دراسة نقدية مقارنة في سلوك القوى السياسية العراقية بين الزبائنية ومشروع المدينة
منذ عام 2003 لم يتاسس النظام السياسي العراقي على فكرة الدولة بوصفها اطارا للادارة والتنمية والعدالة بقدر ما تأسس على ادارة المصالح والهويات الفرعية واعادة انتاج الولاءات عبر منظومة معقدة من الريع السياسي والاقتصادي والطائفي.
القوى الحاكمة بمختلف عناوينها الطائفية والقومية والكلاسيكية لم تعتمد في شرعيتها على بناء المواطن بل على ادارة حاجته وابقائه ضمن دائرة الاعتماد المستمر على السلطة وعلى هذا الاساس تشكلت بنية سياسية قائمة على ما يمكن تسميته باقتصاد الازمات حيث تتحول الازمات الى ادوات حكم وتتحول معاناة المجتمع الى مورد سياسي قابل للاستثمار الانتخابي فالرواتب والتعيينات والرعاية الاجتماعية والعقود وحتى ملفات الامن والفساد لم تدار غالبا بوصفها استحقاقات دولة بل باعتبارها ادوات لاعادة انتاج الولاء السياسي والتحكم بالسلوك الانتخابي القوى التقليدية داخل النظام السياسي لم تكن معنية بانتاج مجتمع مستقل اقتصاديا او واع سياسيا لان استقلال المجتمع يعني بالضرورة تراجع الحاجة الى الزعيم والحزب والفصيل والوسيط السياسي. ولهذا جرى تكريس نموذج الزبائنية السياسية بوصفه الشكل الاكثر فاعلية لضبط المجال العام حيث يربط المواطن بوظيفته او عقده او راتبه او امتيازه مقابل الولاء الانتخابي والصمت الاجتماعي.
وقبيل كل انتخابات يعاد تدوير المشهد ذاته تصعيد طائفي واستثارة للهويات وتخوين متبادل وشعارات سيادية واتهامات بالعمالة والتطبيع ثم ما تلبث هذه التناقضات ان تذوب بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي لتعود الاطراف نفسها الى تقاسم السلطة والثروة والمؤسسات ضمن تفاهمات المصالح النفوذ هذا النموذج الكلاسيكي في ادارة السلطة لم يكن يواجه منافسة حقيقية داخل البيئة السياسية العراقية لان اغلب القوى المعارضة او الناشئة بقيت اسيرة الخطاب الاحتجاجي او العاطفي دون ان تقدم نموذجا عمليا مختلفا لادارة المجال العام لكن ما حدث في البصرة خلال السنوات الاخيرة يفتح بابا مهما للدراسة ليس بوصفه نموذجا ناجحا بالضرورة وانما بوصفه محاولة مختلفة جزئيا.

في اعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسياسة فتجربة اسعد العيداني وكتلة التصميم لم تعتمد بصورة رئيسية على الخطاب الطائفي التقليدي ولا على استحضار السرديات العقائدية التي اعتادت القوى الكلاسيكية استخدامها بل حاولت الانتقال نحو خطاب يرتكز على المدينة والعمران والبنى التحتية والخدمات.
وهنا تكمن اهمية التجربة وخطورتها في الوقت نفسه
اهمية التجربة انها قدمت للمجتمع البصري تصورا مختلفا عن السياسة تصورا يرتبط بفكرة الطرق والجسور والمتنزهات والمشاريع والاستثمار وتحسين المشهد الحضري اي انها نقلت التنافس السياسي ولو جزئيا من مجال الهوية الى مجال الانجاز المادي الملموس اما خطورتها بالنسبة للقوى التقليدية فتكمن في انها قد تؤسس تدريجيا لتحول وعي اجتماعي جديد ينتقل فيه المواطن من سؤال من يمثل طائفتي الى سؤال من يقدم نموذجا افضل للحياة هذا التحول ان تطور وتكرس سيهدد البنية العميقة للمنظومة الزبائنية التي تعيش عليها اغلب القوى السياسية لان مشروع المدينة بطبيعته ينتج مواطنا اكثر استقلالا واقل خضوعا لاقتصاد الحاجة والخوف لكن وفي المقابل فان هذه التجربة لم تكن خالية من التناقضات الجوهرية فالرؤية العمرانية التي طرحت داخل البصرة افتقرت الى العمق الاجتماعي والسياسي الكافي اذ بدا واضحا ان التركيز انصب على اعادة تشكيل الفضاء الحضري دون بناء مواز لشبكات الحماية الاجتماعية او سياسات العدالة الاقتصادية التي تحمي الفئات الهشة من اثار التحولات الاستثمارية والعمرانية.
كما ان التجربة لم تنجح في بناء مؤسسة سياسية حقيقية تتجاوز الفردانية والشخصنة فبدلا من تحويل المشروع الى مدرسة سياسية او تيار اصلاحي ممتد بقي مرتبطا بمركزية الزعيم الواحد الامر الذي جعله هشا امام التفاهمات التقليدية وضغوط النظام السياسي القائم وفوق ذلك لا يمكن تجاهل الانتقادات المتعلقة بالحريات العامة والتعامل مع الصحفيين والناشطين واستخدام ادوات السلطة التنفيذية بصورة تعكس استمرار الذهنية السلطوية ذاتها حتى وان اختلف شكل الخطاب او ادوات التسويق السياسي وهنا تظهر الاشكالية العراقية الكبرى حتى المشاريع التي تحاول الخروج جزئيا من عباءة الطائفية والزبائنية غالبا ما تعود لتحتوى داخل المنظومة نفسها بسبب غياب البناء المؤسسي الحقيقي وضعف الثقافة الديمقراطية وسطوة منطق السلطة على منطق الدولة ان ما يستحق التوقف عنده في تجربة البصرة ليس تمجيدها ولا شيطنتها بل قراءتها بوصفها مؤشرا لتحول اجتماعي وسياسي محتمل داخل العراق فالجمهور الذي منح صوته لهذا النموذج لم يكن بالضرورة ماخوذا بشخص الحاكم بقدر ما كان يبحث عن معنى مختلف للسياسة معنى يرتبط بالحياة اليومية.
والخدمات والمدينة والاستقرار والرفاه النسبي
وهذا بحد ذاته يمثل تحديا وجوديا للقوى التقليدية التي بنت نفوذها لعقود على ادارة الانقسام والخوف والفوضى
ان العراق اليوم لا يواجه ازمة اشخاص بقدر ما يواجه ازمة نموذج حكم نموذج قائم على استنزاف الدولة وادامة الريع وتفكيك المجتمع وابقاء المواطن داخل دائرة الحاجة السياسية المستمرة ولهذا فان اي مشروع اصلاحي حقيقي يجب الا يكتفي بانتاج عمران شكلي او واجهات حضرية بل ينبغي ان يؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمؤسسات والحريات والتنمية المستدامة وفصل السلطات وحماية الانسان من تغول السلطة والسوق معا.
فالدولة لا تبنى بالاسفلت وحده كما انها لا تبنى بالشعارات الطائفية والخطابات التعبوية الدولة تبنى حين يتحول المواطن من تابع داخل منظومة الزبائنية الى شريك كامل في الوطن والقرار والثروة والمستقبل.


