هل يتحول العراق إلى بديل استراتيجي لمضيق هرمز؟ قراءة في المشروع الأميركي وتداعياته

بديل مضيق هرمز والممر العراقي إلى أوروبا
قراءة في المشروع الأميركي لتحويل العراق إلى بديل مضيق هرمز، عبر إحياء خط كركوك ـ بانياس، وتفعيل طريق التنمية، وتقليص نفوذ إيران في ممرات الطاقة...

بديل مضيق هرمز وسؤال العراق الجديد

يمثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط والغاز، الورقة الأهم في يد إيران. وتستخدم طهران هذه الورقة كأداة ضغط جيوسياسية على العالم.

لكن إغلاق المضيق خلال الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران كشف هشاشة هذا الشريان الحيوي. كما أعاد إحياء مشاريع قديمة كانت في طي النسيان.

وفي مقدمة هذه المشاريع تبرز رؤية أميركية طموحة، تهدف إلى جعل العراق بديل مضيق هرمز في ممر حيوي يمتد من الخليج العربي إلى أوروبا عبر سوريا وتركيا.

ومن هنا، لم يعد السؤال اقتصادياً فقط. بل أصبح سؤالاً جيوسياسياً يتعلق بموقع العراق، وبمستقبل نفوذ إيران، وبقدرة واشنطن على إعادة تشكيل خطوط الطاقة والتجارة في المنطقة.

المشروع الأميركي وخط كركوك ـ بانياس

يقف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توم باراك، في مركز هذه الرؤية. فهو يروج لإعادة تأهيل خط أنابيب كركوك ـ بانياس.

ويبلغ طول هذا الخط 800 كيلومتر. كما أنه متوقف منذ أكثر من عقدين.

وتريد واشنطن أن يتحول الخط إلى نافذة تصدير عراقية وخليجية نحو البحر المتوسط. وبذلك، يبتعد جزء من صادرات الطاقة عن قبضة إيران على مضيق هرمز.

غير أن المشروع لا يتوقف عند خط الأنابيب وحده. بل يمتد إلى شبكات برية وسكك حديدية، وفي مقدمتها مشروع «طريق التنمية».

يربط هذا الطريق ميناء الفاو الكبير جنوب العراق بالحدود التركية شمالاً، ثم يمتد من هناك إلى أوروبا. وبذلك، يتحول العراق إلى بوابة تجارية تربط الخليج بالعالم الغربي.

وهنا تتضح وظيفة العراق بوصفه بديل مضيق هرمز: ليس فقط عبر النفط، بل عبر شبكة ممرات طاقة وتجارة ومواصلات.

أهداف واشنطن من بديل مضيق هرمز

يحمل هذا المشروع الطموح، الذي تشارك فيه شركات كبرى مثل شيفرون وتوتال إنرجيز، أهدافاً أميركية واضحة.

أول هذه الأهداف هو تقليص الاعتماد العالمي على مضيق هرمز.

أما الهدف الثاني، فهو تجريد إيران من ورقة الضغط الوحيدة التي تملكها في هذا الملف.

ويتمثل الهدف الثالث في فك النفوذ الإيراني عن العراق، عبر ربطه اقتصادياً وأمنياً بالولايات المتحدة وحلفائها.

لذلك، لا يمكن قراءة هذا المشروع كاستثمار في البنية التحتية فقط. فهو مشروع جيوسياسي كامل، يريد أن يعيد توجيه العراق من موقع الدولة المحصورة بين الضغوط الإقليمية إلى موقع الممر الاستراتيجي بين الخليج وأوروبا.

توم باراك وعراق ما بعد النفوذ الإيراني

تشير المعطيات إلى أن واشنطن لن تترك هذا الملف للصدفة.

فتوم باراك، الذي وصف العراق بأنه «فشل سياسي كلف 3 تريليونات دولار»، يعمل على ترجمة مقاربته إلى واقع ملموس.

ويستغل باراك دعمه لرئيس الوزراء علي الزيدي، من أجل الحد من نفوذ الفصائل المسلحة، وفتح قطاع النفط أمام الشركات الأميركية.

وفي هذا السياق، تثار طروحات حول «إنهاء فكرة إقليم كوردستان» وإعادته إلى سلطة بغداد المركزية.

وتندرج هذه الطروحات، وفق هذا المنظور، ضمن تسهيل عملية ربط المواصلات والطرق من الخليج إلى أوروبا عبر العراق.

وقد تبدو هذه الأفكار بعيدة المنال. لكنها تعكس نية أميركية لإعادة رسم الخريطة السياسية للعراق، بما يخدم الممر الجديد.

ومن هنا، يصبح مشروع بديل مضيق هرمز مرتبطاً بسؤال أعمق: هل تريد واشنطن تطوير البنية التحتية فقط، أم تريد أيضاً تعديل هندسة السلطة والجغرافيا السياسية داخل العراق؟

العقبات الأمنية في الأنبار وشرق سوريا

لكن الطريق إلى هذا البديل محفوف بعقبات جسيمة.

فخط الأنابيب المقترح سيمر عبر محافظة الأنبار غرب العراق، وشرق سوريا. وما تزال هذه المناطق تعاني من وجود خلايا نائمة لداعش.

وهذا يشكل خطراً أمنياً كبيراً على أي استثمار طويل الأمد.

كما أن الاستقرار في سوريا ما زال هشاً بعد حرب أهلية دامية. ولذلك، فإن أي شركة تدخل في هذا المشروع تراهن عملياً على قدرة الحكومة السورية الجديدة على ضمان الأمن.

وبالتالي، لا يكفي توقيع الاتفاقات أو إعلان الخطط. فالممرات الاستراتيجية تحتاج إلى أمن دائم، وإدارة حدود فعالة، وتنسيق سياسي عابر للدول.

ومن دون ذلك، قد يتحول خط الطاقة من فرصة اقتصادية إلى هدف مفتوح للصراع والتخريب.

عقدة كوردستان ومخاطر الداخل العراقي

الأهم من ذلك، أن أي محاولة لتغيير جذري في الهيكل السياسي العراقي أو تجاهل مطالب الأكراد قد تؤدي إلى مواجهات داخلية.

وقد تعيد هذه المواجهات البلاد إلى مربع الفوضى.

وهذا الاحتمال كفيل بتقويض أي مشروع اقتصادي طموح، مهما بلغ حجمه أو الدعم الدولي المحيط به.

فالعراق لا يحتاج فقط إلى ممرات وسكك وخطوط أنابيب. بل يحتاج أيضاً إلى توازن داخلي يحمي هذه المشاريع من التحول إلى أسباب صراع جديدة.

لذلك، فإن مشروع بديل مضيق هرمز لا يختبر الجغرافيا العراقية فقط. بل يختبر قدرة النظام السياسي العراقي على إدارة التوازنات بين بغداد، وكوردستان، والأنبار، والقوى المسلحة، والمصالح الإقليمية والدولية.

بين الطموح الأميركي والواقع العراقي

يبدو السيناريو الجيوسياسي لتحويل العراق إلى بديل عن مضيق هرمز مثيراً لشهية الأميركيين والأوروبيين.

فهو يقدم حلاً لطالما بحثوا عنه لتجريد إيران من أوراق الضغط، وتقليل أثر أي إغلاق محتمل للمضيق.

لكن نجاح هذا المشروع يتوقف على مدى قدرة واشنطن على إحداث التوازن الدقيق بين طموحاتها الجيوسياسية وواقع العراق المعقد.

كما يتوقف على سؤال أكثر حساسية: هل ستأتي التغييرات الجذرية المطلوبة من إرادة عراقية حقيقية؟ أم ستُفرض بآلة أميركية؟

إذا جاءت هذه التغييرات من توافق وطني عراقي، فقد يتحول العراق إلى ممر طاقة وتجارة يرفع مكانته الاقتصادية والاستراتيجية.

أما إذا فُرضت من الخارج، فقد يتحول العراق من ممر للطاقة إلى ساحة صراع جديدة.

خلاصة المشروع وتداعياته

إن تحويل العراق إلى بديل مضيق هرمز ليس مشروع أنابيب فقط. بل هو مشروع لإعادة تعريف وظيفة العراق في النظام الإقليمي والدولي.

فهو يربط النفط بالسكك الحديدية، والموانئ بالحدود، والجغرافيا بالسياسة، والطاقة بالنفوذ.

لكنه في الوقت نفسه يضع العراق أمام اختبار خطير. فإما أن يستخدم هذا الموقع لبناء قوة وطنية واقتصاد متصل بالعالم، وإما أن يتحول إلى ساحة تنافس أميركي ـ إيراني ـ إقليمي جديد.

وفي النهاية، لا تكمن المشكلة في أن يكون العراق ممراً استراتيجياً. بل في السؤال: من يملك قرار هذا الممر؟

فإذا امتلك العراق قراره، صار الممر فرصة. أما إذا امتلك الآخرون القرار، فقد يصبح الممر طريقاً جديداً إلى الفوضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *