النظام السعودي وسؤال الوظيفة التاريخية
لا يمكن فهم سلوك النظام السعودي الوهابي اليوم بوصفه سلوك دولة تقليدية فقط. بل يقدمه هذا التحليل بوصفه مشروعاً وظيفياً تأسس عام 1727.
وقد تأسس هذا المشروع على عقد بين السلطة والفتوى. وكان هدفه، منذ بدايته، التوسع باسم الدين واستخدام الخطاب الديني في السياسة.
ومنذ لحظته الأولى، ارتبط هذا المشروع بالقوى الاستعمارية الكبرى. ثم تحول، وفق هذا الطرح، إلى أداة لضرب وحدة الأمة الإسلامية.
كما عمل على تفكيك مراكز القوة المستقلة داخل المنطقة. ولذلك لا يمكن فصل مساره السياسي عن وظيفته المذهبية والإقليمية.
إن تتبع مسار النظام السعودي الوهابي، من مجزرة كربلاء عام 1802 إلى استهداف الحشد الشعبي في تموز 2026، يكشف حقيقة واحدة.
وتتمثل هذه الحقيقة في وحدة الوظيفة وتطور الأدوات. فالأدوات تغيرت، لكن الاتجاه العام بقي مرتبطاً بالتخريب والتفكيك.
من الدعم البريطاني إلى مجزرة كربلاء
بدأت المرحلة الأولى مع الدعم البريطاني للدولة السعودية الأولى والثانية. وكان الهدف، وفق هذا التحليل، واضحاً ومتصلاً بتفكيك الدولة العثمانية.
كما قام هذا الهدف على استخدام الخطاب التكفيري لضرب الهلال الشيعي في المنطقة. وقد جاءت مجزرة كربلاء عام 1802 ضمن هذا السياق.
فلم تكن المجزرة حادثاً عرضياً أو معزولاً. بل كانت أول نموذج لاستخدام ما يسميه النص الإرهاب المقدس.
والمقصود بذلك استخدام الدين لتقديس العنف. حتى أصبح القتل، في هذا التصور، عبادة، والجهاد تطهيراً.
وهكذا تحول العنف إلى أداة لضرب الذاكرة والهوية والرموز. ومن هنا تأسست العقيدة التكفيرية التي رافقت هذا المشروع.
مرحلة الترسيم الاستعماري
مع نهاية الحرب العالمية الثانية، دخل النظام السعودي المرحلة الأمريكية. وقد حدث ذلك عبر محطتين مفصليتين في تاريخه السياسي والاقتصادي.
المحطة الأولى هي اتفاقية الظهران عام 1945. أما المحطة الثانية فهي اتفاقية البترودولار عام 1974.
ومن خلال هاتين المحطتين، انتقل المشروع من الوكالة البريطانية إلى الوكالة الأمريكية المباشرة. كما تحولت الثروة النفطية إلى أداة نفوذ إقليمي ودولي.
اتفاقية الظهران 1945
في عام 1945، وعلى متن المدمرة يو إس إس كوينسي، التقى الملك عبد العزيز بالرئيس الأمريكي روزفلت.
وقد وقع الطرفان، وفق هذا السرد، عقد النفط مقابل الحماية. وبموجبه منحت السعودية امتياز النفط لشركات أمريكية.
كما منحت أرض الظهران لإنشاء أول قاعدة عسكرية أمريكية في الجزيرة العربية. ومن هنا تحول النظام السعودي من وكيل بريطاني إلى وكيل أمريكي مباشر.
وصارت وظيفته تأمين تدفق النفط وحماية المصالح الأمريكية. كما صار يوفر مزيداً من القواعد الأمريكية تحسباً لأي عدوان قادم.
اتفاقية البترودولار 1974
بعد حرب عام 1973 مع الكيان الإسرائيلي، وقعت السعودية اتفاقاً سرياً مع الولايات المتحدة. وقام الاتفاق على بيع النفط بالدولار فقط وحصراً.
كما قام على إعادة تدوير الفائض المالي في سندات الخزانة الأمريكية. وفي المقابل، ضمنت واشنطن أمن عروش آل سعود.
وجعلت هذه الاتفاقية النظام السعودي البنك المركزي غير الرسمي للمشاريع الأمريكية في المنطقة. فتحول الريال السعودي إلى سلاح سياسي وأمني.
واستخدم هذا السلاح في تمويل الحروب والجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية وشراء الذمم. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت السعودية منصة لوجستية وإعلامية ومالية لحروب واشنطن.
النشاط الهدام داخل المنطقة
انتقلت أدوات النظام من السيف القبلي إلى الدولار والفتوى. وعلى المستوى المذهبي، جرى تصدير الفكر التكفيري عبر المدارس والفضائيات.
وقد مثل هذا الفكر، وفق النص، الحاضنة التي أنتجت القاعدة وداعش والنصرة. وكان الهدف تفجير البنية الاجتماعية للعراق وسوريا واليمن من الداخل.
أما على المستوى السياسي، فبرز تمويل الانقلابات وشراء الذمم ودعم الجماعات المسلحة. وفي العراق بعد عام 2003، ظهر الدور السعودي المباشر بوضوح.
فقد تمثل هذا الدور، بحسب هذا الطرح، في تمويل المجاميع الإرهابية وتسليحها تحت عناوين طائفية. وبذلك دخل العراق في دائرة استنزاف طويلة.
أما على المستوى الاقتصادي والثقافي، فقد جرت محاربة أي مشروع تنموي مستقل لدول محور المقاومة. كما جرى ضرب الصناعة والزراعة فيها.
وجاء ذلك، وفق تعبير النص، عربون خضوع مذل للغرب. كما جرى ترويج ثقافة الترفيه بديلاً عن ثقافة البناء والاستقلال والمقاومة.
العدوان على اليمن وحصار صنعاء
لم يكن عدوان النظام السعودي الوهابي على اليمن منذ عام 2015، بحسب هذا التحليل، إلا ترجمة عملية للعقيدة نفسها.
فهي العقيدة التي بدأت في كربلاء عام 1802. وبعد فشل مشروع التفكيك بالوكالة في العراق وسوريا وعدة دول عربية أخرى، انتقل النظام إلى المواجهة المباشرة.
وكانت المواجهة في خاصرة الجزيرة العربية. كما كان هدف العدوان ضرب الدولة اليمنية الموحدة ومنع قيام نموذج مستقل ومقاوم على الحدود الجنوبية.
وكانت صنعاء مستهدفة رمزياً وسياسياً في هذا العدوان. لذلك لم يكن القصف والحصار مجرد إجراءات عسكرية، بل رسالة سياسية أوسع.
الحصار بوصفه حرب تجويع
فرضت دولة أحفاد حمر الطرابيش، وفق وصف النص، حصاراً شاملاً براً وبحراً وجواً. واستهدف هذا الحصار المطارات والموانئ والمستشفيات.
كما منع وصول الغذاء والدواء إلى الشعب اليمني. ولذلك يصف النص هذا الحصار بأنه حرب تجويع ممنهجة ضد شعب صابر.
ويمثل هذا الحصار امتداداً لعقيدة تركيع الشعب وسلب إرادة المقاومة. فهو لا يستهدف الجغرافيا فقط، بل يستهدف الإرادة والقرار.
وفي المحصلة النهائية، فشل نظام آل سعود في كسر إرادة اليمنيين. وهذا الفشل دفعه، وفق النص، في عام 2026 إلى العودة للسيناريو نفسه في العراق.
وجاء ذلك عبر استهداف الحشد الشعبي مباشرة. لأنه يدرك، وفق هذا التحليل، أن أدوات الوكالة لم تعد كافية لتحقيق أهدافه.
من كربلاء إلى صنعاء والعراق
إن ما جرى في صنعاء من حصار وتجويع يمثل امتداداً لجريمة كربلاء. فالمسار، في قراءة النص، واحد، وإن تغيرت الجغرافيا.
فمرة يظهر العنف في كربلاء عام 1802. ومرة يظهر في صنعاء منذ 2015، ومرة يعود في العراق عبر استهداف الحشد الشعبي في 2026.
وهذا الربط لا يقوم على تشابه الأحداث فقط. بل يقوم على فكرة وحدة الوظيفة وتطور الأدوات عبر الزمن.
فالعنف المذهبي، والوكالة الخارجية، والمال السياسي، والحصار، والحرب، كلها أدوات في مسار واحد. وهذا المسار يستهدف مراكز القوة المستقلة والمعادية لإسرائيل.
الخاتمة والاستنتاجات
يخلص التحليل إلى أن النظام السعودي ليس دولة ذات سيادة كاملة. بل يراه مشروعاً استعمارياً بوجه عربي وقناع إسلامي.
وتتمثل وظيفته التاريخية في منع قيام أي مركز قوة مستقل يعادي إسرائيل داخل المنطقة الإقليمية. ولهذا يربط النص بين محطات متعددة.
فهناك وحدة مسار تربط بين حادثة كربلاء عام 1802، واتفاقية الظهران عام 1945، واتفاقية البترودولار عام 1974.
كما تربط هذه الوحدة بين تلك المحطات وبين التحالف المشترك لضرب الحشد الشعبي عام 2026. ويقوم هذا المسار على الحقد المذهبي والتبعية الخارجية.
وبذلك تتحول قراءة النظام السعودي من قراءة دولة إلى قراءة وظيفة. فالمسألة ليست في السياسة وحدها، بل في البنية التي ربطت الفتوى بالسلطة والمال بالحماية.
وبكيف الله.


