لعبة الطوائف وسيناريو الحرب الجديدة
في مشهد يعيد خلط أوراق المنطقة، يلوح في الأفق سيناريو خطير يتجاوز حدود سوريا الضيقة.
يقوم هذا السيناريو على ما يزعمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من أنه أقنع إسرائيل بترك ملف حزب الله للفصيل السوري الجديد، ممثلاً بأحمد الشرع، المعروف بالجولاني، كي تتولى قواته تحييد الحزب أو القضاء عليه.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل تملك سوريا المنهكة، التي تنزف منذ أكثر من عقد، القدرة على خوض هذه المعركة؟
الإجابة المباشرة هي لا، بكل تأكيد. فقوات الجولاني، على الرغم من تماسكها النسبي، لا تمتلك الامتداد الشعبي، ولا العمق اللوجستي، ولا القدرة العسكرية التي تؤهلها لمواجهة آلة حزب الله القتالية.
لقد خاض حزب الله حروباً عصيبة على مدار سنوات، وراكم خبرة قتالية وتنظيمية واسعة.
ولذلك، فإن المسألة لا تتعلق بالقوة العسكرية وحدها، بل بما هو أكبر من صراع محدود على الأرض السورية أو اللبنانية.
هنا تبدأ لعبة الطوائف، حيث تتحول الحسابات العسكرية إلى مشروع أوسع لإعادة هندسة الصراع في المنطقة.
من مواجهة الأرض إلى الحرب المذهبية
ما يُحاك خلف الكواليس يبدو كأنه مؤامرة ممنهجة لإعادة إحياء الصراع المذهبي الأعمق في المنطقة.
إنه ذلك الصراع القديم بين السنة والشيعة، الذي حاولت دماء الثورات العربية أن تطفئ جذوته، لكنه يعود اليوم بأدوات جديدة.
إن تحويل مسار المعركة السورية من مواجهة لتحرير الأرض إلى حرب طائفية مفتوحة هو المشروع الخفي الذي يلوح في الأفق.
فإقناع إسرائيل بالانسحاب من المواجهة المباشرة مع حزب الله، وترك المهمة لقوات الجولاني، لا يبدو خطوة عسكرية بسيطة.
بل يبدو غطاءً لاستراتيجية أميركية ـ إسرائيلية ترمي إلى إشعال فتنة سنية شيعية كبرى.
وهذه الفتنة، إذا انفجرت، لن تلتهم طرفاً واحداً، بل ستجر الجميع إلى لهيبها.
ومن هنا، لا تظهر لعبة الطوائف بوصفها نتيجة جانبية للحرب، بل بوصفها أداة مركزية في إدارة الصراع.
إغراق المنطقة في مستنقع طائفي
إن إغراق المنطقة في مستنقع طائفي جديد يعني إعادة إنتاج الاصطفافات الإقليمية القديمة.
عندها ستقف إيران ومحورها في طرف، بينما ستقف تركيا ودول الخليج في الطرف الآخر.
ستكون سوريا ساحة المعركة الرئيسية، لكن تداعياتها لن تبقى داخل حدودها.
فاللبنانيون سيدفعون الثمن، والعراق سيتأثر، والخليج لن يبقى بعيداً عن ارتدادات النار.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالحرب الطائفية ليست كالحروب التقليدية، ولا تعرف فائزاً حقيقياً.
خاسرها الأول هو النسيج الاجتماعي العربي والإسلامي كله.
إنها لعبة أُعدت بدقة لإضعاف الجانبين، السنة والشيعة معاً.
والهدف أن تبقى المنطقة في حالة صراع دائم، تستنزف طاقاتها، وتستهلك قواها، وتمنع أي توازن حقيقي.
وفي هذا المشهد، تبقى إسرائيل والغرب بمنأى عن أي تهديد حقيقي، بينما يلتهم العرب بعضهم بعضاً.
سياسة خلق الأزمة لا حلها
ما نراه اليوم في التحركات الأميركية ليس سياسة لحل الأزمة، بل سياسة لخلق أزمة جديدة أكثر تعقيداً. فالهدف ليس إنهاء الصراع، بل زرع الفتنة، وإطالة عمر الحرب، وتكسير أي محور مقاومة يمكن أن يتشكل مستقبلاً.
إننا أمام مشروع تقسيم مذهبي للمنطقة، يُعاد صياغته تحت عناوين محاربة الإرهاب أو توسيع النفوذ.
لكن جوهر هذا المشروع يظل واحداً: إشعال النار في جسد الأمة، تماماً كما حدث في العراق.
والحقيقة الموجعة أن من يدفع الثمن هم الشعوب البريئة. أما من يحرك الخيوط في الخلف، فيراهن على أن الصراع الدائم هو الضمان الأكيد لاستمرار هيمنته.
لذلك، لا يجوز التعامل مع لعبة الطوائف كتحليل عابر. إنها آلية خطيرة لتفكيك المجتمعات، وتحويل الخوف المذهبي إلى وقود دائم للحرب.
سوريا ولبنان أمام فخ واحد
إذا اندفعت سوريا ولبنان نحو هذا السيناريو، فلن تكون المعركة مجرد مواجهة بين فصيل وحزب.
ستتحول إلى فخ إقليمي واسع، تُستدعى فيه الذاكرة المذهبية، وتُفتح فيه الجراح القديمة، وتُعاد صياغة العداوات تحت ضغط السلاح والدعاية.
وحينها لن يكون السؤال من يربح عسكرياً، بل من ينجو اجتماعياً. فالبلدان المنهكة لا تحتمل حرباً إضافية، ولا تستطيع شعوبها أن تدفع ثمناً جديداً بسبب مشاريع تُطبخ خارج حدودها.
إن تحويل حزب الله والجولاني إلى طرفي مواجهة مذهبية مفتوحة لا يخدم السوريين ولا اللبنانيين. بل يخدم من يريد دفع المنطقة إلى صراع داخلي طويل، يبدد قدراتها ويمنعها من بناء أي استقرار.
الوعي هو السلاح الأول
إن الوعي بطبيعة هذه اللعبة القذرة هو السلاح الأول لمواجهتها قبل أي سلاح آخر.
فالمشكلة لا تبدأ من البندقية فقط، بل من الفكرة التي تقنع الناس بأن جيرانهم هم الخطر الحقيقي، لا من يحرك النار من بعيد.
ولهذا، يجب كشف منطق الفتنة قبل أن يتحول إلى واقع دموي. كما يجب رفض تحويل سوريا ولبنان إلى ساحات تصفية حسابات أميركية ـ إسرائيلية، أو إلى مسرح لإعادة إنتاج الحرب السنية الشيعية.
فالمنطقة لا تحتاج إلى حرب طوائف جديدة، بل إلى وعي يقطع الطريق على من يريد إدارة شعوبها بالخوف والكراهية.
وكل خطاب يحول الخلاف السياسي إلى حرب مذهبية يخدم، بقصد أو من دون قصد، المشروع الذي يريد إبقاء العرب في دائرة الانقسام والاستنزاف.
الخلاصة
إن السؤال: من يقود حرب سوريا ولبنان الجديدة؟ لا يجيب عنه اسم واحد فقط.
فالقضية أكبر من أحمد الشرع، وأكبر من حزب الله، وأكبر من أي فصيل منفرد. إنها جزء من لعبة إقليمية ودولية، تستثمر في الطوائف كي تعيد تشكيل الخرائط والنفوذ.
وإذا لم تُفهم هذه اللعبة مبكراً، فقد تجد المنطقة نفسها أمام حرب لا رابح فيها.
حرب تُضعف السنة والشيعة معاً، وتدمر النسيج العربي والإسلامي، وتترك إسرائيل والغرب في موقع المستفيد الأكبر.
لذلك، فإن إسقاط لعبة الطوائف يبدأ من كشفها، ورفض الانجرار إلى منطقها، وفهم أن الصراع الحقيقي ليس بين مكوّنات الأمة، بل بين من يريد لها البقاء موحدة ومن يريدها غارقة في فتنة لا تنتهي.


