“الساداتيون الجدد” …ومحور الاستسلام اللبناني–السوري–العراقي!

الساداتيون-الجدد-ومحور-الاستسلام
قراءة سياسية في الساداتيين الجدد، من كامب ديفيد إلى محور لبنان وسوريا والعراق، وسؤال طريق القدس والمقاومة...

الساداتيون الجدد وطريق كامب ديفيد

قبل ما يقارب خمسين عاماً، كسر الرئيس المصري أنور السادات حائط العداء والحرب مع العدو الإسرائيلي. ثم وقّع اتفاقية كامب ديفيد للسلام وفق معادلة الأرض مقابل السلام.

وقد أخرج السادات أكبر دولة عربية من ساحة الحرب. كما شق طريق الاستسلام والتنازل أمام العرب والفلسطينيين.

ثم التحق به الأردن في اتفاقية وادي عربة. كما التحق الفلسطينيون باتفاقيات أوسلو، واللبنانيون باتفاق 17 أيار الذي سقط لاحقاً.

وبعد ذلك، التحق بقية العرب والمسلمين بمسار التطبيع. وهكذا بدأ مسار طويل غيّر موقع الصراع العربي الإسرائيلي في المنطقة.

وبعد خمسين عاماً، تقدم الساداتيون الجدد. واتبع أكثر العرب والمسلمين المنهج الساداتي، ولم يبق خارج هذا القطار الاستسلامي إلا بعض حركات المقاومة.

وتوجد هذه الحركات في فلسطين ولبنان والعراق واليمن. وقد حدث ذلك بعدما أسقطت أمريكا سوريا الممانعة بيد الجماعات التكفيرية.

كما جرى ذلك بالتضامن والتكافل مع أطراف عربية وإسرائيل وتركيا. وهنا دخلت المنطقة مرحلة أشد خطورة في ميزان القوى.

مشروع إسرائيل الكبرى وتحريف المفاهيم

بدأ تنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى عند توقيع اتفاقية كامب ديفيد. وقد جرى تثبيت نهر النيل كحدود أولى ضمن مخطط العدو الإسرائيلي.

وهذا المخطط يقوم على فكرة حدود إسرائيل من النيل إلى الفرات. ثم بدأ بإسقاط المفاهيم الفكرية والثقافية والدينية وتأويلها وتحريفها.

كما احتل الجغرافيا، واستعبد الأنظمة والرؤساء والملوك والأمراء. ودجّن علماء الدين والمثقفين والإعلاميين وبعض الأكاديميين المسترزقين.

وقد مُنح بعض هؤلاء لقب المفكر العربي. مع أن بعضهم، في قراءة النص، خريج الكنيست الإسرائيلي، واستطاع اختراق محور المقاومة.

ومن هنا، لم يكن المشروع عسكرياً فقط. بل كان مشروعاً فكرياً وثقافياً ودينياً وسياسياً يهدف إلى إعادة تشكيل الوعي العربي والإسلامي.

إسقاط مفهوم الأمة

أسقط المشروع الأمريكي الإسرائيلي مفهوم الأمة ووحدتها. كما غابت القومية العربية إلا في اتجاه معاداة الإيرانيين الفرس.

وجاء ذلك، وفق النص، عقاباً لهم لأنهم تركوا التحالف مع إسرائيل. كما دعموا القضية الفلسطينية، ووقفوا مع خيار المقاومة.

وتحوّل العرب إلى أعداء يقتل بعضهم بعضاً. ثم وصل الأمر إلى غياب العرب كأمة وشعوب وقوة سياسية عن المشهد العالمي.

كما غابوا عن المشهد السياسي في منطقتهم. وصاروا، في توصيف النص، مجرد نواطير وأتباع داخل ترتيبات لا يصنعونها.

الإسلام القرآني والإسلام الأمريكي التكفيري

أسقط المشروع الأمريكي الإسرائيلي مفهوم الإسلام القرآني الأصيل. وحل مكانه الإسلام الأمريكي التكفيري وإسلام المذاهب وفتاوى التكفير.

كما انتشرت فتاوى إرضاع الكبير. وظهرت فتاوى تقول بوجوب الهجرة من فلسطين إذا كان البقاء مانعاً لحفظ الدين.

كما ظهرت فتاوى جواز قتل ثلث الشعب لإسقاط النظام. وبرزت فتاوى تجعل أولوية القتل للمسلمين من الشيعة والدروز والسنة المعتدلين.

وامتد ذلك إلى الصوفيين والعلويين والمسيحيين والأيزيديين. كما شمل كل من طالت أيدي التكفيريين رقابهم ولم يبايعوهم.

وقد تلازم هذا المسار مع مهادنة إسرائيل والتحالف معها ضد المقاومة. وظهر ذلك إما عبر قطع طرق الإمداد، أو عبر التحضير للغزو التكفيري للبنان والعراق.

كما وصل الأمر إلى اعتبار الفصائل الفلسطينية إرهابية. وهنا اكتمل، وفق النص، جزء من انقلاب المفاهيم الدينية والسياسية.

تعميم المنهج الساداتي

تستمر أمريكا في تعميم المنهج الساداتي لإسقاط ما تبقى من العرب والمسلمين. وتظهر آخر نسخه في ما يجري في سوريا ولبنان والعراق.

ويجري ذلك بشكل منفرد على مستوى كل دولة. كما يجري عبر توقيع اتفاقيات أمنية واستسلامية، والتنازل عن السيادة والحقوق.

