لا تكاد مجتمعات الشرق الأوسط تنجو من ثنائيةٍ مزمنةٍ بين العقل والعاطفة في صناعة القرار، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي أو السياسي، فالعاطفة بما تحمله من انفعال واندفاع آني كثيرًا ما تكون المحرك الأساسي لسلوك الأفراد والجماعات، بينما يتراجع العقل إلى مرتبة ثانوية، أو يُستدعى فقط لتبرير القرار بعد وقوعه لا لصناعته قبله، هذه الإشكالية ليست مجرد مسألة سايكولوجية، بل هي أزمة حضارية عميقة ألقت بظلالها على مشاريع التنمية، والعلاقات الاجتماعية، وحتى على مصائر الدول.
التاريخ السياسي للمنطقة مليء بالأمثلة على القرارات الارتجالية التي قادها زعماء انفعاليون، فعبدالناصر في مصر قاد المنطقة إلى حرب 1967 التي انتهت بنكسة عربية، وصدام حسين بقراراته الاندفاعية أدخل العراق في حرب مدمرة مع إيران استمرت ثماني سنوات ثم في غزو الكويت الذي جرّ الويلات على شعبه، وبعدهما جاء معمر القذافي بخطابه الشعبوي وقراراته المرتجلة التي قادت ليبيا إلى عزلة وانقسام، وما تزال تجارب كثير من البلدان وزعمائها، بهذا المزيج من الانفعال القومي والديني، تدفع بالمنطقة إلى صراعات إقليمية متواصلة.
الجامع بين هذه التجارب أن الانفعال كان أقوى من العقلانية، وأن حسابات الزعامة الفردية والمزايدات الأيديولوجية طغت على التفكير الاستراتيجي، فكانت النتيجة سلسلة من الحروب الكارثية التي دفعت شعوب المنطقة أثمانها دمًا ودمارًا.
وإذا انتقلنا إلى الاجتماع الإنساني سنجد أن العاطفة تتحكم أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية، العلاقات الأسرية والقبلية وحتى الصداقات تُبنى في الغالب على الانفعال أكثر من اعتمادها على قيم العقلانية والموضوعية، في الزواج مثلًا، تطغى العاطفة على الاعتبارات الواقعية كالقدرة الاقتصادية أو التوافق الثقافي، لتتحول لاحقًا إلى أزمات أسرية، وكذلك الحال في المجتمع العشائري حيث تسود ردود الأفعال الغاضبة فتؤجج النزاعات بدل أن تحلها.
أما في مجال التعليم والمجتمع، فقد انعكست هيمنة العاطفة في قرارات تكريمية مبالغ فيها، مثل منح أولاد الشهداء درجات إضافية للقبول في كليات مرموقة، أو منح رتب عسكرية وألقاب علمية بعيدًا عن الأسس الموضوعية، أضف إلى ذلك القرارات العبثية مثل إعلان سنة دراسية كاملة “سنة عدم رسوب”، أو السماح بالعبور الجماعي من مرحلة إلى أخرى دون معايير، هذه الممارسات أفرغت القوانين من مضمونها العقلاني، وأنتجت أجيالًا ضعيفة القدرات، ومسؤولين بلا خبرة، وضباطًا بلا كفاءة، الأمر الذي انعكس كارثيًا على المستويات العلمية والعسكرية معًا.
ولم تخلُ المشاريع الاقتصادية والاستثمارية من هذه النزعة؛ حيث تتحكم الروابط الشخصية والعاطفية أو القبلية في إسناد المناقصات أكثر من اعتمادها على المعايير العلمية والجدوى الاقتصادية، فتتحول الدولة من مؤسسة قانونية إلى ساحة محاباة، ويتراجع الأداء وتُهدر الثروات.
الحل لا يكون في استنساخ نماذج غربية براقة، بل في صياغة منظومة تربوية جديدة تعلّم الفرد منذ الطفولة أن يسأل وينتقد بدل أن يُلقّن ويُطبع على الطاعة، كما يجب أن ننتقل اجتماعيًا من سلطة العادات والتقاليد الجامدة إلى قوانين مدنية حديثة تحترم المكونات دون أن تُخضعها لهيمنة شيخ عشيرة أو رجل دين، أما سياسيًا، فلا بد من الفصل بين الدين والدولة، وبين العشيرة والسلطة.
إن بناء مستقبل مختلف يتطلب أن ينتصر العقل على العاطفة في سلوكنا وقراراتنا المصيرية، فالدول لا تُدار بالشعارات والانفعالات، بل بالمؤسسات والقوانين والعقلانية، وما لم ندرك هذه الحقيقة ونحوّلها إلى ثقافة ومنهج، سنبقى ندور في حلقة مفرغة من الانفعالات التي تنتج هزائم متكررة وانكسارات يصعب تجاوزها.


