الخليج والشرق الأوسط على فوهة بركان والعراق في قوس العاصفة

قوس العاصفة بين الخليج والشرق الأوسط والعراق
قراءة في أزمات الخليج والشرق الأوسط، من غياب الأمن الإقليمي إلى دور المؤسسات الدولية وسؤال القرار المستقل في المنطقة...

قوس العاصفة من الخليج إلى الشرق الأوسط

لم يعد الخليج والشرق الأوسط مجرد مسرح لأزمات متفرقة. بل تحولا إلى قوس العاصفة الممتد بين التوترات والصراعات.

ويبدأ هذا القوس من إيران، ثم يمر بدول الخليج العربي. وتشمل هذه الدول السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين وسلطنة عمان.

ثم يمتد القوس نحو العراق واليمن وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين. كما يصل إلى مصر التي طالتها تداعيات الاستهداف والضغوط الأمنية والسياسية.

ومن هنا، لا تبدو المنطقة أمام أزمات منفصلة. بل أمام مشهد متشابك، تتداخل فيه الملفات العسكرية والاقتصادية والسياسية بصورة خطيرة.

هل نحن أمام مصادفات أم إعادة رسم للمنطقة؟

إن حجم الأزمات وتزامنها وتشابك ملفاتها العسكرية والاقتصادية والسياسية يثير سؤالاً مشروعاً. فهل يمكن أن تكون كل هذه الأحداث مجرد مصادفات سياسية؟

أم أنها جزء من عملية استراتيجية طويلة؟ وهل تدخل ضمن تخطيط لإعادة رسم توازنات المنطقة وإعادة توزيع النفوذ فيها؟

وسواء كانت هناك خطة مركزية واحدة، أو تفاعل بين مشاريع دولية وإقليمية متعددة، فإن النتيجة واحدة تقريباً.

فهناك دول تستنزف مواردها. وهناك شعوب تدفع ثمن الحروب. وهناك اقتصادات تتراجع، وأمن إقليمي يزداد هشاشة.

وفي الوقت نفسه، تتوسع دائرة التدخلات الخارجية. كما تزداد قدرة القوى الكبرى على فرض أجنداتها على دول المنطقة وشعوبها.

لماذا غابت منظومة الأمن الإقليمي؟

هنا يبرز سؤال أساسي لا يمكن تجاوزه. لماذا عجزت دول المنطقة عن بناء منظومة أمن إقليمي قادرة على حماية مصالحها المشتركة؟ألم يكن من الممكن أن يجتمع قادة المنطقة رغم اختلافاتهم؟ألم يكن ممكناً إطلاق حوار استراتيجي يمنع الانزلاق نحو المواجهة؟ألم تدرك الحكومات أن استمرار الصراع يعني استنزاف الجميع بلا استثناء؟وألم تدرك أن أي حرب في الخليج أو المشرق لن يكون فيها منتصر حقيقي؟

هذه الأسئلة لا تخص دولة واحدة داخل قوس العاصفة. بل تخص المنطقة كلها، لأن النار حين تشتعل لا تبقى داخل حدودها الأولى.

أين مجلس الأمن والأمم المتحدة؟

وأين مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة؟ فقد أُنشئت هذه المؤسسات أساساً لمنع الحروب وحماية السلم والأمن الدوليين.

ولماذا تبدو المؤسسات الدولية عاجزة أو انتقائية في التعامل مع أزمات المنطقة؟ فهي تتحرك بسرعة في ملفات، ثم تتباطأ أو تصمت في ملفات أخرى.

وهذا التباين يضع شرعية النظام الدولي أمام اختبار حقيقي. كما يفتح الباب أمام شعور واسع بأن العدالة الدولية ليست واحدة للجميع.

ومن هنا، تتعمق أزمة الثقة بالمؤسسات الدولية. فالدول والشعوب لا تنتظر بيانات فقط، بل تنتظر آليات تمنع الانفجار قبل وقوعه.

أين الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي؟

وأين الجامعة العربية؟وأين منظمة التعاون الإسلامي؟وأين مخرجات القمم العربية والإسلامية التي امتلأت بياناتها بالدعوات إلى التضامن والعمل المشترك؟

لقد بقيت هذه البيانات، في كثير من الأحيان، حبراً على ورق. ولم تتحول إلى آليات تنفيذية قادرة على احتواء الأزمات قبل انفجارها.

ولذلك يبقى السؤال مطروحاً بحدة. لماذا لم تتطور تلك القمم إلى أدوات عملية لحماية المنطقة من الانزلاق المتكرر نحو الصراع؟

إن غياب هذه الآليات جعل المنطقة أكثر هشاشة. كما جعلها أكثر قابلية لأن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين.

الفراغ الاستراتيجي والتدخلات الخارجية

لقد ترك الانقسام العربي والإسلامي فراغاً استراتيجياً واسعاً. واستغلت القوى الدولية والإقليمية هذا الفراغ لتوسيع نفوذها.

فأصبحت ملفات الأمن والطاقة والممرات البحرية، وحتى الاقتصاد، خاضعة في كثير من الأحيان لتوازنات خارجية.

ولم تعد هذه الملفات دائماً نتاجاً لإرادة دول المنطقة نفسها. بل صارت مرتبطة بحسابات القوى الكبرى ومصالحها المتحركة.

ومع استمرار هذا الواقع، أصبحت الثروات الطبيعية وأسواق الطاقة والممرات البحرية أوراقاً في صراع النفوذ الدولي.

وفي المقابل، تتحمل شعوب المنطقة كلفة العقوبات والحروب والتسلح والنزوح وتراجع التنمية. وهذا هو الوجه الإنساني القاسي للأزمة.

من الرابح ومن الخاسر؟

من الرابح من هذه الصراعات؟ وكم ستخسر المنطقة إذا استمرت في إدارة خلافاتها بالوكالة عن الآخرين؟

لقد أثبت التاريخ أن الأمن لا يُستورد. كما أثبت أن الاستقرار لا تفرضه القوى الخارجية، مهما امتلكت من أدوات ضغط.

بل تصنعه الإرادة السياسية لدول المنطقة عندما تضع المصالح المشتركة فوق الحسابات الضيقة. وهذا هو الدرس الذي تكرره الأزمات كل مرة.

فالخليج والشرق الأوسط يقفان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. إما الاستمرار في دوامة الاستنزاف والصراعات المفتوحة.

وإما الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على الحوار الإقليمي واحترام السيادة. كما تقوم على بناء منظومة أمن جماعي أكثر عدلاً وفاعلية.

وعندها يمكن تحويل الثروات من وقود للحروب إلى أدوات للتنمية. كما يمكن إخراج العراق والمنطقة من قوس العاصفة إلى مساحة استقرار أوسع.

أخيراً

متى يأتي اليوم الذي تُصنع فيه قرارات الشرق الأوسط في عواصمه؟ ومتى تستعيد دول المنطقة حقها في رسم مستقبلها بأيديها؟

أم سيظل مصير المنطقة مرهوناً بصراعات الآخرين ومصالحهم؟ هذا هو السؤال الذي يختصر أزمة الخليج والشرق الأوسط اليوم.

فإذا لم تمتلك دول المنطقة إرادة بناء أمنها المشترك، سيبقى الخارج قادراً على إدارة أزماتها. وسيبقى الشرق الأوسط واقفاً على فوهة بركان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *