الخطة التجريبية الأمريكية في جنوب لبنان: إدارة إنسحاب أم هندسة إحتلال ناعم..!!؟

المناطق التجريبية في جنوب لبنان وهندسة الاحتلال الناعم
قراءة في الخطة التجريبية الأمريكية جنوب لبنان، بين الانسحاب الإسرائيلي الرمزي ودور الجيش اللبناني وسيناريوهات التدويل والانفجار...

المناطق التجريبية من وقف إطلاق النار إلى إدارة الفراغ

بعد عامين من القتال المدمر في جنوب لبنان، لم تعد واشنطن تكتفي بشعارات تطبيق القرار 1701. بل انتقلت إلى خطة عملية ميدانية تحمل اسم المناطق التجريبية.

تبدو الفكرة في ظاهرها بسيطة. فهي تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي، مقابل انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية.

لكن خلف هذه البساطة تكمن محاولة أمريكية لإعادة هندسة أمن الجنوب اللبناني بالكامل. وتريد واشنطن تحقيق ذلك من دون دفع كلفة باهظة.

وقد بدأ تنفيذ الخطة فعلياً في تموز 2026. وشمل التنفيذ ثلاث قرى حدودية هي فرون وصريفا وزوطر الغربية.

وبذلك أصبحت هذه القرى أول اختبار حقيقي لشكل ما بعد الحرب على حزب الله اللبناني. كما أصبحت نموذجاً أولياً لما تريد واشنطن تعميمه لاحقاً.

جوهر الخطة والمبادلة الأمنية المقننة

تقوم الخطة الأمريكية على معادلة أمنية جديدة لم تكن مطروحة من قبل. وهي أن السيادة اللبنانية لا تُستعاد دفعة واحدة.

بل تُستعاد على شكل دفعات متعددة، وفي مدد زمنية مختلفة. ولذلك اختار ثالوث واشنطن وتل أبيب وبيروت منطقة جغرافية صغيرة.

وهذه المنطقة مدمرة بالكامل، ولا تتجاوز مساحتها بضعة كيلومترات. وتنسحب إسرائيل منها بشكل رمزي، ثم تُسلَّم إحداثياتها إلى غرفة تنسيق ثلاثية.

وتضم هذه الغرفة عسكريين أمريكيين ولبنانيين وإسرائيليين. وبعد ذلك يدخل الجيش اللبناني فوراً لتمشيط المنطقة ومصادرة أي سلاح فيها.

فإذا مرت مدة معينة من دون أن يحدث اختراق، يجري الانتقال إلى منطقة جديدة. وهكذا تتحول الخطة إلى آلية متدرجة قابلة للتكرار.

فالهدف، بحسب هذا التصور، ليس احتلالاً مباشراً. بل خلق معادلة أمر واقع متدرج يصعب التراجع عنه لاحقاً.

الهدف الاستراتيجي: تفكيك حزب الله تدريجياً

تريد واشنطن تحقيق ثلاثة أهداف متزامنة من هذه الخطة. وكل هدف يرتبط بالآخر ضمن هندسة أمنية وسياسية واحدة.

الهدف الأول هو اختبار قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها. ويجري هذا الاختبار في مناطق كانت لعقود تحت سيطرة حزب الله.

أما الهدف الثاني، فهو حماية أمن شمال تل أبيب. كما يتصل بتسهيل تنقل القوات الإسرائيلية داخل هذه الرقعة الجغرافية.

أما الهدف الثالث، وهو الأهم، فهو دفع حزب الله إلى خيارين أحلاهما مر. فإما الانسحاب الطوعي جنوب الليطاني وتسليم ملف السلاح.

وإما تحمل مسؤولية تفجير الوضع الداخلي اللبناني. وهنا تكمن خطورة الخطة، لأنها تنقل الضغط من الميدان إلى الداخل.

فأمريكا لا تريد حرباً جديدة مع حزب الله. بل تريد أن ينهار سياسياً وعسكرياً تحت ذريعة استعادة سيادة الدولة اللبنانية.

أدوات التنفيذ: الجيش اللبناني والغطاء الدولي

لا تفكر واشنطن في إرسال قواتها إلى الجنوب اللبناني. فهي تحصر دورها في التمويل والتنسيق والضغط السياسي.

وفي المقابل، تضع واشنطن الرهان كله على الجيش اللبناني. وقد وصفه الرئيس عون في واشنطن بأنه العمود الفقري للاستقرار.

وفي الوقت نفسه، تسعى فرنسا إلى بلورة قوة دولية جديدة. وتريدها قوة أخف من اليونيفيل، وجاهزة مع نهاية ولايتها في نهاية 2026.

وتنحصر مهمة هذه القوة في المراقبة والتوثيق. وبذلك تصبح صورة الجنوب مركبة من عدة طبقات أمنية وسياسية.

فهناك جيش لبناني في الأمام. وهناك غطاء دولي في الخلف، وضغط أمريكي على الطاولة، وانسحاب إسرائيلي رمزي على الأرض.

نقاط الاشتباك وبذور الانفجار

رغم هدوء الخطة الظاهري، فإنها تحمل بذور ثلاث أزمات رئيسية. وقد تظهر هذه الأزمات عند أول اختبار ميداني أو سياسي.

الأزمة الأولى ميدانية. فقد تمثلت بإطلاق الجيش الإسرائيلي رصاصاً تحذيرياً على وحدات الجيش اللبناني في أول أيام التنفيذ.

وجاء ذلك بذريعة تجاوز المنطقة المتفق عليها. وهذا يعني أن التنسيق نفسه قد يتحول سريعاً إلى مصدر احتكاك مباشر.

أما الأزمة الثانية فهي سياسية. وتتعلق بموقف حزب الله، الذي قرأ الخطة قراءة صحيحة وفكك مضمونها.

فقد اعتبرها محاولة لنزع سلاحه بالتقسيط. كما رآها تسليماً للجنوب إلى الإدارة الأمريكية والإسرائيلية عبر بوابة الجيش اللبناني.

أما الأزمة الثالثة فهي إنسانية. فقد تحولت عشرات القرى إلى ركام بلا بنية تحتية، ولا ماء، ولا كهرباء.

وهذا يجعل عودة النازحين إليها شبه مستحيلة. وعندها تتحول المناطق التجريبية إلى مناطق أشباح، لا إلى مناطق استقرار.

السيناريوهات بين النجاح الهش والانفجار الشامل

هناك ثلاثة مسارات محتملة لنجاح الخطة أو فشلها. ويعتمد كل مسار على ردود الفعل الميدانية والسياسية والشعبية.

المسار الأول هو نجاح جزئي هش. وفيه تنجح الخطة في أربع أو خمس مناطق، ثم تتعثر عند القرى ذات الثقل الشعبي الكبير لحزب الله.

أما المسار الثاني، فهو الفشل الميداني. ويحدث ذلك إذا رفض حزب الله تسليم المناطق التي يسيطر عليها لأي جهة داخلية أو خارجية.

وعندها تفشل الخطة بالكامل. كما تتحول المناطق التجريبية إلى اختبار مكشوف لعجز واشنطن عن فرض ترتيباتها.

أما المسار الثالث، فهو التدويل. ويحدث إذا فشل الجيش اللبناني في المهمة، فتحول المناطق التجريبية إلى مبرر لبقاء إسرائيلي أطول.

كما قد يدفع ذلك باتجاه قوات دولية ذات صلاحيات واسعة. وقد يجري ذلك تحت بند الفصل السابع، بما يعني انتقال الأزمة إلى مستوى أخطر.

الخاتمة: معركة السيادة بالإدارة لا بالرصاص

الخطة التجريبية الأمريكية ليست غزواً مباشراً. كما أنها ليست احتلالاً متعدد الجنسيات بالمعنى التقليدي للكلمة.

بل هي أسلوب جديد في إدارة الصراع. ويقوم هذا الأسلوب على الاستنزاف الإداري لحزب الله بعد العجز عن إسقاطه بالحروب.

وستحاول واشنطن تفكيكه بالروتين الناعم. منطقة بعد أخرى، وقرار بعد آخر، حتى يصبح وجوده العسكري في الجنوب غير مبرر.

أما فشل الخطة، فيعتمد بالدرجة الأهم على صمود حزب الله. كما يعتمد على إدراك قيادته السياسية والعسكرية للمخططات الدولية والداخلية التي تُحاك ضده.

وفي المحصلة، تكشف المناطق التجريبية أن المعركة لم تعد ميدانية فقط. بل أصبحت معركة إدارة وسيادة وتفكيك تدريجي تحت عنوان الاستقرار.

وبكيف الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *