مقابلة أساس ميديا وسؤال التوضيح
إن أكثر ما يدفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو الكلام الذي نُشر عن الرئيس بري. فقد قال موقع أساس ميديا إن علاقته ببشّار الأسد اتسمت بالتوتر والبرودة لأكثر من اثني عشر عاماً لم يزر فيها دمشق.
وهنا تظهر المفارقة الأولى في مقابلة أساس ميديا. فالرئيس بري لم يزر سوريا منذ حوالي ست عشرة سنة، كما هو معروف للجميع.
وبين اثنتي عشرة سنة وست عشرة سنة فرق لا يمكن تجاهله. فالرئيس بري رجل دولة، واليوم الواحد في السياسة له أهميته التاريخية.
وإذا كانت هناك زيارات لم يُعلن عنها، فإن الأمر يقتضي التوضيح. فالمسألة ليست تفصيلاً زمنياً عابراً في مسار شخصية سياسية بهذا الوزن.
لقد أثارت المقابلة الأخيرة مع دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، والمنشورة عبر موقع أساس ميديا، نقاشاً واسعاً.
كما أثار ما تلاها من تصريح لصحيفة الأخبار نقاشاً بين المهتمين بالشأن السياسي. وليس المقصود من هذه الملاحظات الدخول في سجال مع أحد.
ولا أستهدف العمل الصحفي للمؤسستين الإعلاميتين. إنما أطرح مجموعة من الأسئلة التي تستحق التوضيح.
فشخصية بحجم الرئيس بري اعتدنا أن تُقرأ كلماتها بدقة. كما اعتدنا أن تُبنى عليها استنتاجات سياسية واسعة.
لكن بما أن الموضوع يتعلق برأس الهرم في الطائفة الشيعية، فإن الأمر يكتسب حساسية أكبر. فالطائفة اليوم تعيش حالة خطيرة على كل المقاييس.
وتعود هذه الخطورة إلى أسباب سياسية وإعلامية وضعتها على مفترق طرق وجودي. لذلك أكتب هذا النص ببعد سياسي صرف.
الرئيس بري والرئيس عون
كشف أساس ميديا أن علاقة الرئيس بري بالرئيس عون ممتازة. وجاء في النص أنه قال: نختلف على بعض وجهات النظر السياسية، لكننا على تواصل دائم.
كما قال إن الرئيس عون اتصل به قبل سفره إلى واشنطن. وقال له: بماذا توصيني؟
فأجابه الرئيس بري: أوصيك بأمرين. تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي الشامل، وعودة الناس إلى قراهم ومنازلهم.
وأضاف أنه عندما عاد الرئيس عون من واشنطن، اتصل به مهنئاً بالسلامة. وقال أيضاً إنه سيزوره قريباً.
وهذا الكلام ينفي كل ما قيل سابقاً عن القطيعة. كما ينفي الحديث عن الاختلاف العميق مع مسار الرئيس عون التفاوضي.
لكن صحيفة الأخبار أبرزت اليوم أن الرئيس بري لا يزال متمسكاً برفض أي تفاوض مباشر بين لبنان والعدو الإسرائيلي.
كما أكدت أنه متمسك بالموقف الذي سبق أن عبّر عنه من اتفاق الإطار. وقد وصف هذا الاتفاق سابقاً بأنه أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار.
وأوضحت الصحيفة أن أي مواقف صدرت عنه، وفُسرت على أنها مرونة أو إيجابية تجاه المسار التفاوضي القائم، ترتبط حصراً بأولوية تحقيق الهدف الأساسي.
وهذا الهدف، وفق ما يطالب به منذ اليوم الأول، يتمثل في تثبيت وقف إطلاق النار. كما يتمثل في تأمين الانسحاب الإسرائيلي الكامل وعودة الأهالي إلى قراهم ومنازلهم.
أما ما عدا ذلك، فلا يعني أي تبدل في موقفه المبدئي. فهو يرفض تحويل هذه المرحلة إلى مدخل لتفاوض سياسي مباشر مع إسرائيل.
كما يرفض أن تتحول المرحلة إلى مسار يتجاوز الثوابت اللبنانية. وهي ثوابت سبق أن أكدها الرئيس بري مراراً.
إذن، نحن كمتابعين سياسيين نستطيع القول إن هناك أمراً يحصل. وهذا الأمر يجب التوقف عنده وقراءته بدقة.
فقد عرف اللبنانيون الرئيس نبيه بري طوال عقود بأسلوب سياسي متماسك. ويعتمد هذا الأسلوب الاقتصاد في الكلام، والدقة في اختيار المفردات.
كما يعتمد ربط المواقف بسياق سياسي واضح. لذلك بدا النص المنشور مختلفاً، في بعض محطاته، عما اعتاده الرأي العام من منطقه السياسي وأسلوبه المعروف.
أولاً: خطورة السياق السياسي
ما أكتبه يتعلق بعمق العمل السياسي وخطورته الوجودية. وأعني بذلك حقيقة وضع طائفة أجزم بأنها أصبحت في وضع لا تُحسد عليه.
لذلك، لا أقرأ مقابلة أساس ميديا بوصفها مادة إعلامية عابرة. بل أقرأها ضمن سياق سياسي وطائفي وإقليمي بالغ الحساسية.
ثانياً: ترامب والسعودية ولغة المحبة
ورد في المقابلة أن الرئيس بري قال إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفهمه أكثر من بعض اللبنانيين.
كما ورد أنه قال إن المملكة العربية السعودية تحبه أكثر من بعض اللبنانيين. وهنا يحق لأي سياسي تابع تصريحات الرئيس بري عبر عقود أن يتوقف.
فهذا النوع من التعبير يختلف عن الخطاب الذي عُرف به الرئيس بري. فقد كان خطابه يؤكد أن العلاقات بين الدول تُبنى على المصالح المتبادلة.
كما تُبنى على الاحترام والسيادة، لا على مفردات المحبة أو الفهم الشخصي. وهذا ما يجعل العبارة بحاجة إلى قراءة وتوضيح.
وخطاب الرئيس بري ومقولته الشهيرة عام 2002 لا يزالان حاضرين. فقد قال إن العلاقات مع الدول لا تمر ولا تترتب بوكالات حصرية.
ثالثاً: سوريا الجديدة وخطأ العراقيين
تضمن الحوار نصيحة من الرئيس بري للحكم السوري الجديد. وقال إن الحكم لا يمكن أن يقوم على الإقصاء أو الانتقام.
كما قال إن على السوريين ألا يرتكبوا خطأ العراقيين بعد سقوط صدام. ومن هذا الكلام قد يفهم أن الحكومات العراقية قامت على الإقصاء أو الانتقام.
والواقع أن هذه العبارة قد تحتمل أكثر من تفسير. ولذلك يصبح توضيح المقصود منها أمراً ضرورياً.
كما تحدث الرئيس بري إلى الوزير الشيباني عن علاقته بالرئيس الراحل حافظ الأسد. وقال إن هذه العلاقة امتدت نحو خمسة وعشرين عاماً.
وأضاف أنها كانت علاقة ممتازة قائمة على الثقة والتواصل. لكن علاقة الرئيس بري بالرئيس الأسد بدأت بعد غياب الإمام موسى الصدر بسنوات.
وهذا يعني أن بري تعرف على الأسد، في الحد الأدنى، مع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. وكان يجب على أساس ميديا أن يلحظ هذه الفوارق الزمنية ويدققها تحريرياً.
كما أن حافظ الأسد دخل لبنان عام 1976 وتوفي عام 2000. وهنا يبرز السؤال: هل كان الرئيس بري يعرف الأسد قبل هذا التاريخ؟
ولا يعقل أن يتحدث رجل سياسي من وزن الرئيس بري أمام الحكومة السورية الجديدة بهذه الطريقة. فهذه الحكومة قامت على أنقاض حكم حافظ الأسد.
