عن نفحات العبودية والعقل الوضعي والهستيريا الجمعية

عن نفحات العبودية والعقل الوضعي والهستيريا الجمعية
يتناول النص هيمنة الخطابات المقدسة والهستيريا الجماعية على وعي البشر، وكيف تحولت العقائد والصراعات الطائفية إلى أدوات لاستلاب العقل وتوجيه الجماهير. ويؤكد أن الخوف والتعصب يعطلان التفكير النقدي ويجعلان الإنسان خاضعاً للعنف والانفعال بدل قيم العقل والإنسانية....

لاشك إن لله في خلقه شؤون ،وأكثر تلك الشؤون ظهوراً هو العقل الذي يفترض إن الله  وهبه للإنسان كي يحكم الأرض بإسمه ويستثمر الكائنات لخدمته ، هذا مايمكن فهمه من الوظائف الأساسية للعقل البشري ، لكن المتمعن في طبيعة الحياة البشرية ، يجد إن ذلك لاينطبق في واقع الأمر وطوال التاريخ البشري ، سوى على عدد محدود من أصحاب العقول في كلّ مجتمع وزمان ،أما البقية من البشر ، فكان العقل وبالاً عليهم ،بل تحول الى نوع من السخرية والهزء من أولئك بأن جعلهم عرضة للإستغلال والإستثمار من قبل أصحاب العقول ، فاستخدموهم  كخدم وعبيد أو أدوات  لتنفيذ مآرب الذين جعلوا من عقولهم مرتبطة مع الله .

ذلك ما لم يشذ عنه مجتمع عبر التاريخ ،فقد اشتقّ أسباط اليهود ،مما صنعته عقول سومر وبابل من آلهة ، ليجعلوا منه إلهاً قبلياً خالصاً (يهوه ) تسموا بإسمه باعتباره راعيهم وحاميهم بوعده الخاص لشعبه المختار .

خيال جامح وعقل فردي صنع ماسوف يسيطر على البشرية برمتها بعد ان مسح عقولها ليعيد تشكيلها على ما أراد .

كانت تلك الصناعة من القوة والمتانة ، بحيث لم تستطع العقول اللاحقة من إزاحتها ، فحاولت منافستها في بعض التفاصيل ، خاصة فيما يتعلق بالفئة الذكية المختارة ، فحاولت صنع فئة مختارة أخرى ،تصارعت مع تلك مع المقولات في محاولات السيطرة على البشر وتسييرهم وفق مقولاتها البديلة  .

ترسخت تلك المقولات الذكية حتى في تصارعها على إستعباد البشر وبواسطتهم ، فاستأثرت كلّ منها بأصناف من البشر  ،مكتسحة بمجموعها ، ليس العقول وحدها ، بل تغلغلت في النفوس فجعلتها خائفة قلقة ،واحتلت المشاعر فحولتها الى هستيريا جمعية لم يعد بإمكانها التوقف لمجرد التساؤل عن صحة ما تفعل ، وهكذا سقط الملايين منهم، دفاعاً عن المزيد من الاستلاب ، بيعت صكوك الغفران في أوروبا ، وأحرق أصحاب عقول جبارة حاولت الخروج من مواصفات العقل الذكي المقدس من دون منجزات سوى الكراهية ، لتقدم عقلاً بشرياً آخر بديلاً بمنجزاته الهائلة لإسعاد البشر وتحريرهم من الخوف والعبودية ، لكن في وقت قدم العقل البشري ما جعل البشرية تنعم بما أبدع ، تمكن العقل الديني من السيطرة  مجددا مستعيداً ما كان له من نفوذ ، بل وجير منجزات العقل البشري ذاته ، ليزجها في حروبه المقدسة التي فتكت مجدداً بالملايين من بشر  ، وهكذا لم يتمكن العقل العلمي من  زحزحة العقل الديني سوى لفترة لم تدم طويلاً  .

باستثناء الشعب المختار أو الفئة المختارة ، فإن جميع البشر ،هم مجرد عبيد في خدمة المختارين ، الغرائز لهم ، يسيطرون عليها ويوجهونها كما يشاؤون ، والعواطف يمكن ضبطها أو إطلاقهاحسب الحاجة ، والخدمة تشمل تقديم فروض الطاعة في القول كما الفعل ،لاشيء يتم دون حراسة الفئة المختارة وأمرها ،وبالتالي فلا غرابة ان تصرّ المقولات المقدسة على عبودية الإنسان وتمعن في ذلك كي لاتسمح لاحد من العبيد بالخروج من القطيع ، فالعبد ذات قاصرة لاتملك حقّ الولاية على  نفسها من دون راع مختار ومقدس بدوره .

من آخر الطبعات لتلك القداسة ، أن يقوم مهووس ما من أصناف العبيد ، بشتم صحابة مقدسين في التاريخ ، ربما تنفيساً عن غضب في سياق الهستيريا الجمعية ، وربما مدفوعاً  من طرف ما للدفع بالمزيد من الهستيريا الى الواجهة ، فتلقفها حراس الهيكل ، لينفخوا في صور الهستيريا لطرف آخر ويطالبوا بالتظاهر والإضراب والله اعلم بما فيها أو بعدها ، ضد من ياترى ؟؟ ضد شخص واحد لو قام بسب الذات الإلهية أو رسوله الأكرم ، ربما لم ينتبه أحد ، فالله ورسوله يسبّوا كل لحظة ، بل يجري إغضابهما بأعمال نهى الله ورسوله عنها ،ومنها قتل النفس التي حرم الله قتلها .

أن يُقتل أطفال في مدارسهم وتتطاير أشلاؤهم ممزقة ، فتلك مسألة فيها نظر ،أما أن يسّب عبد جاهل ، شخصيات عاشت منذ 1400 سنة أياً تكن درجة قداستها، فصيحة الله أكبر ، ولو قام عبد من الطائفة الأخرى بعمل مماثل ، لكانت النتيجة واحدة :صيحة  الله أركبر، وربما الدعوة الى الإنتقام ولو من أطفال أبرياء لاعلاقة لهم بكل مايجري ، فقد أهينت مقدسات عبوديتنا .

هل يمكن أن يكون هؤلاء سوى عبيد مجردون من كلّ مايمت الى العقل بصلة ولو بعيدة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *