في خضمّ التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه العراق تبرز قضية استغلال الطاقات البشرية المؤهلة وتنظيم القطاعات الأهلية كحل استراتيجي لمحاربة البطالة وترشيد الموارد فالكليات والجامعات الأهلية تعاني من نقص حاد في الكوادر الإدارية والأكاديمية المؤهلة بينما هناك الالاف من خريجي الدراسات العليا عاطلين عن العمل. السؤال الجوهري هو لماذا لا تُطبق معايير الملاك الحكومي في التعيين داخل هذه المؤسسات الأهلية؟ فإلزامها بفتح أبواب التوظيف لحملة الشهادات العليا وفقاً لحاجاتها الفعلية والملاك ومنحهم الدرجات الوظيفية المستحقة سيكون ضربةً مزدوجة فهو من جهة سيقضي على أزمة البطالة بين الشريحة الأكثر تعليماً وتخصصاً ومن جهة أخرى سيرفع من مستوى الأداء والجودة والرصانة العلميه في تلك الجامعات عبر استقرار كادر دائم ومهني بدلاً من الاعتماد على العقود المؤقتة .
وهذا المنطق ذاته ينطبق على المدارس الأهلية التي تقدم خدمات تعليمية بأسعار مرتفعة بينما تدفع لمعلميها رواتب زهيدة لا تتعدى ٢٥٠ الف دينار شهريًا في كثير من الأحيان مما يدفع بالكفاءات إلى الهرب منها ويحولها إلى مجرد مشاريع تجارية ربحيه هزيلة التعليم. ان إلزام هذه المدارس بجدول رواتب يحفظ الكرامة المهنية للمعلم والمدرس وبمعايير تعيين تضمن كفاءة المدرسين هو استثمار في مستقبل الأجيال قبل أن يكون تنظيماً لسوق العمل والقضاء على البطاله .
وفي القطاع الصحي ايضا تتفاقم المشكلة بشكل كبير جدا فمع تاخر تعيين ذوي المهن الطبيه الدفعة ٢٣ وما بعدها الذين يعانون من عدم تطبيق القانون رقم ٦ لسنة ٢٠٠٠ الذي ينص على تعيينهم مركزيا تبرز اهمية حل مشكلتهم فالمستشفيات والمراكز الصحية الأهلية تعمل في كثير من الأحيان بطواقم قليلة جدا في الكوادر الطبيه و الخدمية والفنية بينما يمارس عدد كبير من الأطباء والصيادلة والتخصصات السانده العاملين في القطاع الحكومي ازدواجية حيث ينهون دوامهم الرسمي ليفتحوا عياداتهم الخاصة أو ليعملوا في مستشفيات أهلية مستفيدين من المال العام والخاص معاً ومستنزفين طاقاتهم مما ينعكس سلباً على جودة الخدمة في كلا القطاعين.
هنا تكمن الحاجة الماسة لتشريع قانون واضح وحازم يفرض على كل طبيب وصيدلي ومقدم خدمة صحية أساسية الاختيار بين العمل في القطاع العام أو القطاع الخاص مع منع الجمع بينهما بشكل تام. مثل هذا القانون سيحقق عدالة في توزيع الكوادر الطبية النادرة ويرفع من مستوى الخدمة في المستشفيات الحكومية عبر التفرغ الكامل ويجبر المستشفيات الأهلية على استكمال ملاكها الوظيفي بسد جميع الشواغر الخدمية والإدارية فيها بشكل إلزامي مما يخلق آلاف فرص العمل للشباب في المجال الصحي المساند.
إن تطبيق هذه الرؤية المتكاملة وتنظيم التوظيف في التعليم العالي الأهلي ورفع رواتب ومعايير التعليم المدرسي الخاص وإجبار المنشآت الصحية الأهلية على استكمال كوادرها ومنع الازدواجية الوظيفية في المهن الطبية ليس إجراءً إدارياً عادياً بل هو تحوّل استراتيجي كبير ومهم جدا فنتائجه ستكون عميقة ومتعددة: أولها امتصاص بطالة فئات متعلمة ومتخصصة وثانيها رفع جودة الخدمات المقدمة في التعليم والصحة الأهليين لتصبح رافداً حقيقياً للدولة وليس منافساً هزيلاً أو مستنزفاً وثالثها وأهمها ضرب أحد أوجه الفساد المستشري المتمثل بجمع المناصب والامتيازات بين القطاعين مما يعيد هيبة الوظيفة العامة ويضمن تفرغ الموظف لعمله وشعوره بالمسؤولية الكاملة تجاه مراجعه.
إنها حزمة متكاملة من الاصلاحات تحتاج إلى إرادة سياسية وتشريعية لتحويل القطاع الأهلي من مساحة للهدر واللامبالاة وانخفاض الجوده إلى شريك حقيقي في بناء الدولة وضمان حقوق العاملين والمواطنين على حد سواء.


