الاقتصاد السياسي العراقي ونموذج الاختيار العام: قراءة موسعة في الواقع الملموس

الاقتصاد السياسي العراقي ونموذج الاختيار العام قراءة موسعة في الواقع الملموس
يعرض الواقع العراقي بمنظور الاختيار العام: ريعية نفطية تُقيد المالية العامة، وسياسة نقدية تُدار لاستقرار سياسي، وجهاز إداري متضخم يخلق بطالة مقنّعة، وبيئة مؤسسية طاردة للاستثمار. ويخلص إلى ضرورة إصلاحات هيكلية ومؤسسات قوية واستقرار سياسي للتنمية....

1. المالية العامة والاعتماد الريعي

– هيمنة الإيرادات النفطية: أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية تأتي من النفط، ما يجعل الموازنة عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.

– العجز المالي الهيكلي: النفقات التشغيلية (رواتب، دعم، تحويلات) تستهلك معظم الإنفاق العام، بينما الاستثمار في البنية التحتية والتنمية محدود.

– نموذج الاختيار العام: القوى السياسية تتعامل مع الموازنة كأداة لتوزيع الريع على قواعدها الاجتماعية، مما يضعف الكفاءة الاقتصادية ويزيد الهدر.

2. السياسة النقدية والقطاع المصرفي

– ثبات سعر الصرف: البنك المركزي يعتمد سياسة تثبيت سعر الدينار مقابل الدولار، ما يحد من مرونة السياسة النقدية.

– ضعف القطاع المصرفي: البنوك التجارية تفتقر إلى أدوات تمويلية حديثة، وغالبًا ما تعمل كقنوات لتوزيع الرواتب الحكومية أكثر من كونها مؤسسات استثمارية.

– انعكاس الاختيار العام: القرارات النقدية تُبنى على اعتبارات الاستقرار السياسي والاجتماعي أكثر من كونها موجهة نحو تحفيز النمو أو التنويع الاقتصادي.

3. سوق العمل والبطالة المقنّعة

– التوظيف الحكومي المفرط: أكثر من نصف القوى العاملة ترتبط بالقطاع العام، ما يخلق بطالة مقنّعة ويضعف الإنتاجية.

– غياب القطاع الخاص الفاعل: ضعف البيئة الاستثمارية والبيروقراطية يعوق نمو القطاع الخاص.

– التحليل وفق الاختيار العام: القوى السياسية تستخدم التوظيف الحكومي كأداة لشراء الولاءات الاجتماعية، ما يؤدي إلى تضخم الجهاز الإداري على حساب الكفاءة.

4. الاستثمار الأجنبي والبيئة المؤسسية

– ضعف تدفق الاستثمارات الأجنبية: بسبب عدم الاستقرار السياسي، ضعف البنية التحتية، والفساد الإداري.

– الحاجة إلى إصلاحات مؤسسية: تعزيز الشفافية، حماية حقوق المستثمرين، وتبسيط الإجراءات الإدارية.

– منظور الاختيار العام: غياب الإرادة السياسية لتبني إصلاحات جذرية يعكس توازنات القوى التي تفضل الحفاظ على الوضع القائم لضمان استمرار النفوذ.

5. التحديات البنيوية والفرص المستقبلية

– التحديات: العجز المالي، ضعف التنويع، البطالة، والفساد المؤسسي.

– الفرص:

– تنويع الاقتصاد عبر الزراعة والصناعات التحويلية.

– تطوير قطاع الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على النفط.

– تعزيز الشراكات الإقليمية والدولية لفتح أسواق جديدة.

6.البعد الاجتماعي الاقتصادي

الاقتصاد العراقي لا يمكن فصله عن البنية الاجتماعية التي تتسم بالتنوع  رغم أنه مصدر ثراء ثقافي، أصبح في كثير من الأحيان عاملًا مؤثرًا في توزيع الموارد العامة.

– الإنفاق الاجتماعي: يتركز على دعم شرائح معينة أو مناطق محددة، مما يعزز التفاوت في التنمية بين المحافظات.

– الفقر والبطالة: نسب مرتفعة في بعض المناطق نتيجة ضعف الاستثمار وتراجع الخدمات الأساسية.

– منظور الاختيار العام: القوى السياسية تستثمر في هذا التفاوت لتعزيز نفوذها، عبر توجيه الموارد بما يخدم قواعدها الاجتماعية، وهو ما يضعف العدالة الاقتصادية ويكرس الانقسامات.

7. الاستقرار السياسي كشرط للتنمية الاقتصادية

الاقتصاد لا ينمو في بيئة مضطربة سياسيًا، والعراق مثال واضح على ذلك.

– التقلبات السياسية: تؤدي إلى تعطيل السياسات الاقتصادية طويلة الأمد، وتضعف ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.

– غياب الرؤية الاستراتيجية: يجعل القرارات الاقتصادية رهينة للأزمات السياسية الآنية.

– التحليل وفق الاختيار العام: استمرار حالة عدم الاستقرار يعكس صراع المصالح بين الفاعلين السياسيين، حيث تُقدَّم المكاسب قصيرة الأمد على حساب التنمية المستدامة

خاتمة

إن الاقتصاد السياسي العراقي يعكس بوضوح تداخل المصالح السياسية والاقتصادية، حيث تُستخدم الموارد العامة كأداة لإدارة التوازنات الاجتماعية والسياسية أكثر من كونها وسيلة لتحقيق التنمية. ويُظهر نموذج الاختيار العام أن القرارات الاقتصادية ليست محايدة، بل هي نتاج صراع مصالح بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين.

ولكي يتحول هذا الواقع، يحتاج العراق إلى إصلاحات هيكلية جادة تعيد صياغة العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وتضع المصلحة العامة فوق المصالح الفئوية، مع بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة الموارد بكفاءة وعدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *