منذ عام 2003، دخل العراق مرحلة تحوّل تاريخي عميق لم يقتصر على البنية السياسية والأمنية للدولة، بل طال البنية الثقافية والقيمية للمجتمع ذاته، فالاحتلال، وانهيار مؤسسات الدولة، والانفتاح المفاجئ على العالم (المعولم)، وتدفّق المنظمات الدولية، وانتشار الإعلام الرقمي، كلّها عوامل أسهمت في إحداث صدمة حضارية مركّبة في مجتمع خرج لتوّه من عقود من العزلة السلطوية والحروب والحصار.
هذه الصدمة لم تدار ضمن مشروع وطني ثقافي جامع، بل تركت تتفاعل بصورة عفوية داخل فضاء اجتماعي هشّ، ما أفضى إلى أزمة هوية وقيم تتجلّى اليوم في صراعات جيلية، وتناقضات سلوكية، واستقطابات أخلاقية متنامية.
ويمكن قراءة هذه الأزمة من خلال توظيف النموذج الحضاري الذي قدّمه المفكر وعالم الاجتماع المصري عبد الوهاب المسيري، ولا سيّما مفهوم “العلمنة الشاملة”، مع الاستئناس بأطر نقدية موازية، في مقدّمتها أطروحات الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن حول الحداثة والأخلاق، ومدرسة ما بعد الاستعمار في نقد الهيمنة الثقافية.
وتنطلق هذه الفرضية من أنّ ما يشهده العراق لا يمكن اختزاله في “تغيّر اجتماعي طبيعي”، بل يمثّل انتقالا قيميا غير مدار، يجري في سياق فراغ ثقافي وهشاشة مؤسسية، ما يجعل المجتمع أكثر قابلية لتلقّي نماذج جاهزة لا تنبع من شروطه التاريخية والثقافية الخاصة.
وتتحدّد إشكالية البحث في السؤال الآتي:
كيف يمكن لمفهوم العلمنة الشاملة والأطر النقدية المرتبطة به أن تسهم في تفسير عمق الأزمة القيمية و”الهوياتية” في عراق ما بعد 2003، وما السبل الممكنة لتأسيس حداثة محلية ذات مرجعية أخلاقية؟ ويقتصر التحليل على القراءة الحضارية-الثقافية للتحوّلات الكبرى، مع الإقرار بتنوّع التجربة العراقية واختلاف تجلّياتها باختلاف المناطق والمكوّنات والطبقات الاجتماعية.
-
العلمنة الشاملة كنموذج تفسيري
ميّز عبد الوهاب المسيري بين “العلمنة الجزئية” التي تفصل الدين عن بعض مجالات التنظيم السياسي والإداري، و”العلمنة الشاملة” التي تمتد لتطال الإنسان ذاته، فتقصي المرجعيات الغيبية والأخلاقية من مجمل مجالات الحياة، وتعيد تعريف الإنسان بوصفه كائنا مادّيا/أداتيا، لا مركز له خارج منطق المنفعة واللذّة والاستهلاك.
وفي هذا الإطار، لا تعود المسألة مقتصرة على الفصل المؤسسي بين الدين والدولة، بل تتحوّل إلى إعادة تشكيل للخيال الاجتماعي، وأنماط العيش، ومعايير الخير والشر، كما يبيّن المسيري في قراءاته النقدية لمسار الحداثة الغربية.
وتكمن أهمية هذا النموذج في قدرته على تفسير تحوّلات ثقافية تبدو للوهلة الأولى متفرّقة:
-تحوّل الجسد إلى مجال استهلاك وتمثيل رمزي (كما يتجلّى في انتشار خطاب “حقوق الجسد” وازدهار صناعات التجميل في مراكز المدن الكبرى بمعزل عن سياقها الفلسفي الأصلي).
– وتآكل المرجعيات الأخلاقية التقليدية، وصعود الفردانية المتطرّفة، وتسييل مفاهيم الأسرة والهوية.
ووفق هذا المنظور، لا تفهم هذه الظواهر بوصفها حوادث عرضية، بل باعتبارها نتائج بنيوية لمسار حضاري طويل أفرز حداثة منزوعـة القيم.
-
العراق بعد 2003 – مجتمع ما بعد الصدمة
يمثّل العراق حالة نموذجية لما يمكن تسميته “مجتمع ما بعد الصدمة الحضارية”، فبعد انهيار الدولة السلطوية، وجد المجتمع نفسه أمام انفتاح مفاجئ وغير متدرّج على منظومات قيمية وإعلامية واقتصادية عالمية، دون وجود مؤسسات قادرة على إدارة هذا الانتقال أو تأطيره ضمن مشروع ثقافي وطني، وترافق ذلك مع هشاشة اقتصادية وبطالة واسعة بين الشباب، ما جعل الفضاء الرقمي والإعلام “المعولم” أحد أهم مصادر تشكيل الوعي والخيال الاجتماعي.
في هذا السياق، لم تنتقل القيم الحديثة إلى المجتمع العراقي، في الغالب، بوصفها نتاجا لنقاش فلسفي أو تجربة تاريخية محلية، بل تستهلك بوصفها “أنماط حياة” ورموزا ثقافية مفصولة عن سياقاتها الأصلية (كما يظهر في استهلاك رموز ثقافية غربية في أنماط الملبس والموسيقى داخل بعض الفضاءات الحضرية في بغداد العاصمة وغيرها من مراكز المدن، بينما تبقى البنى الاجتماعية التقليدية فاعلة في الخلفية)، وقد أنتج هذا الاستهلاك الرمزي مفارقة مزدوجة:
– مظاهر حداثية في الشكل، مع فراغ نسبي في المعنى، ما يفاقم الإحساس بالاغتراب لدى فئات واسعة من الشباب، ويولّد في المقابل ردود فعل تقليدية متشدّدة لدى فئات أخرى.
-
الحداثة بلا أخلاق – من منظور طه عبد الرحمن
يقدّم الفيلسوف المغاربي طه عبد الرحمن نقدا جذريا للحداثة حين تفصل عن بعدها الأخلاقي، معتبرا أنّ استيراد النماذج المؤسسية والتقنية دون تأسيس أخلاقي عميق يفضي إلى حداثة مبتورة، عاجزة عن بناء إنسان متوازن وقادر على تحمّل المسؤولية الأخلاقية.
وفي الحالة العراقية، يظهر هذا الخلل واضحا في مشاريع “التحديث” التي تركّز على بناء مؤسسات إجرائية (كالانتخابات ومنظمات المجتمع المدني والإصلاحات القانونية)، دون أن تواكبها سياسات تربوية وأخلاقية تسهم في إعادة بناء الإنسان بوصفه فاعلا أخلاقيا، لا مجرّد فاعل قانوني أو مستهلك في سوق سياسي وإعلامي مفتوح.
وتسهم هذه الفجوة بين البنية المؤسسية والقيم الأخلاقية في تعميق أزمة الثقة بالدولة، إذ يشعر المواطن بأنّ القوانين والمؤسسات لا تعبّر بالضرورة عن منظومة قيمية جامعة، بل عن توازنات سياسية وضغوط خارجية في بعض الأحيان.
وهنا يلتقي نقد طه عبد الرحمن مع نموذج المسيري في تشخيص مخاطر “تشييء الإنسان” وتحويله إلى عنصر وظيفي داخل منظومة بلا مركز أخلاقي واضح.
-
الهيمنة الثقافية وما بعد الاستعمار
لا يمكن فهم التحوّل القيمي في العراق بمعزل عن علاقات القوة العالمية، فمدرسة ما بعد الاستعمار، كما لدى إدوارد سعيد وفرانز فانون، تظهر كيف تعاد إنتاج الهيمنة لا عبر السيطرة السياسية والاقتصادية فحسب، بل عبر تصدير نماذج معرفية وثقافية تقدّم بوصفها “كونية” و”طبيعية”.
وفي السياق العراقي، تتجلّى هذه الهيمنة الناعمة في أدوار بعض المنظمات الدولية والبرامج التدريبية التي تقدّم نماذج معيارية في قضايا مثل حقوق المرأة أو الديمقراطية، غالبا من دون تكييف كاف مع التعقيدات التاريخية والاجتماعية المحلية، فضلا عن الخطابات الإعلامية التي تروّج لمعايير قيمية جاهزة.
ولا يعني ذلك أنّ كلّ ما هو وافد من الخارج سلبي بالضرورة، انما يشير إلى أنّ غياب مشروع ثقافي وطني قادر على الانتقاء النقدي يجعل المجتمع عرضة:
– لتبنّي نماذج منزوعة السياق.
– أو رفضها كليًا في ردّ فعل دفاعي.
وفي كلتا الحالتين يعاد إنتاج نمط من التبعية الثقافية بدل بناء حداثة محلّية أصيلة.
-
نحو نموذج تفسيري للحالة العراقية
يمكن اقتراح نموذج تفسيري مركّب لما يجري في العراق تحت عنوان:
“الفراغ القيمي في مجتمع ما بعد الصدمة”
يقوم على تفاعل خمسة عوامل رئيسية:
– صدمة حضارية مفاجئة بعد 2003، على قاعدة تراكمية من الإرهاق المجتمعي.
-هشاشة الدولة وغياب مشروع ثقافي جامع.
-انفتاح إعلامي ورقمي غير مدار.
– انتقال قيمي من الخارج دون تكييف محلي نقدي.
– تآكل المرجعيات التقليدية دون قيام بدائل حديثة راسخة.
وينتج عن هذا التفاعل فراغ في “المركز القيمي”، يجعل المجتمع يتأرجح، وإن بدرجات متفاوتة، بين أنماط حداثية مستهلكة بلا عمق دلالي، وردود فعل تقليدية دفاعية، مع اتّساع فجوة الهوية بين الأجيال.
-
السيناريوهات المستقبلية
يمكن استشراف ثلاث مسارات محتملة:
– السيناريو السلبي:
استمرار الفراغ القيمي بما يفضي إلى مزيد من الاستقطاب الاجتماعي، وتآكل الثقة بالمؤسسات، وتحويل الشباب إلى فئات متنازعة بين تقليد سطحي للأنماط “المعولمة” وانغلاق هويّاتي دفاعي.
– السيناريو الوسطي:
نشوء توازن هشّ بين التقليد والتحديث، مع بقاء التناقضات القيمية دون حلّ جذري، واستمرار حالة الازدواج في الخطاب والسلوك.
– السيناريو الإيجابي:
بلورة مشروع ثقافي وطني في ظل حدّ أدنى من الاستقرار السياسي، يؤسّس لـ “حداثة عراقية أخلاقية”، تقوم على انتقاء نقدي من التجربة الحديثة، وتجديد الخطاب الديني والتربوي، وبناء سردية وطنية جامعة تعيد للإنسان مركزه الأخلاقي من دون انغلاق على العالم.
-
اخيرا
لا تكمن أزمة العراق اليوم في نقص الموارد أو الأفكار الوافدة بحدّ ذاتها، بل في غياب مشروع حضاري قادر على دمج القيم مع الدولة الحديثة ضمن رؤية ثقافية متماسكة.
إنّ استعادة المركز الأخلاقي للإنسان، وبناء خطاب ثقافي وطني منفتح نقديا على العالم، يشكّلان شرطا لازما للخروج من مأزق الفراغ القيمي، ويتطلّب ذلك مقاربة متكاملة تشمل:
– إصلاحا تربويا معمّقا، يراجع من خلاله المناهج الدراسية بما يعزّز الهوية الجامعة، والتفكير النقدي، والأخلاق المدنية، بدل الاكتفاء بالحشو المعرفي والتلقين.
– سياسات إعلامية وثقافية رشيدة، تدعم الإنتاج المحلي للمعنى والفن والأدب، وتسهم في تنظيم الفضاء الرقمي لحماية الجيل الناشئ من التدفّق الثقافي غير المدار، مع تشجيع الحوار النقدي.
– تجديد الخطاب الديني، ليكون قادرا على التفاعل مع الأسئلة الحديثة بلغة معاصرة، من دون انغلاق أو تسييس مباشر.
– تهيئة بيئة سياسية-اقتصادية داعمة، يصبح فيها المشروع الثقافي جزءا من رؤية دولة تسعى إلى تجاوز منطق المحاصصة والاقتصاد الريعي، بما يوفّر حدّا أدنى من الاستقرار الضروري لأي تحوّل قيمي عميق.
وعندها فقط يمكن للعراق أن يواجه تحدّي العلمنة الشاملة لا عبر الرفض الأيديولوجي، بل عبر بناء حداثته الأخلاقية الخاصة المنبثقة من تاريخه وتجربته وتطلّعات مجتمعه.
المصادر:
– المسيري، عبد الوهاب. قضايا الثقافة المعاصرة.
– المسيري، عبد الوهاب. في نقد العقل الغربي.
– عبد الرحمن، طه. الخطاب الإسلامي: قضايا الحداثة والمعاصرة.
– عبد الرحمن، طه. العقل الإسلامي نحو مشروع حضاري معاصر.
– سعيد، إدوارد. الثقافة والإمبريالية.
– فانون، فرانز. جلد أسود أقنعة بيضاء.
– التلّيسي، محمد. الثقافة والسلطة في العراق المعاصر.


