في أول مؤشر يحمل معه دلالات واضحة على تراجع ملحوظ في خطاب التصعيد والتهديد، يبدو أننا أمام رؤية مبنية على قراءة مبكرة لإخفاق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إقناع الرئيس الصيني شي جين بينغ بممارسة الضغوط على ايران ، ولا سيما فيما يتعلق بفتح مضيق هرمز الحيوي.
ففي هذا السياق، أدلى مستشار رئيس دولة الامارات أنور قرقاش ، بتصريحات تعكس توجهاً سياسياً أكثر اتزاناً وواقعية.
فقد أكد قرقاش أن الإمارات تجدد تمسكها بخيار الحلول السياسية والمفاوضات باعتبارها السبيل الأمثل لمعالجة الأزمات، مشدداً على أن بلاده لم تسعَ إلى الحرب، بل بذلت جهوداً مكثفة لتجنبها. كما أوضح أن بناء العلاقات العربية الإيرانية في منطقة الخليج لا يمكن أن تقوم على المواجهة والصراع، وإنما على الحوار والتفاهم والمصالح المشتركة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تحولات مهمة في موازين العلاقات الدولية. فقد بدا واضحاً أن الزيارة التي قام بها ترامب إلى الصين لم تحقق النتائج التي كان يعول عليها، خاصة في ظل ما اعتبره مراقبون فتوراً دبلوماسياً من جانب القيادة الصينية اتضح جليا في مراسيم الاستقبال، الأمر الذي يعزز الانطباع لدى المراقبين الدوليين بأن واشنطن لم تنجح في حشد الدعم الدولي الكافي لتصعيد موقفها تجاه إيران.
كما يمكن قراءة المشهد على أن المنطقة في طور تشكل رؤية خليجية أكثر استقلالاً في مقاربة العلاقة مع إيران، رؤية تتجاوز الاعتماد التقليدي على المظلة الأمريكية، وتستند إلى قناعة متزايدة بأن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق إلا من خلال التفاهمات السياسية والتسويات الدبلوماسية.
ويتزامن ذلك مع انعقاد اجتماع وزراء خارجية دول منظمة بريكس في نيودلهي بمشاركة الإمارات، في مؤشر إضافي على تنامي الحضور السياسي والاقتصادي للقوى الدولية الصاعدة، وعلى المتغيرات المتسارعة في بنية النظام العالمي.
إن العالم يشهد اليوم تحولات عميقة في موازين القوى والتحالفات. فكلما مضت الولايات المتحدة في خطوات تصعيدية تجاه إيران، بدا أن بعض حلفائها الإقليميين يميلون أكثر إلى النأي بأنفسهم عن هذا النهج، مفضلين مسار الحوار وخفض التوتر.
غير أن الأهم من قراءة المتغيرات الخليجية هو تسجيل أن دول مجلس التعاون لم تعد تراهن على قدرة واشنطن على فرض “سلام بالقوة” ضد طهران، بل أصبحت تتعامل مع إيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. فالتفاهم مع طهران لم يعد خياراً تكتيكياً، بل ضرورة وجودية لضمان أمن الطاقة وحرية الملاحة في الخليج.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستسهم زيارة ترامب إلى بكين في إعادة النظر بخيارات المواجهة والابتعاد عن شبح الحرب؟ أم أنها قد تدفعه إلى اتخاذ خطوات أكثر اندفاعاً في محاولة لتعويض ما تعرض له من انتكاسات سياسية ودبلوماسية ؟!
ننتظر ولا نغض الطرف عن تل ابيب !


