
ولا يمكن إنكار أن التجربة السياسية العراقية بعد عام ٢٠٠٣ شهدت أخطاءً وإخفاقات كبيرة، تمثلت في تفشي الفساد الإداري والمالي، وضعف الأداء الحكومي، وتغليب المصالح الحزبية، والصراعات الداخلية، وسوء الإدارة، فضلًا عن بروز شخصيات وممارسات أضرّت بصورة العملية السياسية وأضعفت ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها. كما أن بعض الخطابات السياسية والإعلامية غير المسؤولة ساهمت في تعميق الفجوة بين الشارع والطبقة الحاكمة.
غير أن السؤال الجوهري لا يكمن في وجود الأخطاء من عدمه، فالأخطاء حاضرة في جميع التجارب السياسية حول العالم، بل يكمن في سبب تحويل أخطاء جهة محددة إلى «هوية جماعية» تُلصق بمكوّن كامل، في وقت تُخفى فيه أخطاء الجهات الأخرى أو تُبرَّر أو تُمرَّر ضمن خطاب إعلامي انتقائي موجّه.
وهنا تبدأ الحرب الإدراكية بأخطر صورها.
فالمسألة لم تعد نقدًا مشروعًا للأداء السياسي، بل تحولت إلى عملية منظمة تهدف إلى ترسيخ قناعة داخل الوعي الجمعي بأن «الشيعي» أو (الإسلامي السياسي الشيعي) هو أصل كل أزمات العراق، وأن الفشل والفساد والانهيار حكر عليه وحده، بينما تُعزل بقية القوى والمكونات عن دائرة الاتهام، أو تُقدَّم بوصفها ضحية دائمة، أو بديلًا نقيًا لم يختبر السلطة أصلًا.
ولو افترضنا على سبيل المثال أن الأغلبية الشيعية هي من احتضنت تنظيم داعش، أو وفّرت له الغطاء الاجتماعي والسياسي كما حدث في بعض البيئات التي سقطت بيد التنظيم الإرهابي عام ٢٠١٤، فكيف كانت ستُصاغ صورة الشيعة عالميًا وعربيًا؟ وكيف كانت وسائل الإعلام الدولية ستتعامل مع هذا الحدث؟
ولو أن القوى الشيعية هي من فتحت أبواب التطبيع والتنسيق الأمني والسياسي مع الكيان الصهيوني، كيف كان سيُعاد تشكيل صورتها في الإعلام العربي والإسلامي؟
ولو أن التيارات الشيعية هي من طالبت علنًا ببقاء الاحتلال الأمريكي، أو وفّرت له الحماية السياسية والاجتماعية، فكيف كانت ستُقدَّم للرأي العام؟
المشكلة، إذن، ليست في النقد بحد ذاته، بل في الانتقائية التي تحكم مساراته واتجاهاته وأهدافه.
فهناك فرق كبير بين نقد الفساد بوصفه ظاهرة عراقية مركبة ومتشعبة تتحمل مسؤوليتها قوى ومكونات متعددة، وبين تحويل مكوّن كامل إلى متهم دائم، وربط هويته الدينية والسياسية والاجتماعية بصورة الفشل والانهيار. وهناك فرق بين محاسبة القوى السياسية على أخطائها، وبين صناعة وعي جماعي يرى أن كل ما يمتّ للشيعة أو للإسلام السياسي بصلة هو مشروع فاشل أو تابع أو خائن.
إن أخطر ما في الحرب الإدراكية أنها لا تعتمد دائمًا على الكذب الصريح، بل على توظيف (نصف الحقيقة) ضمن سياق انتقائي موجّه. فهي تستخدم وقائع حقيقية، لكنها تعيد ترتيبها وتضخيمها وعزلها عن سياقاتها، بما يخدم هدفًا محددًا يتمثل في صناعة صورة ذهنية مستقرة داخل وعي الجمهور.
فبدل أن يُقال إن العراق يعاني من أزمة بنيوية عميقة تشترك فيها عوامل داخلية وخارجية، وتتداخل فيها المسؤوليات بين مختلف القوى السياسية والمكونات، يجري اختزال الأزمة كلها في طرف واحد، ثم يُعاد ضخ هذه الصورة يوميًا عبر المنصات الإعلامية والفضاء الرقمي والذباب الإلكتروني وبعض النخب المرتبطة بالمشاريع الخارجية، حتى تتحول مع الزمن إلى «حقيقة ذهنية» يصعب على الجمهور مراجعتها أو تفكيكها.
لقد خاضت الأغلبية الشيعية، ومعها القوى الإسلامية المعارضة، مواجهة طويلة ضد نظام البعث لعقود ممتدة، وقدّمت آلاف الضحايا من العلماء والمفكرين والمعارضين والسجناء والمهاجرين، وتعرضت لحملات قمع وإقصاء وإعدامات جماعية واستهداف ممنهج طال مختلف شرائحها الاجتماعية والدينية والسياسية.
وكانت المرجعية الدينية العليا، على امتداد هذه المراحل، تمثل صمام أمان وطنيًا وروحيًا وسياسيًا، إذ لعبت دورًا محوريًا في الحفاظ على هوية المجتمع، وحماية وحدة العراق، ورعاية المواقف المصيرية في أكثر اللحظات تعقيدًا. كما كانت المرجعية حاضرة في توجيه الشارع العراقي نحو المشاركة السياسية ومنع الانزلاق إلى الفوضى بعد عام ٢٠٠٣، ودعمت قيام العملية السياسية بوصفها المسار الممكن لمنع انهيار الدولة، كما رعت المشاركة في كتابة الدستور العراقي، ودعت العراقيين إلى التصويت عليه والمشاركة في الانتخابات، انطلاقًا من رؤية هدفت إلى تثبيت الاستقرار ومنع عودة الاستبداد والفوضى.
ولم يقتصر دور المرجعية على الجانب السياسي فحسب، بل امتد إلى حماية السلم الأهلي، ورفض الانجرار نحو الاقتتال الطائفي، والدعوة المستمرة إلى بناء دولة المؤسسات والقانون، فضلًا عن مواقفها التاريخية في مواجهة الإرهاب، والتي بلغت ذروتها بفتوى الدفاع الكفائي التي أسهمت في منع سقوط العراق بيد تنظيم داعش الإرهابي.
غير أن الحرب الإدراكية الحديثة تسعى إلى محو هذه الذاكرة الجمعية بالكامل، وإعادة تصوير الشيعة بوصفهم «سبب خراب العراق»، بدل الاعتراف بأنهم كانوا من أكثر المكونات تعرضًا للقمع والاستهداف عبر تاريخ الدولة العراقية الحديثة.
والأخطر من ذلك أن هذه الحرب لم تعد تستهدف الأحزاب والقوى السياسية وحدها، بل باتت تستهدف البيئة الاجتماعية والثقافية والعقائدية للأغلبية الشيعية نفسها، عبر تشويه الرموز، وتسفيه الطقوس، وضرب الثقة بالمؤسسات الدينية والاجتماعية، وإقناع الأجيال الجديدة بأن انتماءها الهوياتي والديني يمثل عبئًا ينبغي التخلص منه، لا عنصر قوة واستقرار وانتماء.
إن المشروع الأمريكي ـ الصهيوني في المنطقة لم يعد قائمًا فقط على الاحتلال العسكري المباشر، بل بات يعتمد بصورة أكبر على تفكيك المجتمعات من الداخل، وضرب الهويات المتماسكة، وتحويل الشعوب إلى جماعات متناحرة فاقدة للثقة بتاريخها ورموزها ومعتقداتها.
ومن هنا أصبحت البيئة الشيعية العراقية هدفًا مركزيًا لهذه الحرب، لأنها رغم كل الإخفاقات والأزمات ما تزال تمثل بيئة رافضة للمشروع الصهيوني، وأكثر حساسية تجاه الهيمنة الأمريكية والتدخلات الخارجية.
لكن من الضروري هنا التفريق بوضوح بين أمرين أساسيين
الأول، الدفاع عن الهوية ومنع استهدافها إدراكيًا وتشويهها بصورة ممنهجة.
والثاني، عدم تبرئة القوى السياسية من أخطائها أو فسادها أو مسؤولياتها الوطنية.
فالوعي الحقيقي لا يقوم على التقديس الأعمى، كما لا يقوم على جلد الذات وتدمير الهوية، بل على قراءة متوازنة ترى الإخفاقات بوضوح، وتدفع نحو الإصلاح والمحاسبة، لكنها ترفض في الوقت نفسه تحويل النقد إلى مشروع هدم نفسي واجتماعي يخدم خصوم العراق والأمة.
إن العراق اليوم لا يواجه أزمة خدمات أو فساد فحسب، بل يواجه حربًا عميقة تستهدف وعيه الجمعي، لأن الشعوب حين تُهزم إدراكيًا تصبح أكثر قابلية للانقسام والانهيار، حتى وإن امتلكت السلاح والثروات والإمكانات.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله العراقيون اليوم هو أن يتحولوا من دون وعي إلى أدوات داخل معركة تُدار ضدهم، عبر إعادة إنتاج خطاب الكراهية والتشويه والتعميم الذي يستهدف مكوّنًا بعينه. لأن النتيجة النهائية لن تكون إسقاط حزب أو تيار سياسي، بل تفكيك العراق نفسه، وضرب ما تبقى من تماسكه الاجتماعي والوطني، وإدخاله في دوامة صراع لا تنتهي.