كما أن الحكومة السورية الجديدة لم تكتف بمحاسبة أتباع حافظ الأسد وأصدقائه وحلفائه. بل قامت أيضاً، وفق ما ورد، بقبع قبره من مكانه.
رابعاً: عبارة الشيعي الوحيد والحرب السورية
من أكثر العبارات التي استوقفت القراء قول منسوب إلى الرئيس بري. فقد قيل: أنا الشيعي الوحيد في العالم العربي الذي لم يتورط في الحرب السورية.
إذا كانت العبارة قد وردت بهذا النص، فإنها قد توحي بتعميم لا يعكس الواقع. فمواقف الشيعة العرب من الحرب السورية لم تكن واحدة.
وقد برزت شخصيات سياسية وكتّاب ومثقفون أعلنوا مواقف مختلفة منذ بدايات الأزمة. لذلك تحتاج العبارة إلى تدقيق في معناها وحدودها.
وهنا يبرز سؤال آخر شديد الحساسية. هل يقول الرئيس بري إن شيعة لبنان، وخاصة الحزب، تورطوا في الحرب السورية؟
وإذا كان المقصود هو الحديث عن موقع سياسي محدد، فيجب صدور توضيح كامل. فخطورة التصريح على الطائفة الشيعية لا يمكن تجاهلها.
وتزداد هذه الخطورة لأن الطائفة مهددة مباشرة بتدخل سوري من الحكومة الجديدة. لذلك لا يمكن ترك العبارة معلقة بلا تفسير سياسي واضح.
خامساً: الحج والبروتوكول الرسمي
أما الحديث عن التكريم الذي لقيه الرئيس بري خلال أدائه مناسك الحج، فهو أمر لا يُستغرب. فالرئيس بري شخصية رسمية تتولى رئاسة السلطة التشريعية في لبنان.
كما أن البروتوكولات المعتمدة في استقبال كبار المسؤولين جزء من الأعراف الدبلوماسية بين الدول. وهي لا تنتقص من قيمة العلاقة ولا تضيف إليها بحد ذاتها.
وفي الختام، الرئيس بري ليس شخصية عادية تقوم بأداء فريضة الحج. لذلك فإن أي حديث عن تكريمه يجب أن يُقرأ ضمن موقعه الرسمي والسياسي.
سادساً: الخلاف التاريخي بين السنة والشيعة
كذلك استوقفت كثيرين العبارة المتعلقة بالخلاف التاريخي حول الخلافة بين السنة والشيعة.
فقد نُقل عنه قوله: لو قال كل السنة إن الإمام علياً أحق بالخلافة، فماذا سيستفيد الشيعة؟ ولو قال كل الشيعة إن أبا بكر أحق بالخلافة، فماذا سيستفيد السنة؟
وهنا يعرف الجميع أن الرئيس بري كان دائماً من أبرز الداعين إلى الوحدة الإسلامية والعيش المشترك.
لذلك، فإن أي طرح يتعلق بهذا الملف يحتاج إلى دقة استثنائية. فغياب الدقة قد يجعل الكلام يُفهم وكأنه يعيد النقاش إلى إطار مذهبي طائفي.
والرئيس بري كان نهجه السياسي طوال عقود يؤكد أن الخلافات الراهنة خلافات سياسية. كما كان يؤكد أنها تُعالج بالحوار، ولم تكن يوماً خلافات طائفية.
كلمة أخيرة
ليس الهدف من هذه الملاحظات الاعتراض على مضمون سياسي. كما أن الهدف ليس الانحياز إلى أي وجهة نظر.
بل الهدف هو الحرص على وضوح الخطاب الصادر عن شخصية وطنية بحجم الرئيس نبيه بري.
في زمن كالزمن الذي نعيشه، وخاصة بالنسبة إلى الطائفة الشيعية، يصبح التوضيح فضيلة.
لذلك، يبقى الرجاء هو الإجابة والتوضيح. فالكلام الصادر عن الرئيس بري ليس كلاماً عادياً، ولا يحتمل الالتباس في هذه المرحلة.


