يمثل المحور الاقتصادي والمالي في البرنامج الحكومي المطروح رؤية طموحة تهدف إلى كسر الجمود الهيكلي الذي يعاني منه الاقتصاد العراقي، حيث يرتكز المنهاج على استراتيجية التنويع الاقتصادي وبناء مرونة وطنية قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية، لا سيما التقلبات في أسواق الطاقة العالمية. إن التوجه نحو إعادة هيكلة الإنفاق العام وتعظيم الإيرادات غير النفطية عبر التحول الرقمي في الجباية يعكس إدراكاً عميقاً لخطورة الاعتماد الكلي على الريع النفطي، ويمثل نقطة قوة جوهرية تسعى لتصحيح المسار المالي للدولة من خلال ضبط النفقات الاستهلاكية وتوجيه الفوائض نحو الاستثمار المنتج.
وتبرز قوة البرنامج في تركيزه المكثف على إصلاح القطاع المصرفي كرافعة أساسية للتنمية، حيث يربط بين الكفاءة المصرفية والامتثال للمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مما يعزز من ثقة المؤسسات المالية الدولية ويفتح آفاقاً جديدة للاستثمار الأجنبي. كما أن تبني مبدأ التنافسية وتمكين القطاع الخاص ليكون المحرك الرئيس للنمو والتشغيل يمثل تحولاً نوعياً من اقتصاد تديره الدولة إلى اقتصاد السوق المنظم، وهو ما من شأنه أن يقلص مستويات البطالة ويخفف الضغط عن الموازنة العامة في بند الرواتب، مما يعطي مرونة أكبر للسياسة المالية في مواجهة الأزمات.
ومع ذلك، تظهر بعض نقاط الضعف التي قد تعرقل مسار التنفيذ، وأبرزها غياب السقوف الزمنية المحددة والآليات التفصيلية لترجمة هذه الأهداف إلى واقع ملموس، فبناء اقتصاد متنوع وتغيير الهيكل المالي يتطلب بيئة تشريعية معقدة وإرادة سياسية قادرة على مواجهة المصالح المتجذرة في الاقتصاد الريعي. كما أن الاعتماد على “رقمنة الجباية” كحل وحيد لتعظيم الإيرادات قد يصطدم بضعف البنية التحتية التكنولوجية والبيروقراطية الإدارية، مما قد يؤدي إلى فجوة بين الطموح والقدرة الفعلية على التحصيل المالي في المدى القصير.
أما فيما يتعلق بمدى قابلية التنفيذ، فإنها تظل مرهونة بقدرة الحكومة على تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي كشرط مسبق لجذب الاستثمارات وتفعيل الشراكات الدولية. إن المقترح الخاص بتأسيس مجالس عليا ( المجالس الاستشارية) يمنح البرنامج غطاءً مؤسسياً، لكنه يتطلب تنسيقاً عالياً بين السياسة المالية التي تديرها الحكومة والسياسة النقدية التي يديرها البنك المركزي لضمان عدم حدوث تضارب في الأهداف. أما صندوق الاجيال حسب المعطيات لايتم التصويت علية لعدم وجود توافق سياسي قبل أن يكون اقتصادي وفي الختام، يمتلك البرنامج مقومات النجاح من الناحية النظرية والأكاديمية، إلا أن نجاحه الفعلي يتوقف على التحول من “منهاج نوايا” إلى “خطة عملياتية” مدعومة بتخصيصات مالية دقيقة وجدول زمني صارم للمساءلة والتقييم.
يتلخص التحليل في أربعة أبعاد رئيسية مستقاة من بنود البرنامج:
حفظ الاستقرار المالي
يعتمد البرنامج على تأسيس “المجلس الأعلى للاستقرار المالي والنقدي” لضمان التنسيق بين السياستين المالية والنقدية، مع التركيز على برامج الانضباط المالي وإعادة هيكلة الإنفاق العام.
الإصلاح المؤسسي والمصرفي
يركز البرنامج على تسريع إصلاح القطاع المصرفي للامتثال للمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال، مما يعد ركيزة أساسية لجذب الاستثمارات الأجنبية.
التنويع الاقتصادي المستدام
يتضمن ذلك التوسع في استثمار المعادن والثروات الطبيعية غير النفطية وتأسيس “صندوق الأجيال” لحماية الحقوق المستقبيلة من الثروات الناضبة. بيئة الاستثمار والقطاع الخاص يهدف البرنامج إلى تفعيل “النافذة الواحدة” للهيئة الوطنية للاستثمار وتمكين القطاع الخاص عبر منع الاحتكار وتعزيز مبدأ التنافسية.