وتقوم بهذا الدور أنظمة ورؤساء وحكومات نصبتها أمريكا. فقد نصبت الشرع الجولاني في سوريا، وفق توصيف النص.

كما نصبت حكومة في لبنان هرولت إلى التطبيع والسلام عارية. وقدمت كل أوراق القوة اللبنانية دون أي مقابل.

واستفادت في ذلك من الغطاء السياسي للأحزاب والطوائف في لبنان. كما استفادت من صمت قوى المقاومة التي لم تتجرأ حتى الآن على الانسحاب من الحكومة.

ولم تتحرك هذه القوى، بحسب النص، بمظاهرة سلمية أو اعتصام. كما لم تمارس إنكاراً باللسان الفاعل، سوى بيانات رفع العتب.

وجاء بعض هذه البيانات مؤيداً لما يقوم به رئيس الجمهورية والحكومة. وفي العراق، جرى تنصيب حكومة خارج إطار نتائج الانتخابات النيابية.

وبذلك شُطب صوت الناخبين العراقيين. واكتفى العراقيون بصوت الرئيس الأمريكي ترامب، الذي حدّد رئيس الوزراء المنفذ للإملاءات الأمريكية.

محور ساداتي جديد

بدأت أمريكا بتأسيس التحالف السوري اللبناني العراقي وفق أسس أمنية واقتصادية وسياسية. ويجري ذلك كمحور ساداتي جديد.

ويندرج هذا المحور ضمن المحاور الساداتية التي أسستها أمريكا في العالم العربي. وقد قامت هذه المحاور على أشلاء جامعة الدول العربية.

فأسست أمريكا المحور الساداتي المعروف باسم مجلس التعاون الخليجي. كما أسست المحور الساداتي الفلسطيني عبر السلطة الفلسطينية.

ومن هنا، يظهر أن الساداتيين الجدد لا يمثلون حالة فردية. بل يمثلون شبكة سياسية إقليمية تتقدم داخل بنية الاستسلام والتطبيع.

وراثة إيران ومحور المقاومة

تسارع أمريكا دون إضاعة الوقت إلى وراثة إيران ومحور المقاومة. وتركز تحديداً على محوره الأساسي العراقي والسوري واللبناني.

فهذا المحور يمثل ممر إيران البري باتجاه فلسطين. كما يمثل الطريق الذي أراد الإمام الخميني فتحه باسم طريق القدس.

وقد أعلن الإمام الخميني هذا الطريق عند انتصار الثورة الإسلامية. وجاء ذلك بعد أشهر فقط على اتفاقيات كامب ديفيد.

لذلك، لا تبدو المعركة هنا عسكرية أو سياسية فقط. بل تبدو معركة على الطريق والمعنى والوجهة، بين كامب ديفيد وطريق القدس.

المعركة بين كامب ديفيد وطريق القدس

إنها المعركة الفاصلة بين النهج الساداتي وطريق كامب ديفيد الاستسلامي. كما أنها معركة بين طريق القدس والنهج المقاوم.

وهذه المعركة ستحدد مستقبل المنطقة على مستوى العقيدة. فالسؤال الأول هو: هل يبقى الإسلام أم تنتصر الديانة الإبراهيمية؟

والسؤال الثاني هو: هل تبقى فلسطين أم تضيع؟ أما السؤال الثالث، فيتعلق بمصير الأمة العربية والإسلامية.

فهل تبقى هذه الأمة، أم تتحول إلى قبائل وقوميات ومذاهب؟ وهل يحكمها المندوبون الأمريكيون بالقوة بدل إرادة شعوبها؟

مراجعة نقدية للمشروع المقاوم

لا بد من مراجعة نقدية لتشخيص الأسباب التي أدت، خلال أشهر أو عامين، إلى سقوط المنظومة العسكرية والسياسية للمشروع المقاوم.

فهذا المشروع استغرق بناؤه أربعين عاماً. ومع ذلك، يقف اليوم على أعتاب سقوط مشروعه فكرياً وعقائدياً، وفق قراءة النص.

وهذا السؤال لا يهدف إلى جلد الذات فقط. بل يهدف إلى فهم أسباب الخلل، وتشخيص ما أصاب المنظومة من ارتباك وانكشاف.

فالمعركة مع الساداتيين الجدد لا تُحسم بالشعارات وحدها. بل تحتاج إلى وعي سياسي وفكري وعقائدي يعيد ترتيب عناصر القوة.

جمرات المشروع المقاوم

لا تزال بعض جمرات المشروع المقاوم ملتهبة في لبنان واليمن وإيران. وهذه الجمرات، في رؤية النص، لم تنطفئ بعد.

لكن السؤال هو: هل يتنادى ما تبقى من أحرار ومقاومين عرب ومسلمين وفلسطينيين؟ وهل يعيدون إشعال زخم المقاومة الشاملة قبل انتصار المشروع الأمريكي؟

وهل يمكن منع انتصار المنهج الساداتي قبل أن يكتمل؟ هذه الأسئلة تكشف أن النص لا يتحدث عن الماضي فقط، بل عن مصير المنطقة المقبل.

وفي المحصلة، يقف الشرق العربي والإسلامي بين طريقين. طريق كامب ديفيد والاستسلام، وطريق القدس والمقاومة.

وبين الطريقين، يتحدد معنى فلسطين، وموقع الأمة، ومستقبل الإسلام السياسي والحضاري. كما يتحدد مصير العراق وسوريا ولبنان داخل معركة النفوذ الكبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *