البنى التحتية للصرف الصحي في العراق: تناقضات العصر وحفريات الإهمال

البنى التحتية للصرف الصحي في العراق: تناقضات العصر وحفريات الإهمال
يتحدث النص عن مشكلات الصرف الصحي و انواعه و تدهور البنية التحتية في العراق حيث مازالت العديد من المحافظات تواجه مشكلات بدائية في القرن الواحد و العشرين و مازالت تواجه ضعف بنية الصرف الصحي و شبكاته ....

تتصاعد الاحتجاجات اليوم من أجل “سلم رواتب موحد”، وزيادة مخصصات، وحقوق أخرى، ولكن يبقى التضخم سيد الموقف. في دولة ” الريع العظيم…!” صارت المناصب الحكومية مغنما، والمكونات التوافقية المشروخة حجة. وضاع المواطن في غيابة الجب. والجب هنا ليس حفرة عادية بل (سبتك تانك Septic tank) أو الحفر الامتصاصية كما ورد في بيانات صادمة! حيث يظل العراق يرسم خريطة وجوده بأنابيب صدئة وحُفر مكشوفة. والبيانات للتعداد السكاني (2024-2025) ليست مجرد أرقام، بل هي سيرة وطنٍ يعيش نصفه في القرن الحادي والعشرين، بينما يغوص النصف الآخر في مستنقع الماضي الاسن. هنا، حيث تتحول “الحفرة الامتصاصية” من تقنية بدائية إلى رمزٍ للهوية المكسورة.

بداية وجب توضيح تصنيف البيانات المقدم من هيأة الإحصاء العراقية فيما يخص “وسيلة الصرف الصحي الرئيسة”، وقد وردت بأربع مؤشرات مئوية على 1- شبكة عمومية 2- سبتك تانك أو حفرة امتصاصية 3- شبكة أمطار حكومية 4- أخرى. والاهم هما الأول والثاني. وبلغة بسيطة للقارئ العادي نقول: يتم التخلص من الصرف الصحي إما عن طريق شبكة بنتها الدولة كجزء من الخدمة المقدمة للمواطن، أو سيلجأ الى التصريف البدائي من خلال حفر حفرة وراء أو بجانب البيت الذي يسكنه. وهنا لن نتطرق الى محافظات إقليم كردستان التي لها وضع تاريخي خاص.

وهذا ما تكشفه الأرقام حيث تُظهر تفاوتاً كبيراً بين المحافظات، ففي بغداد تصل نسبة الاتصال بالشبكة العمومية إلى 77.3%، وقريب منها ميسان 70%. بينما لا تتجاوز 18.1% في بابل، و20.8% في ديالى، والانبار 26.6%. إذ تعتمد هذه المحافظات على الحفر الامتصاصية وخزانات الصرف البدائي، مما يعكس الضعف الشديد في البنية التحتية المركزية في تلك المناطق، ومثلها المحافظات أدناه:

نينوى : شبكة العمومية 23.4%، وسبتك تانك أو حفرة امتصاصية 64.8%

وهنا أشارت تقارير محلية إلى مشروع “مجاري الجانب الأيمن لمدينة الموصل” في نينوى، الذي بلغت تكلفته المُعلنة 600 مليار دينار عراقي (ما يعادل قرابة 500 مليون دولار)، كواحد من أكبر مشاريع الفساد في المحافظة. اتُهم مسؤولون بتضخيم التكاليف وتحويل الأموال إلى “جيوب الفاسدين”، حيث أُدرج المشروع وتمت الموافقة عليه في غضون 30 يومًا فقط دون تدقيق كافٍ (نقلا عن شبكة الساعة الإعلامية – شبكة اخبار عراقية)

كركوك: شبكة عمومية 45.5%، وسبتك تانك أو حفرة امتصاصية 39.9%

كربلاء: شبكة عمومية 60.9%، وسبتك تانك أو حفرة امتصاصية 33.1%

واسط: شبكة عمومية 52.0%، وسبتك تانك أو حفرة امتصاصية 34.9%

صلاح الدين: شبكة عمومية 31.6%، وسبتك تانك أو حفرة امتصاصية 60.5%

النجف: شبكة عمومية 52.2%، وسبتك تانك أو حفرة امتصاصية42.7%

الديوانية: شبكة عمومية 40.0%، وسبتك تانك أو حفرة امتصاصية 48.8%

المثنى: شبكة عمومية 38.5%، وسبتك تانك أو حفرة امتصاصية 45.7%

ذي قار: شبكة عمومية 54.5%، وسبتك تانك أو حفرة امتصاصية 28.2%

البصرة: شبكة عمومية 50.3%، وسبتك تانك أو حفرة امتصاصية 37.8%

قد يبدو الامر إيجابيا فيما يخص بغداد، إلا انه ليس كذلك في أطرافها. ففضلا عن انتشار وسائل التصريف البدائي، أشير إلى مسألة عادة ما لا يلتفت اليها. ففي السابق كانت البنية التحتية لبغداد تقسم الخطوط إلى قسمين موازيين، مجاري أمطار، ومجاري صحية. ولكل منها مساره الذي ينتهي اليه. فالأول مثلا يعرف من غطائه على الأرض، شكلا مدورا، يذهب الى محطات الامطار الخاصة به، ثم الى النهر. والثاني بغطائه المربع، ويذهب كذلك الى محطاته الخاصة، ثم الى البزل، والمعالجة، والتدوير من أجل سقي المزروعات ومآرب ذات صلة. كل هذا صار من الماضي اذ صارت كل خطوط بغداد اليوم “صرف صحي” وهنا، يحتاج الموضوع الى مشاريع كبيرة لإنقاذ بغداد وسكانها، وحتى المحافظات من خطر التلوث، الذي يأتي بالسموم لينقل الى نهر دجلة، ومنه الى مناطق الجنوب.

إن مخاطر الامراض المنقولة بالماء، او تلك الحفر الامتصاصية، هي مؤشر صارخ لتكاثر البكتيريا والفيروسات. تسمم المياه الجوفية، وتلوث التربة، وتدمر التنوع البيولوجي. فضلا عن أنها تنتهك كرامة الانسان. (في المثنى على سبيل المثال تُجبر الأسر على إفراغ خزانات الصرف يدوياً). في المحصلة يؤدي هذا الوضع الى تآكل القطاع الزراعي، وخسائر في السياحة الدينية “كربلاء والنجف”. والمتأمل في المستقبل القريب، يرى كل ذلك ومع زيادة سكان العراق إلى 50 مليونًا بحلول 2030. ستتضاعف أعداد الحُفر في المحافظات الأكثر فقرًا، مما يغذي الاحتجاجات والتذمر العام، ولاسيما إذا اخذنا بنظر الاعتبار ان العراق خامس دولة تأثرا بالتغير المناخي.

ليست أزمة الصرف الصحي في العراق مجرد فشل تقني، بل هي انعكاس لانهيار العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، وهي انذار “جيم” للمسؤولين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *