المال مجهول المالك وسؤال الفساد في العراق
تثير مقولة المال مجهول المالك في الفقهين السني والشيعي أسئلة كثيرة. فهي لا تقف عند حدود البحث الفقهي، بل تلامس واقع المال العام في عراق اليوم.
والسؤال الأهم هنا هو: ماذا تعني هذه المقولة في الفقهين السني والشيعي؟ وهل كان لها دور في تفاقم الفساد المالي والإداري ونهب المال العام وثروات الشعب العراقي؟
مناسبة هذا النص أنني أعدت نشر رابط فيديو للمرجع الشيعي السيد كمال الحيدري. وهو ممنوع حالياً من النشاط التدريسي والإفتائي والتصريح بآرائه.
كما يقيم السيد الحيدري في منزله بمدينة قم منذ سنة 2021. وجاء ذلك بسبب آرائه الجريئة في السردية الفقهية القديمة والمعاصرة.
ومع رابط مقتطع الفيديو، حررت بالكلمات بعض ما قاله الحيدري. وقد وردت الفقرة بالمعنى الآتي:
«هذه السرقات التي تُسرق من المال العام كلها بسبب وجود فتاوى فقهية تجيز ذلك، بل إن 99 بالمئة من الفتاوى الفقهية ترى أن الأموال الموجودة في البنوك كلها أموال مجهولة المالك، ومن يستطيع أن يأخذها فليأخذها كما يريد. وهذه فتاوى فقهية موجودة في أكثر الرسائل العملية».
وعلقت على كلامه بما معناه أن الفقهاء الذين يفتون بفتاوى كهذه، إن وجدوا، فهم شركاء للفاسدين في الحكم العراقي.
لم أذكر اسم أحد من الفقهاء في المنشور. كما أن السيد الحيدري لم يذكرهم بالأسماء في هذا المقتطع القصير من الفيديو.
ومع ذلك، كان الحيدري قد وثق كلامه بأسماء ومؤلفات الفقهاء المذكورين في المقابلة الكاملة.
وقد علق بعض الأصدقاء والصديقات على منشوري. وطالبني بعضهم بنشر فتاوى المرجع السيد السيستاني الخاصة بالموضوع.
وركزوا دفاعهم على المرجع السيد السيستاني. مع أن اسمه لم يرد في كلام الحيدري، ولا في تعليقي على الفيديو.
ورددت على بعضهم، ووضحت لهم المنشور الواضح. ورغم ذلك، يظل القول السائر صحيحاً: توضيح الواضحات من المعضلات الفاضحات.
فالكلام ليس لي، بل للسيد الحيدري. وإذا كانوا يحتجون بوجود فتاوى تنفي هذا المعنى، فليقدموا ما لديهم من فتاوى للاطلاع عليها.
لكنهم لم ينشروا شيئاً. لذلك أخذت الأمر على عاتقي، وقررت، رغم مشاغلي الكتابية المبرمجة، كتابة مقالة استقصائية قصيرة.
وتتناول هذه المقالة مقولة المال مجهول المالك في الفقهين السني والشيعي. كما تتناول الحكم الواجب فيه مع التوثيق المتاح.
أولاً: المال مجهول المالك في الفقه السني
سأبدأ أولاً بمقولة المال مجهول المالك ومتعلقاتها في الفقه السني. فالصورة هنا مبسطة أكثر، وتخلو غالباً من التعقيد.
يندرج حكم المال مجهول المالك في المذاهب السنية الأربعة تحت عناوين متعددة. ومن هذه العناوين اللقطة، والمال الضائع، والقصاص والودائع المنسية.
والحكم العام فيه هو وجوب الاحتفاظ بهذا المال من قبل من يعثر عليه. كما يجب الإعلان عنه، والتعريف ببعض صفاته لمدة معينة.
وتكون هذه المدة في حدود عام واحد. فإن لم يأت صاحبه ليستعيده، ومعه البينة والدليل، وجب صرفه في مصالح المسلمين.
كما يمكن التصدق به عن صاحبه عند اليأس من معرفة هذا الصاحب. ويقول بعض الفقهاء السنة، وهم قلة، إن هذه الأموال توقف أبداً.
أي تبقى إلى الأبد حتى يتبين أصحابها. لكن الصواب، بحسب الرأي الأول، صرفها على عامة فقراء المسلمين بعد عام.
والسبب في ذلك أن حبس المال دائماً لمن لا يرجى لا فائدة فيه. بل يعرض المال للهلاك أو لاستيلاء الظلمة عليه.
ونلاحظ هنا أن التصدق بهذا المال في الفقه السني يكون على عامة فقراء المسلمين. ولا يشترط أن يكونوا من المتدينين الفقراء، كما يشترط الفقه الشيعي في بعض صوره.
اللقطة والمال المنسي والوديعة
يرى الفقه السني أيضاً وجوب التفريق بين اللقطة والمال المنسي. فاللقطة هي المال الضائع في الطريق، الذي يجده شخص ويلتقطه.
أما المال المنسي في مكان مخصوص محروز، أو وديعة من توفي مورثه، فيسمى مالاً ضائعاً. ويترك أمره إلى ولي الأمر، أي الحكومة أو القاضي الإسلامي أو بيت المال.
ويجوز في المال المنسي والوديعة لمتوفى الحفظ للأمانة. ويبقى المال في يد الشخص الذي وجده كأمانة شرعية.
ولا يجوز له أن يتملكه لنفسه مباشرة، إذا كانت له قيمة أو علامة يعرفها صاحبه. كما يجوز التصرف به للمصالح العامة ووجوه البر والإحسان عند اليأس التام من الوصول إلى المالك الأصلي.
وهذا هو الحكم العام وفق المذاهب السنية الأربعة. مع وجود بعض الفروق الجزئية في التفاصيل بينها.
مواقف المذاهب السنية الأربعة
يرى المذهب الحنفي أن اللقطة والمال مجهول المالك يحفظ أو يتصدق به عن صاحبه. ولا يملكه الواجد تملكاً مطلقاً إذا كان غنياً.
وإذا ظهر صاحب المال بعد التصدق به، ضمنه الواجد له. أي يصبح ملزماً برد قيمته إلى المالك الأصلي.
أما المذهب المالكي، فيذهب إلى أن للواجد الحق في تملك المال بعد تعريفه سنة. كما يجيز له التصدق به.
وإذا جاء المالك بعد ذلك، ضمنه له الواجد. أي يرد له المال أو قيمته، لأن حق المالك لا يسقط.
أما الشافعية والحنابلة، فيذهب جمهورهم إلى أن لواجد المال الحق في تملكه بعد تمام السنة والتعريف. وتدخل اللقطة في ماله تلقائياً بشرط الضمان للمالك إن ظهر لاحقاً.
وعبارة بشرط الضمان للمالك تعني أن من تصدق بالمال أو تملكه وتصرف به، يجب عليه رده إلى المالك الأصلي إذا ظهر في أي وقت.
فحق المالك الأصلي باقٍ ولا يسقط بمرور الزمن. وهذه النقطة مهمة في فهم الفارق بين التصرف المشروع والاستيلاء غير المشروع.
ثانياً: المال مجهول المالك في الفقه الشيعي الاثني عشري
أما في الفقه الشيعي الاثني عشري، فالموضوع أكثر تعقيداً. لذلك ينبغي أن نبدأ بتعريف المقصود بمقولة المال مجهول المالك.
ويدور الجدل هنا حول ما إذا كانت هذه المقولة تشمل أموال الدولة. أي هل تشمل المال العام، ورواتب الموظفين، والأموال الموجودة في البنوك؟
ثم ننتقل بعد ذلك إلى الفتاوى الفقهية حول هذا المال. ونبحث كيف يجب التعامل معه والتصرف به.
وجدت على موقع المرجع السيد علي السيستاني سؤالاً يوجهه أحد المستفتين إلى المرجع. ويقول السؤال:
يرد التعبير بـ «مجهول المالك» عن أموال البنوك الحكومية والمشتركة مع الأهالي، ومطلق ما في أيدي الحكومة من أموال في الدول الإسلامية. فلماذا يعبّر عنها بالمال مجهول المالك؟ أليست هي أموال الشعب، وقد أكدتم مراراً على عدم جواز التصرف فيها بغير الطرق القانونية؟
ويأتي الجواب من المرجع معرفاً المقولة. فيقول إن مجهول المالك مصطلح فقهي يعبّر به عن الأموال الخارجية التي يكون لها مالك، ولكن لا سبيل إلى تشخيصه.
كما يضيف أن الأموال التي هي تحت تصرف الحكومة في الدول الإسلامية تنقسم إلى أقسام. وبكلمات أخرى، فالمال مجهول المالك عند المرجع السيستاني له مالك.
لكنه مالك لا سبيل إلى تشخيصه. ولم يقل الجواب لا سبيل إلى معرفته، فقد يكون المال معروفاً بكونه مالاً حكومياً أو مال الشعب.
غير أن الشعب والحكومة والأمة شخصيات اعتبارية لا حقيقية. ثم يعدد المرجع أنواع هذا المال وحكم كل قسم منها.
أقسام أموال الحكومة في جواب السيستاني
القسم الأول هو ما يكون ثمناً لما تبيعه الحكومة من المعادن المستخرجة من الأرض. ويشمل ذلك النفط والغاز والكبريت وغيرها.
كما يشمل ما تشتريه الحكومة بهذه الأموال من المصانع والبضائع والأدوية. ويشمل أيضاً ما تشيده من مستشفيات ومدارس وجامعات وسائر مؤسسات الدولة.
ويشمل غير ذلك مما تقتضيه مصلحة الشعب. وهذا القسم، بحسب الجواب، ليس مجهول المالك.
ويجب صرفه واستخدامه وفقاً للقانون. ويفترض في هذا القانون أن يكون مبنياً على رعاية العدالة بين أبناء الشعب.
أما القسم الثاني، فهو المال الذي تحصل عليه الحكومة من معونات ومساعدات وقروض خارجية أو داخلية. ويكون ذلك لموارد وأبواب معينة لمصلحة الشعب.
وهذا القسم أيضاً ليس من مجهول المالك. ويجب صرفه حصراً فيما خصص له.
أما القسم الثالث، فهو المال الذي تأخذه الحكومة من أموال المواطنين بعناوين مختلفة. وتشمل هذه العناوين المصادرات والضرائب والرسوم وغيرها.
ويحدث ذلك وفقاً للقانون، لكنه لا يطابق الشرع الحنيف. وهذا المال مجهول المالك في غالب الحالات.
لكن حيث يختلط هذا المال بأموال القسمين الأولين في المصارف والدوائر الحكومية وغيرها، ولا سبيل إلى تمييز بعضها عن بعض، يطلق على الجميع مجهول المالك.
وبكلمات أخرى، فإن المرجع السيستاني يعد هذا النوع، إذا اختلط بالنوعين الأولين، شاملاً لهما. فيصبحان مثله من قبيل المال مجهول المالك.
أما القسم الرابع، فهو ما تستورده الحكومة أو تصنعه من أسلحة غير دفاعية. كما يشمل الأدوات التي تستخدم في قمع المواطنين وسلبهم حقوقهم.
ويشمل كذلك كل ما لا ينفع المواطنين بل يضر بهم. ونلاحظ هنا غموض الحكم الخاص بهذا النوع.
فهل يعد هذا المال من المال مجهول المالك أم لا؟ والأرجح، بحسب قراءة النص، أنه يدخل ضمنه.
تعليق محرر الفتوى على أموال الدولة
يضيف الشارح أو محرر الفتوى في الصفحة نفسها تعليقاً مهماً. يقول فيه إن فتوى سماحة السيد السيستاني واضحة وصريحة.
ومضمون التعليق هو عدم جواز التصرف في شيء مما هو من أموال الدولة خارج نطاق القوانين النافذة، في حال من الأحوال.
وهذه العبارة تعني، استنباطاً، جواز التصرف في شيء من أموال الدولة ضمن نطاق القوانين النافذة.
لكن الأمر يحتاج إلى توضيح، كما أعتقد. لأن الناس قد تختلف في تحديد ما إذا كان هذا التصرف وفق القوانين النافذة أم لا.
وقد تختلف أيضاً في سؤال آخر: هل هذه القوانين متوافقة مع الشريعة كما يراها المرجع فلان الفلاني أم لا؟
ومن هذه الخلافات يمكن أن يتسرب الفاسدون بسهولة. فقد يخلطون الأوراق، ويحولون المال معلوم المالك إلى مال مجهول المالك.
ثم يجيزون لأنفسهم الاستيلاء عليه. وهنا تكمن خطورة الغموض الفقهي حين يدخل إلى المجال العام.
مظالم العباد ومجهول المالك
هناك سؤال مفيد يقول: ما الفرق بين مظالم العباد ومجهول المالك؟ وهل يختلفان في الحكم؟
ويأتي الجواب بأن مظالم العباد يعبر بها عما تشتغل به الذمة من حقوق ناس مجهولين. أما مجهول المالك، فهو المال الخارجي الذي يعود لشخص مجهول.
وحكمهما واحد من حيث وجوب التصدق بعد اليأس من التعرف على صاحب الحق. وهذا التعريف والحكم قريبان جداً من مفهوم اللقطة.
كما يقتربان من الحكم بالتصرف بها وفق المذاهب السنية الأربعة. لكن الخلافات تبرز بسبب تعدد أقسام المال مجهول المالك في المذهب الشيعي.
إذن عام في قبض مجهول المالك
نقرأ السؤال شديد الأهمية التالي على صفحة المرجع السيستاني أيضاً. يقول السؤال:
هل صدر من سماحتكم إذن عام لجميع من قلدكم في قبض مجهول المالك، أم الإذن خاص لمن يطلب ذلك؟
ويأتي الجواب: «قد أذنا لإخواننا المؤمنين وفقهم الله تعالى لمراضيه فيما يستلمونه من المؤسسات الحكومية أو المشتركة بالطرق القانونية أن يقبضوه من قبل موكلينا من الفقراء بنية التصدق عليهم ثم يتملكوه لأنفسهم. هذا في الرواتب ونحوها. وأما في الفوائد المصرفية وشبهها فقد أذنا لهم في تملك النصف منها بالطريقة المذكورة بشرط التصدق بالنصف الآخر على الفقراء المتدينين».
نفهم من هذا السؤال وجوابه أن رواتب موظفي الدولة وأموال الدولة عموماً، كما سيأتي تفصيله، تعتبر من الأموال مجهولة المالك.
لكن المرجع أفتى في رخصة عامة لجميع مقلديه بإباحة تملك هذا المال، أي هذه الرواتب.
أما الفوائد المصرفية، فيجب عليهم تملك نصفها فقط. كما يجب التصدق بالنصف الآخر على الفقراء، وتحديداً الفقراء المتدينين.
أما إذا كانوا فقراء مسلمين وغير متدينين، فلا يجوز التصدق عليهم بحسب هذا الفهم. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها.
توضيح محرر صفحة السيستاني
يكتب الشارح أو محرر الصفحة الخاصة بالمرجع توضيحاً إضافياً. يقول فيه:
نعم، تقع أموال الدولة والرواتب الحكومية من الناحية الفقهية ضمن حكم المال مجهول المالك. لكن سماحة السيد السيستاني قد أمضى، أي أنفذ، جميع عقود التوظيف الرسمية.
وبناءً على ذلك، أصدر سماحته إذناً عاماً لجميع الموظفين بقبض هذه الرواتب وتملكها قانونياً وشرعياً، دون الحاجة إلى إذن خاص.
ومادام الحديث عن الرواتب، فهناك سؤال مهم يتعلق بالموظف المعين بشهادة مزورة. ونجد السؤال على موقع شبكة آل البيت موجهاً إلى المرجع السيستاني.
يقول السؤال: أعرف شخصاً يعمل في تزوير شهادة جامعية، فهل الأموال التي يحصل عليها حرام؟
ويأتي الجواب: «التزوير وإن لم يجز، إلا أن العمل والراتب محللان إذا لم يظهر نفسه خبيراً في ما لا خبرة له».
ويحق للمواطن العراقي البسيط أن يتساءل هنا. أليس في هذا الكلام تشجيع على تزوير الشهادات العلمية؟
كما يحق له أن يسأل: ألا يوفر هذا الجواب حماية فقهية لمن يتعينون بهذه الشهادات، أو ينتخبون أعضاء في مجلس النواب؟
موقف المرجع اليعقوبي
أما المرجع اليعقوبي، الذي يوصف بأنه المرشد الروحي لحزب الفضيلة الإسلامي، فله رأي خاص في المال مجهول المالك.
فهو يقول: «لا نوافق على تسمية الأموال العامة بمجهول المالك لأنها ملك للشعب، ولا يجوز لأي أحد التصرف فيها حتى للحكومة إلا وفق القوانين المقررة لحفظ مصالح المواطنين وازدهار البلد. وأي قانون يسمح بصرف مال لشخص أو جهة خارج إطار هذه المصالح العليا فإنه باطل».
لكن بعض المهتمين بالشأن الفقهي، مثل د. جعفر تقي القزويني، فهم موقف اليعقوبي في فتاوى أخرى بطريقة مختلفة.
فقد رأى أن اليعقوبي يبيح الاستيلاء على المال العام تحت عباءة وعمامة الدين والفتوى. ويشير النص إلى رابط يحيل إلى مقالة في الهوامش.
موقف الشيخ باقر الإيرواني
أما الشيخ باقر الإيرواني، فيرى أن أموال التعويض التي تعطيها الحكومة لأصحاب الدور والأراضي المهدومة وما شابه ذلك، تعد أموالاً مجهولة المالك.
أي إنها ليست من حق أصحاب الدور المهدمة والأراضي المستولى عليها كتعويض. وهذا أمر لا سبيل إلى فهمه أو تبريره عقلياً، بحسب قراءة الكاتب.
ويحيل النص إلى رابط فيديو مذكور في الهوامش. وهذا المثال يبرز كيف يمكن أن تتحول التعويضات إلى مجال جدل فقهي شديد الخطورة.
موقف المرجع إسحاق الفياض
نأتي الآن إلى موقف المرجع إسحاق الفياض. فقد طرح رأياً يقضي بحلية أموال مصارف الدولة الآتية من الخارج.
وقد تكون هذه الأموال قروضاً أو عائدات من بيع النفط وسواه. ويقول الموقف بإمكان تملكها بالاستيلاء والحيازة بعد التصدق بقسم منها.
ويقول حرفياً: إذا أخذ المؤمن الموالي المال من البنوك، فإن علم أنها من الأموال التي أرسلت من الخارج، ولم تقع في يد المسلمين بعد، فهي ملك طلق له، يملكه بالاستيلاء والحيازة.
وأما إذا علم أنها أموال غيره، إما بالنصف أو الثلث أو الربع أو الخمس أو السدس، فعليه أن يتصدق بهذا المقدار إلى الفقراء بعنوان مجهول المالك بإذنه طبعاً، والزائد عليه يتصرف به.
ويحيل النص هنا إلى الرابط الرابع في الهوامش. ويرى الكاتب أن هذا الموقف واضح في إجازة الاستيلاء على أموال مصارف الدولة الآتية من الخارج.
رأي شخصي في الدولة والمال العام
أعتقد أن رأيي الشخصي يهمني أنا فقط كمواطن. فأنا لست مرجعاً، ولا حتى متديناً.
ومع ذلك، فمن حقي أن أعبر عنه كرأي شخصي أمام أصدقائي. وخطه العريض أن الدولة العراقية اليوم دولة مأزومة.
وتقود هذه الدولة حكومة رجعية لصوصية تابعة للأجنبي في كل شيء. وهي ضعيفة وقائمة على أساس الهويات الفرعية الطائفية والعرقية.
هذه الحكومة ليست فاسدة بطبيعتها المكوناتية فحسب. بل هي مفسدة ومشجعة على الفساد والنهب والسرقة.
ولا بد، بالتالي، من معالجة الأصل والجذر في هذا الوضع. ويكون ذلك بإعادة بناء الدولة وحكومتها على أسس الهوية الوطنية العراقية المستقلة.
كما يجب إعادة كتابة الدستور وفق هذا المبدأ. وبعد ذلك لن يكون لدعاة الاستيلاء على أموال الدولة بحجة أنها مجهولة المالك أي تأثير واسع.
وسيُعاقب هؤلاء لأنهم يشجعون ويحرضون على سرقة ونهب المال العام وثروات الشعب. ومن يحرض ويبرر دينياً أو سياسياً السرقة والنهب أخطر من السارق والناهب.
يمكن لرجال الدين أن يشتغلوا على هذه الأمور والمقولات في باب البحث الفقهي النظري. ويكون ذلك في حوزاتهم ومدارسهم وتكياتهم.
لكن يجب أن يحظر عليهم الترويج لها والدعوة إلى تطبيقها في الشارع العراقي، إذا كانت تدعو إلى الاستيلاء غير المشروع على أموال الدولة وثروات الشعب.
ويشمل ذلك أموال المصارف وغيرها. فالشارع العراقي شارع تعددي، لا يقبل القسر والفرض والإجبار إلا من قبل دولة تقوم على عقد اجتماعي يرتضيه الجميع.
كما ينبغي منع رجال الدين والمراجع من التدخل في الشأن العام والسياسي كجهات دينية لها جمهورها.
ومع ذلك، يجب ضمان حقهم في النشاط السياسي كمواطنين أفراد. لا كواجهات وزعامات سياسية دينية تستخدم الولاء الديني الطائفي الممزق لوحدة الدولة والمجتمع.
الصدقة والفقراء بين الفقه والتصوف
أما بخصوص اشتراط الفقه السني أن تذهب أموال الصدقة إلى فقراء المسلمين، فقد زاد الفقه الشيعي شرطاً آخر.
إذ اشترط أن تذهب إلى فقراء المسلمين المتدينين. وأعتقد أن التصوف القطباني غير المتمذهب أقرب إلى الجوهر الإنساني للأديان.
فقد جعل التصوف الصدقة تذهب إلى الفقراء دون تمييز ديني أو شروط. وقد وردت مروية في سيرتهم بقصد المثلنة، أي ضرب المثال للاعتبار والتأسي.
وخلاصة المروية أن أحدهم، وأظنه القطب بشير الحافي إن لم تخني الذاكرة، أحضر إلى بيته شيخاً فقيراً جائعاً.
وكان الشيخ قد طلب منه أن يطعمه، فأطعمه وسقاه. ثم وهو يجاذبه أطراف الحديث سأله عن دينه.
وحين ذهب بشر إلى النوم، تجلى له الحق في الرؤيا. وقال له: يا بشر، نحن نرزق هذا الشيخ سبعين عاماً ونطعمه ونسقيه، ولم نسأله عن دينه.
وأنت أطعمته مرة واحدة وسألته عن دينه. أفهذه هي فتوة الفقراء، أي الصوفية؟
خلاصات من المقالة حول مجهول المالك
هذه خلاصات من مقالتي حول المال مجهول المالك. أوردها لأن بعض أصحاب التعليقات يريدون قلب جوهر توجه المقالة لتأكيد أحكامهم المسبقة دفاعاً عن رموزهم ومراجعهم.
أولاً، إن المال مجهول المالك حين يختلط بالأموال غير مجهولة المالك من القسمين الأولين في المصارف والدوائر الحكومية وغيرها، يتحول إلى مال مجهول المالك.
ولا سبيل إلى تمييز بعضها عن بعض، ولذلك يطلق على الجميع مجهول المالك. وبكلمات أخرى، فإن المرجع السيستاني يعد هذا النوع إذا اختلط بالنوعين الأولين شاملاً لهما.
ويكونان مثله من قبيل المال مجهول المالك. ومعروف أن المال مجهول المالك يمكن الاستيلاء عليه بعد التصدق بقسم منه.
ثانياً، حول موضوع التصرف بالمال مجهول المالك بموجب القوانين النافذة، يحتاج الأمر إلى توضيح.
فالناس ستختلف في قضية هل هذا التصرف وفق القوانين النافذة أم لا. وستختلف أيضاً في سؤال هل هذه القوانين متوافقة مع الشريعة كما يراها المرجع فلان الفلاني أم لا.
ومن هذه الخلافات قد يتسرب الفاسدون بسهولة. فيخلطون الأوراق، ويحولون المال معلوم المالك إلى مال مجهول المالك، ثم يجيزون الاستيلاء عليه.
ثالثاً، قال المرجع السيستاني: «قد أذنا لإخواننا المؤمنين وفقهم الله تعالى لمراضيه فيما يستلمونه من المؤسسات الحكومية أو المشتركة بالطرق القانونية أن يقبضوه من قبل موكلينا من الفقراء بنية التصدق عليهم ثم يتملكوه لأنفسهم، هذا في الرواتب ونحوها. وأما في الفوائد المصرفية وشبهها فقد أذنا لهم في تملك النصف منها بالطريقة المذكورة بشرط التصدق بالنصف الآخر على الفقراء المتدينين».
رابعاً، نفهم من قول المرجع السيستاني هذا أن رواتب موظفي الدولة وأموال الدولة عموماً تعتبر من الأموال مجهولة المالك.
لكنه أفتى في رخصة عامة لجميع مقلديه بإباحة تملك هذا المال، أي هذه الرواتب.
خامساً، جاء جواب المرجع السيستاني على سؤال حول عمل الموظف بشهادة مزورة بهذه العبارة: «التزوير وإن لم يجز إلا أن العمل والراتب محللان إذا لم يظهر نفسه خبيراً في ما لا خبرة له».
ومعنى هذا الكلام بوضوح شديد أن العمل وقبض الراتب بشهادة مزورة جائز. لكن التزوير بحد ذاته غير جائز.
سادساً، يرى الشيخ باقر الإيرواني أن أموال التعويض التي تعطيها الحكومة لأصحاب الدور والأراضي المهدومة وما شابه ذلك أموال مجهولة المالك.
أي إنها ليست من حق أصحاب الدور المهدمة والأراضي المستولى عليها. وكلامه واضح، بحسب الكاتب، في إباحة الاستيلاء على أموال التعويضات من قبل الآخرين.
كما لا يعتبر هذا الاستيلاء سرقة. وهذا، في قراءة الكاتب، تشجيع وشرعنة لجريمة السرقة.
سابعاً، موقف المرجع إسحاق الفياض واضح أيضاً. فهو يجيز الاستيلاء، أي السرقة بحسب تعبير الكاتب، على أموال مصارف الدولة الآتية من الخارج.
وقد تكون هذه الأموال قروضاً أو عائدات من بيع النفط وسواه. ويتم ذلك بالاستيلاء والحيازة بعد التصدق بقسم منها.
ويقول حرفياً: إذا أخذ المؤمن الموالي المال من البنوك، فإن علم أنها من الأموال التي أرسلت من الخارج، ولم تقع في يد المسلمين بعد، فهي ملك طلق له، يملكه بالاستيلاء والحيازة.
وأما إذا علم أنها أموال غيره، إما بالنصف أو الثلث أو الربع أو الخمس أو السدس، فعليه أن يتصدق بهذا المقدار إلى الفقراء بعنوان مجهول المالك بإذنه طبعاً، والزائد عليه يتصرف به.
هوامش
1- رابط يحيل إلى موقع المرجع السيستاني. انسخ الرابط ثم ألصقه على محرك البحث إن لم ينفتح بالنقر عليه:
https://www.sistani.org/arabic/qa/0714/
2- الشيخ اليعقوبي يبيح الاستيلاء على المال العام تحت عباءة وعمامة الدين والفتوى:
https://akhbaar.org/home/2022/2/291763.html
3- الشيخ باقر الإيرواني: أموال التعويض التي تعطيها الحكومة لأصحاب الدور والأراضي المهدومة تكون مجهولة المالك:
https://www.facebook.com/reel/27823532587232636
4- الشيخ الفياض: أموال مصارف الدولة تُملك بالاستيلاء والحيازة:
https://www.facebook.com/reel/1336895848544313


